فقه الثقلين / في شرح تحرير الوسيلة
كتاب القصاص
كتاب القصاص
آية الله يوسف صانعي
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ «تحرير الوسيلة» هو خير وسيلة يبتغيها المكلّف في سيره وسلوكه ، وهو أوثقها عُرىً ، وأصلحها منهاجاً ; لِما امتاز به من سداد في تحديد الموقف العمليّ ، وإصابة في تشخيص الوظائف المُلقاة على عاتق المكلّفين ، وذلك على ضوء الدليلين : الاجتهاديّ والفقاهتيّ ، النابعين من الكتاب والسنّة . ناهيك عن جمعه للمسائل العمليّة ، ونأيه عن المسائل ذات الصبغة النظريّة التي لا تمسّ إلى واقعنا المُعاش بصلة .
ولئن كتب الشهيد الأوّل قدّس الله نفسه الزكيّة كتاب «اللّمعة الدمشقيّة» وهو سجين، فإنّ إمامنا العظيم نوّر الله ضريحه قد أ لّف هذا الكتاب حينما كان منفيّاً في مدينة بورسا التركيّة من قبل الطاغوت الغاشم ، ولم يكن بحوزته إلاّ «وسيلة النجاة» و «العروة الوثقى» و «وسائل الشيعة» .
نعم لم تكن بيده المباركة إلاّ هذه الكتب الثلاثة ، ولكنّ نفسه العلويّة لو لم تكن خزانة للعلوم الحقّة ، وفؤاده مهبطاً للإلهام والتحديث ، لامتنع وجود هذا السِفر الخالد في تلك الظروف العصيبة .
ونظراً إلى أهمّية هذا الكتاب ، وضرورة نشره على مختلف المستويات والأصعـدة ; لذا فقد أخذت مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني(قدس سره) على عاتقهـا نشر شـروح وتعاليق العلماء المحقّقين على «تحريـر الوسيلة» ومـن نفقتها الخاصّة .
ويعدّ الكتاب الذي بين يديك ، واحداً من هذه السلسلة الضخمة التي تروم مؤسّستنا طبعها ، وهو شرح لمباحث القصاص مـن «التحرير» ، تأليف سماحـة آية الله العظمى الشيخ يوسف الصانعي دام بقائه . نسأل الله تعالى أن يوفّقه وإيّانا وأن يختم لنا جميعاً بالحسنى إنّه سميع الدعاء .
منهجنا في تحقيق الكتاب
أمّا منهجنا في تحقيق الكتاب فهو كما يلي :
1 ـ تقويم النص وتقطيعه وتزيينه بعلامات الترقيم المناسبة ولم ندمج متن التحرير مع الشرح رغبةً في تسهيل مراجعة القراء الكرام ، بل أثبتنا المتن في صدر الصفحة وذكرنا شرحها في ذيلها .
2 ـ تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ، وقد اكتفينا في تخريج الأحاديث بالوسائل الحديثة لاشتمالها على الإشارة إلى المنابع الأصلية إلاّ في صورة عدم تطابق الرواية المذكورة في المتن مع ما في الوسائل ، حيث عزوناها إلى مصادرها الأصلية .
3 ـ تخريج أقوال العلماء التي نقلها المصنّف بلفظها أو ما يقاربها دون ما أشار إليها روماً للاختصار وحذراً من التطويل .
وفي الختام تتقدّم المؤسسة بالشكر الجزيل والثناء العاطر إلى كلّ الإخوة الفضلاء الذين ساهموا في تحقيق هذا الكتاب راجيةً لهم التسديد والموفقية في خدمة ديننا الحنيف .
مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني(قدس سره)
فرع قم المقدّسة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم وفضّله على بقيّة الأنام بفضيلة الكرم وسلام الله التام الدائم الشامل وصلواته الزاكية النامية وصلوات جميع انبيائه واوصيائهم وجميع الصالحين والملائكة المقرّبين على نبيّه المكرّم ورسوله الخاتم ، المبعوث في الاُميين ليتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، المحمود الأحمد ، السراج المنير ، البشير النذير ، المسمّى في كتابه الكريم بمحمّد وأحمد ، الموصوف بالرحمة للعالمين وعلى آله الطاهرين وعترته الحافظين لشريعته والهادين لطريقته والمبلّغين لسنّته والوارثين لجميع علومه وما نزل عليه من الأحكام والشرائع بالوحي والمفسّرين للقرآن والمبيّنين لمتشابهه والعاصمين لمحكمه واللعن الدائم على أعدائهم أعداء الدين من اليوم إلى آخر الأيام .
أ مّا بعد ، فيقول العبد المحتاج إلى ربّه الكريم يوسف الصانعي ابن العالم المؤمن المتّقي المرحوم الشيخ محمّد علي الصانعي عفا الله عنهما : هذا الكتاب هو تنقيح وتهذيب وتنظيم لما ألقيته من المباحث في جمّ غفير من الأفاضل وعدّة من الأعلام على أساس كتاب القصاص من تحرير الوسيلة لسيدنا الاُستاذ الإمام الخميني ـ سلام الله عليه ـ ولقد بذلت غاية جهدي وكمال وسعي للنظر في أدلّة مسائله والسعي في نقضها وإبرامها على قدر الطاقة وصرفت فيه أوقاتاً كثيرة في أيام البحث وما بعدها من الأيام ، وقد طال النظر في بعض مباحثه إلى ساعة وساعتين بعد النصف من الليالي بل قد طال النظر نادراً في بعض المسائل المهمّة كقصاص المسلم بالمؤتمن والرجل بالمرأة من دون الردّ وأمثالهما زائداً على ما صرفت فيها الوقت في بقية الأوقات ; لاجالة النظر والمداقّة في الأدلّة والفحص عمّا قيل أو يمكن أن يقال إلى طلوع الفجر ، والمنّة لله تعالى والتوفيق منه فإنّه لا مؤثر في الوجود إلاّ هو وأشكره على توفيقه في النظر إلى الفقه ودراسة أحكام الإسلام الذي هو الطريق الوحيد لسعادة الناس وأسال منه العفو عن قصور القلم والكلام فإنّه العفوّ الغفور الرحيم . وليعلم أنّ ما في الكتاب من السهو والخطأ فيرجع إليّ وما كان فيه من إصابة الحق والدقة في البحث فالعمدة فيه هو من بركة ما استفدناه من محضر سيدنا الاُستاذ وفي امتداد الجهود القيمة العلمية والمساعي الكبيرة الفقهية لكبار الفقهاء الماضين قدس الله اسرارهم وحشرنا الله معهم ومع مواليهم الأئمّة المعصومين ، ونسأل الله تعالى أن يجعل بذل طاقتي في البحث وكمال جهدي في الكتاب أداءً لبعض حقوق سيدنا الاُستاذ من حقوقه الكثيرة عليّ وعلى الحوزات العلميّة في توسعة التعليم وازدياد التحقيق والتتبّع في العلوم المختلفة وقوّة الإبداع في المسائل الفقهية ، لاسيّما شكراً لعناياته الخاصّة بي ومراحمه الكثيرة لي كاُستاذ شفيق ومعلّم رفيق وأب رحيم فسلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً .
يوسف صانعي
قم المقدّسة
وهو إمّا في النفس ، وإمّا فيما دونها :
والنظر فيه في الموجب ، والشرائط المعتبرة فيه ، وما يثبت به ، وكيفيّة الاستيفاء :
(1) البحث في الكتاب عن المقابلة بالمثل بالقتل أو القطع وفـي الضرر على النفس أو الأعضاء والأطراف ، وفي كتاب الديات عن المال الجابـر للخسارة وللضرر عليهما أو على منافعه ، المسمّى بالدية أو الأرش ، فالبحث هنا عن الجزاء والعقوبة ، وفي الديات عن جبران الخسارة . وبذلك يظهر دخل المعصية والعمد في القصاص دون الدية ، فموجبها الضرر بما هو ضرر من دون دخل للمعصية وإن كانت موجودة في بعض مـواردها كديـة الولد على الوالـد فيما لو كان هو القاتل له ، فالقصاص والدية يفترقان عن الآخر بوجوه ثلاثة :
من كونه عقوبة وكونها جبران الخسارة .
ومن اشتراطه بالعصيان دونها .
ومن ترتّب آثار الجزاء على القصاص وآثار الدين على الدية ، كانتفاء الأوّل بموت الجاني وبقاء الدية في قتل الخطأمع موت القاتل فيما لو كانت على عهدته فضلاً عمّا لو كانت على العاقلة .
ومـن ذلك يظهر أ نّـه ينبغي البحث عن كلٍّ منهما منفرداً عن الآخر ، كما فعله جلّ العلماء وأعاظمهم في كتبهم القيّمة كـ «المقنع»( [1]) و «المقنعة»( [2]) و «الانتصار»( [3]) و «النهاية»( [4]) و «الوسيلة»( [5]) و «الشرائع»( [6]) و «التحرير»( [7]) وغيرها ، فقد عبّروا بالجنايات والديات ، أو بالقصاص والديات ، أو أحكام القتل والقود والدية ، وأمثال ذلك ممّا يدلّ على الافتراق .
ولا دلالة لكون الدية حكم القتل في بعض تلك العبائر على أ نّها هي الجـزاء والعقوبة ; لعدم دلالة الدية على الأزيد من الضمان ، ولتعرّضهم للعقوبـة مثل التعزير والكفّارة بنفسها مضافة إليها فيما يوجبها كقتل الوالد ولده .
نعم ، في عبارة «القواعد» إشعار بعدم التفاوت بينهما وأنّ الديات من العقوبات ، ففيه : «كتاب الجنايات» وفيه «قطبان» الأوّل : في القصاص ، وجعل الثاني منهما في الديات( [8]) . ففي جعله (رحمه الله) قطبين لكتاب الجنايات ـ الظاهرة في المعصية ـ إشعار بل ظهور في كونها عقوبة عنده كالقصاص . لكنّ المستفاد من الدقة في العبارة خلافه ، فإنّ الدية مترتّبة على المعصية في الجرح الذي لايقبل القصاص ، وعلى غيرها كالخطأ معاً . ومراده من جعله الدية في الجنايات أ نّها حكم لها ، ومترتّبة عليها أيضاً كترتّب القصاص في موارده .
وأ مّا أنّ ذلك الحكم والترتّب في الجنايات من باب العقوبة أو الضمان فالعبارة عنه ساكتة ، بل في عنوان الدية ظهور في الثاني ، وفي أنّ الترتّب من باب الضمان ، وأ نّى لذلك بباب العقوبة .
وبالجملة : مراد مثل صاحب «القواعد» (رحمه الله) بيان اشتراك الدية في الجملة مع القصاص في أصل الترتّب ، لا في كيفيّته وسببه وجهته وأ نّها عقوبة أم ضمان ، كما لا يخفى على المتدبّر .
ولنختم البحث بما في شرح «الإرشاد» في ذيل قوله : «الجناية إمّا على نفس أو طرف ، وهي إمّا عمد محض» بما لفظه : الظاهر أنّ المراد بالجناية هنا أعمّ ممّا يوجب القصاص في النفس أو الطرف ، بل في الأعضاء مطلقاً وممّا يوجب الدية كذلك فقط ; لما يفهم من تقسيمها وبيان الأقسام .
وكـان ينبغي أن يـراد بهـا مـا يوجب القصاص فقـط ; لما سيـأتي فـي كتاب الديات .
وأيضاً كان ينبغي تقسيمها إلى النفس والأعضاء لا إلى النفس والطرف ، إلاّ أن يريد بالطرف مطلق العضو .
وكان ينبغي أن يعبّر بـ «كتاب القصاص» ; لما سيأتي في كتاب الديات ، كما فعل في «الشرائع» وغيره ، أو بـ «كتاب الجناية» ثمّ يجعل مقصداً في القصاص وآخر في الديات ، كما فعل في «القواعد»( [9]) .
القصاص لغةً ـ على ما يظهر من المراجعة إلى اللغة وموارد استعمالها ـ : المقابلة بالمثل مطلقاً في نفس كان أو في مال أو في غيرهما من دون اختصاصه فيه بالنفس ، خلافاً للمصطلح منه المختصّ بالنفس .
وفي «المنجد» ذكر له معنيين : أحدهما : الجزاء على الذنب ، وثانيهما : أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل( [10]) .
وفي «المصباح المنير» للفيّومي : «قاصصته مقاصّة وقصاصاً من باب قاتل إذا كان لك عليه دين مثل ما له عليك ، فجعلت الدين في مقابلة الديـن ، مأخـوذ من اقتصاص الأثر ، ثمّ غلب استعمال القصاص في قتل القاتل وجرح الجارح وقطع القاطع»( [11]) .
وكيف كان ، فالقصاص لما كان مفهومه اللغوي الجزاء والمعارضة على نحو المماثلة فمصاديقه مختلفة بحسب المقامات ، فالمقاصّة في الدين بما ذكره الفيّومي أو بالأخذ من مال المديون بشرائطه الخاصّه ، والمقاصّة والقصاص في باب الجزاء على الضرر ببدن الإنسان الموضوع للبحث فهو : المماثلة في الجزاء بالقود والقطع كما هو واضح ، فالمفهوم للقصاص واحد والاختلاف في المصاديق .
وعلى هذا ، فمعناه الاصطلاحي ليس معنىً خاصّاً له ، بل يكون من باب تطبيق المفهوم على المصداق ، فالمفهوم والمعنى لتلك المادّة واحد ، وهو المماثلة من دون الفرق بين المال والبدن ، والكثرة من جانب المصاديق لا المفهوم ، فلاتغفل وكن على ذكر من مسألة الخلط الواقع كثيراً بين المفهوم والمصداق في شرح الألفاظ .
وكيف كان ، ففي «الجواهر» ذكرَ المناسبة بين القصّ بمعنى التتبّع شيئاً فشيئاً وبين ذلك المعنى ، ودونك العبارة : «القِصاص بالكسر فعال من قصّ أثره إذا تتبّعه ، والمراد به هنا : استيفاء أثر الجناية من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح ، فكأنّ المقتصّ يتبع أثر الجاني فيفعل مثل فعله ، ويقال : اقتصّ الأمر فلاناً من فلان إذا اقتصّ له منه»( [12]) .
والأصل في القصاص ـ قبل الإجماع والسنّة المتواترة ـ هو الكتاب ، وآياته على قسمين .
أحدهما : الدالّة عليه بالخصوص كقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُْنْثى بِالاُْنثى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)( [13]) .
وقوله تعالى : (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيـوةٌ يَا أُولِى الاَْلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)( [14]) .
وقوله تعالى : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنّ النَّفْسَ بِالنَّفسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والأَنْفَ بِالأَنْفِ والاُْذُنَ بِالاُْذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصَاصٌ . . .)( [15]) .
وقوله تعالى : (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطـاناً فَـلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنْصُورَاً)( [16]) .
وثانيهما : الدالّة عليه بالعموم كقوله تعالى : (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَى وَأصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إنَّهُ لاَيُحِبُّ الظَّالِمِينَ)( [17]) .
وقوله تعالى : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَـئِكَ مَاعَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل)( [18]) .
وقوله تعالى : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ)( [19]) .
وقوله تعالى : (الشَّهرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ والْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَااعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)( [20]) .
مقتضى إطلاق الآيات المؤ يّدة بمذاق الشرع ولسان الكتاب والسنّة ، كون القصاص في مطلق الجناية على الإنسان من دون فرق بين الذكر والاُنثى ، والحرّ والعبد ، والمسلم والكافر في الجاني والمجنيّ عليه ، كما لافرق فيه بين مثل الأسود من الإنسان وأبيضه .
وتوهّم أنّ الآيات المتضمّنة للقصاص بل آية الانتصار بنفسها غير كافية لذلك الإطلاق والشمول وعدم الفرق بين أبناء البشر في القصاص ، حيث إنّ القصاص والمماثلة كان صادقاً عندهم مع التفاوت في الذكوريّة والاُنوثيّة والحريّة والعبديّة في الأزمنة السابقة عرفاً ، لاسيّما في زمان النزول وعصر الجاهليّة الذي كانت تحكمه الموازين الباطلة والخرافية الناشئة عن الكبر والغرور والرذائل الأخلاقيّة . وعليه فلا دلالة في تلك الآيات على عدم الفرق ، وعلى أنّ النفس بالنفس ، لصدق ما في الآيات من الموضوع كالقصاص ونحوه على قتل الذكر بالاُنثى مثلاً في تلك الأزمنة ، فكيف التمسّك بالإطلاق ؟ !
مدفوع بكفاية بقيّة الآيات لاسيّما مثل : (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)( [21]) و (أنّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)( [22]) ممّا لا كلام ولا إشكال في صدقها وإطلاقها المقتضي للقصاص بيـن جميع أبناء البشر مـن دون التفاوت والتفضيل بينهم فـي ذلك أصلاً أوّلاً .
وبأنّ الصدق عندهم كذلك كان مبتنيّاً على الباطل عندهم أيضاً ، حيث إنّ العرف بفطرته الأصليّة معتقد بالمماثلة ، وبعدم الفرق بين أبناء البشر من حيث الدم والخلقة ثانياً .
وبأنّ العرف في زماننا ـ حيث بلغ العلم والإدراك والفهم مرتبة عالية نسبيّاً ، بحيث أصبح يطالب بالحكومة الموحّدة التي وعدها الله تعالى بقوله : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)( [23]) ـ حاكم بصدق القصاص والمماثلة على الإطلاق والشمول وعدم التفاوت في الأفراد من تلك الجهة ثالثاً .
والمناط في الأحكام الثابتة على العناوين ـ مثل تلك الآيات ـ الصدق وإن كان متأخّراً عن زمان النزول بالنسبة إلى بعض المصاديق ، وهذا بخلاف الثابتة منها على المصاديق والقضيّة الخارجيّة ، فأ نّها مختصّة بالمصاديق الموجودة في زمان جعل الحكم كما لايخفى ، ويكون ذلك الصدق في تلك الأزمنة مخالفاً للآيات والأخبار الكثيرة الدالّة على التساوي وعدم التفاوت بين الناس وأبناء البشر في الحقوق الاجتماعيّة والإنسانيّة والبشريّة والرادعة النافيّة المبطلة لذلك الفكر والنظر ، فيكون باطلاً من رأس ولا محلّ له أصلاً رابعاً .
أ مّا الآيات فهي من قبيل قوله تعالى : (يـا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا . . .)( [24]) .
وقوله تعالى : (يـا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً . . .)( [25]) .
أ مّا الأخبار فكقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث : «أ يّها الناس ، إنّ ربّكم واحد وإنّ أباكم واحد ، كلّكم لآدم وآدم من تراب ، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ، وليس لعربيٍّ على عجميّ فضل إلاّ بالتقوى . . .»( [26]) .
وهناك غيرها من الآيات والأخبار الظاهرة في أنّ التفاوت بالتقوى التي هي الفعلية الكاملة عند الله فقط لا عند الحقوق والشرع والقانون ، بل عدم التفاوت بين الأبناء من تلك الجهة من الأمور الرفيعة الظاهرة في الإسلام ، بل ومن البديهيّات فيه ، وممّا يفتخر به المسلمون ويجعلونه دليلاً على حقيقة الإسلام ومطابقته للفطرة والخلوّ عن العلوّ والاستبعاد . ومن المعلوم أنّ المتّبع في موارد الاختلاف في المصاديق بين الشرع والعرف هو الشرع ، فإنّه المشرّع الذي يحكم بالحق ويقصّه وهو خير الفاصلين .
فدلالة الآيات كلّها تامّة ، والإشكال فيها ـ بما ذكر ـ غير وارد جدّاً ومذبوب قطعاً .
نعم ، في الآية الاُولى من القسم الأوّل إشكال يخصّها ، حيث إنّها تدّل على التفاوت والاختلاف ، وأنّ الحرّ والعبد والاُنثى لايقتلون إلاّ في قتل المماثل لا المخالف ، فلا يُقتل الحرّ بالعبد ولا الرجل بالاُنثى .
وهذا كما ترى حجّة على التفضيل وعدم المساواة بين الأبناء من جهة الدم والحياة ، ومخالفة لجميع الآيات المستدلّ بها على المساواة .
لكنّه مدفوع بأ نّه لعلّ المراد من الآية ومن تخصيص الثلاثة بالذكر بيان المساواة وردّ التفاوت والاختلاف ، وأ نّهم مساوون للآخرين ، وأنّ القصاص غير واقع إلاّ على القاتل كائناً من كان ، وكذا المقتول ، وذلك بأن يقال :
الآية ناظرة إلى أنّ القصاص لابدّ من وقوعه على القاتل لا على غيره ، وأنّ الحرّ إذا كان قاتلاً للحرّ فالقصاص يكون منه ، والحرّ بالحرّ لا من غيره كعبده ; بناءً على التصوّر الذي يرى المقتول دون شأن القاتل ، لما له من الطَول على المقتول من جهة الغنى ، أو الطائفة التي ينتمي إليها ، أو غيرها من الاُمور الموجبة للوجاهة الاجتماعيّة ، فلا يجوز قتله به ، بل لابدّ من قتل عبده مثلاً بذلك الحرّ المقتول .
وأنّ العبد إذا كان قاتلاً للعبد فلابدّ من قصاصه لا قصاص حرّ غير قاتل ; للقول بأنّ العبد المقتول لارتباطه بمن له طول أفضل من العبد القاتل المرتبط بمن ليس له ذلك الطَول فلابدّ ، إلاّ من قتل الحرّ غير القاتل من المرتبطين بمولى القاتل .
وأنّ الأنثى إذا كانت قاتلة لمثلها فلابدّ لأولياءِ الدم من قتل الرجل غير القاتل عوضاً عن القاتلة ; وفقاً للرؤية الباطلة المبتنية على أنّ لبعض النساء فضيلة على البعض الآخر ، وأنّ تلك الفضيلة موجبة للتفاوت في الدم ، فلابدّ من قتل الرجل في مقابل قتل ذلك البعض من النساء المفضّلات ; لما في الرجال عموماً من الفضيلة على النساءِ ، فتكون تلك الفضيلة موجبة للمساواة مع الفضيلة الخاصّة للمرأة المقتولة .
وعلى هذا ، ففي الآية احتمالان متقابلان ، فبأحدهما يثبت التفاوت ، وبالآخـر التساوي . لكـنّ الأظهـر بل الظاهـر منهما هـو الثاني ; وذلك لمخالفـة الآيـة علـى الأوّل مع مـذاق الشرع وسياق بقيـة الآيات ، ولاستلزامـه التقييد فـي الإطلاقات الكثيرة ، وألسنتها آبيـة عنه كما لايخفـى .
هذا مع موافقة الثاني لشأن النزول ، ففي «مجمع البيان» : «نزلت هذه الآية في حييّن من العرب لأحدهما طَول على الآخر ، وكانوا يُزوّجون نساءهم بغير مهور ، وأقسموا لنقتلنّ بالعبد منّا الحرّ منهم ، وبالمرأة منّا الرجل منهم ، وبالرجل منّا الرجلين منهم ، وجعلوا جراحاتهم على الضعف من جراح أولئك ، حتّى جاء الإسلام فأنزل الله هذه الآية»( [27]) .
وإن أبيتَ عن ذلك واعتقدتَ عدم الظهور في الثاني فلابدّ من احتماله ، فالآية ذات احتمالين ، وإطلاق بقيّة الآيات محكّم ، هذا ما في الكتاب .
وأ مّا السنّة ، فإنّها متواترة منقولة في كتب الحديث والفقه وفي أبواب مختلفة ومسائل متفرقة ، وننقل ما نحتاجه في محلّه إن شاء الله تعالى ، إلاّ أ نّه لايخفى عليك كونها في مقام بيان خصوصيّات القصاص وفروعه بعد الفراغ عن أصل القصاص ، فإطلاقها مشكل ، بل ممنوع .
وهذا بخلاف الكتاب ففيه إطلاق ; لكونه في مقام بيان حكم أصل القصاص كما هو الظاهر ، وكيف كان ننقل حديثين من تلك الأحاديث هنا لتضمّنهما الفوائد الخاصّة :
أحدهما : الصحيح عن عبدالله بن سنان وابن بكير جميعاً عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : سُئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً ، هل له توبة ؟ فقال : «إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له ، وإن كان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا فإنّ توبته أن يُقاد منه ، وإن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبهم ، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية ، وأعتق نسمة ، وصام شهرين متتابعين ، وأطعم ستّين مسكيناً توبة إلى الله عزّ وجلّ»( [28]) .
ثانيهما : خبر عيسى الضرير قال : قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : رجل قتل رجلاً متعمّداً ما توبته ؟ قال : «يمكّن من نفسه» . قلت : يخاف أن يقتلوه ، قال : «فليعطهم الدية» ، قلت : يخاف أن يعلموا ذلك ، قال : «فلينظر إلى الدية فليجعلها صرراً ثمّ لينظر مواقيت الصـلاة فيلقها في دارهم»( [29]) .
وفي «التحرير» في ذيل الحديث الأوّل قال : «وفي هذا الحديث فوائد كثيرة :
منها : أنّ القاتل إن قتل المؤمن لإيمانه ، فلا توبة له ; لأ نّه يكون قد ارتدّ ; لأنّ قتله لإيمانه إنّما يكون على تقدير تكذيبه فيما اعتقده ، ولا تقبل توبة المرتدّ عن فطرة .
ومنها : أ نّه لو قتله على غير هذا الوجه قبلت توبته ، وهو خلاف ما نقل عن ابن عباس .
ومنها : أنّ حدّ التوبة تسليم القاتل نفسه إلى أولياءِ المقتول ، فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا عفوا عنه .
ومنها : أنّ كفّارة العمد هي كفّارة الجمع .
إذا عرفت هذا ، فالقتل يشتمل على حقّ لله تعالى ، وهو المخالفة بارتكاب هذا الذنب العظيم ، وهو يسقط بالاستغفار . وعلى حقّ للوارث ، وهو يسقط بتسليم نفسه أو الدية أو عفو الورثة عنه . و]على[ حقّ للمقتول ، وهو الآلام التي أدخلها عليه بقتله ، وتلك لاينفع فيها التوبة ، بل لابدّ من القصاص في الآخرة ، ويمكن أن يكون قول ابن العباس إشارة إلى هذا»( [30]) انتهى كلامه رفع مقامه .
ولقد أحسن وأجاد فيما أفاد ، لكن ينبغي له ذكر الخبر الثاني ; لما فيه من فائدة خاصّة زائدة أيضاً ، وهي كفاية إعطاءِ الدية مع جهل الأولياء وخوف القاتل من الإعلام ، ولعلّه لم يذكره للضعف في سنده بعيسى الضرير فإنّه مهمل .
وفي «مرآة العقول» في ذيل قوله : «فليعطيهم الدية» قال : «أي بأن يوصل إليهم على سبيل الهدية . والصرر جمع الصرّة ، والتقييد بمواقيت الصلوات ; لوقوع مرورهم عليها لبروزهم للطهارة والذهاب إلى المساجد ، وأ مّا غير ذلك الوقت فيمكن أن يصيبها غيرهم . وفيه دلالة على أنّ وليّ الدم إن لم يعلم بالقتل لم يجب على القاتل إعلامه وتمكينه ، بل يجب أن يُوصل إليه الدية ، وهو خلاف ما هو المشهور من أنّ الخيار في ذلك إلى ورثة المجنيّ عليه لا إليه»( [31]) .
وفي قوله : «هو خلاف ما هو المشهور» إشكال ، بل ليس خلافاً له ; لأنّ ماهو المشهور الخيار بعد المعلوميّة لا قبله ولا فيما هو المفروض في الخبر ، فتأ مّل جيّداً .
وبالجملة : الخيار للأولياء بعد الثبوت عندهم ، وما في الحديث مربوط بقبل الثبوت عندهم وبما فيما بينهم وبين الله تعالى ، فكم بينهما من الفرق ؟ !
وعلى كلّ حال فقتل المؤمن ظلماً من أعظم الكبائر ، قال الله تعالى : (وَمَـنْ يَقْتُل مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)( [32]) .
وقال كذلك : (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْس أوْ فَسَاد فِـي الاَْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَـنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)( [33]) .
وعن «عوالي اللآلي» رُوي أ نّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مَرّ بقتيل فقال : «من له ؟» فلم يذكر له أحد ، فغضب ثمّ قال : «والذي نفسي بيده ، لو اشترك في قتله أهل السماوات والأرض ، لأكبّهم الله في النار»( [34]) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة ، جاء يوم القيامة وهو آيس من رحمة الله»( [35]) .
وعن الصادق(عليه السلام) قال : «لا يدخل الجنّة سافك للدم ، ولا شارب الخمر ، ولا مشّاءٌ بنميم»( [36]) .
وعنه(عليه السلام) قال : «لايزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً» قال : «ولا يُوفّق قاتل المؤمن متعمّداً للتوبة»( [37]) .
وعن ابن مسلم : سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ : (مَنْ قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْس أو فَسَاد فِي الاَْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) قال : «له في النار مقعد ، لو قتل الناس جميعاً لم يرد إلاّ ذلك المقعد»( [38]) .
وفي آخر عن حمران ، قال : قلت لأبي جعفر(عليه السلام) . . . قال : قلت : كيف كأ نّما قتل الناس جميعاً فإنّما قتل واحداً ؟ فقال : «يوضع في موضع من جهنّم إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها ، لو قتل الناس جميعاً (لكان إنّما) يدخل ذلك المكان» قلت : فإنّه قتل آخر ، قال : «يضاعف عليه»( [39]) .
إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على المبالغة في أمر القتل ، بل وعلى تفسير الآية المزبورة بما عرفت . ولعلّ الأوجه من جميع ما قيل فيها من الوجوه هو الوجه في التشبيه بالنسبة إلى العذاب ، وأ مّا الجهات الاُخرى من الاستعارة والتشبيه ففي التفاسير مذكورة ، ومن أراد الاطّلاع عليها فعليه المراجعة ، فإنّ الباب باب التشبيه والاستعارة والادّعاء ، لاباب الحقيقة الواقعيّة ، ضرورة منافاته الحسّ والعقل والعدل ، وحاصله المبالغة في شأن القتل والإحياء . ولا ينافي ذلك زيادة العقاب والثواب على من فعل المتعدّد منهما ، كما أشار(عليه السلام) إليه بقوله :
وهو إزهاق النفس المعصومة (1) عمداً مع الشرائط الآتية :
«يضاعف عليه» وان اتّحدوا جميعاً في واد واحد .
هذا ما أردنا نقله من الأخبار الدالّة على عظم حرمة القتل ، وإلاّ فهي أكثر من ذلك في كتب الحديث .
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا مرّ أنّ الأصل المستفاد من الكتاب في القاتل والمقتول القصاص بلا تفاوت واختلاف ، فإنّ النفس بالنفس ، وبني آدم من تراب ، ولا فضل لعربي على عجمي ، ولا للأبيض على الأسود ، والناس كلّهم مخلوقون من ذكر واُنثى وجُعلوا شعوباً وقبائل ليتعارفوا فقط ، لا لطَول بعضهم على بعض ، ولا لكون ذلك موجباً لعدم قصاصهم ، فإنّ أكرمهم عند الله أتقاهم ، ولا يختلفون في الحقوق والدماء والأموال .
نعم ، السنّة لا إطلاق فيها ، فإنّها ناظرة إلى بيان الخصوصيّات بعد الفراغ عن أصل القصاص كما عرفت ، لكنّ في إطلاق الكتاب كفاية كما هو واضح .
(1) أي إخراجها من التعلّق بالبدن ، والمعصومة من العصمة بمعنى المنع ،فالمقتول قصاصاً أو دفاعاً غير معصوم الدم بالنسبة إلى القاتل وإن كان معصوماً بالنسبة إلى غيره ، فلا يصدق على نفسه إطلاق المعصومة المنساق منه الكلّ ، فقتله ، بل قتل غير معصوم الدم كالحربي والزاني المحصن والمرتدّ وكلّ من أباح الشرع قتله غير موجب للقصاص أيضاً على ما في «الجواهر» في نفس المقام ، وفي غيره من الكتب الفقهيّة :
ففي «الجواهر» : «فلو قتل غير معصوم الدم كالحربي والزاني المحصن والمرتدّ وكلّ من أباح الشرع قتله فلا قصاص وإن أثم في بعض الصور ، باعتبار كون قتله حدّاً مباشرته للحاكم»( [40]) .
عدم القصاص في تلك الموارد عندي تبعاً للماتن( [41]) ـ كما يأتي في المسألة ـ ولموضع آخر من «الجواهر»( [42]) ، محلّ إشكال ، بل الحقّ منعه ; وذلك لعصمة تلك الأنفس لغير الحاكم والحكومة في غير الحربي ، وفيه لغير حالة الحرب وزمان المحاربة ، وعدم الدليل على نفي العصمة عنهم على الإطلاق ، كما هو الظاهر للمتأ مّل بل ولغيره ، فإنّ غاية مدلول أخبار الحدود والحروب جواز القتل للحاكم في إجرائها على المحدودين والعاصين ، وللمسلم على الكافر المحارب في تلك الحالة وذلك الزمان فقط دون غيره من الكفّار ، فأين الدلالة فيها على عدم عصمة أنفس هؤلاء الأفراد لغيرهما ؟ ! فعصمة أنفسهم ثابتة وباقية على حالها لغيرهم ، فقتل الغير لهم موجب للقصاص قضاءً لإطلاق أدلّته .
(مسألة 1) : يتحقّق العمد محضاً بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً ، وبقصد فعل يقتل به غالباً ، وإن لم يقصد القتل به ، وقد ذكرنا تفصيل الأقسام في كتاب الديات (2) .
(2) اعتبار العمد في القصاص ممّا لا كلام فيه ، بل من الضروريات في فقه الإسلام ، بل في الإسلام ، ووجهه واضح حيث إنّه المتيقّن من القصاص ، وحيث إنّه مع الخطأ لا يتحقّق العصيان الموجب للعقوبة بالقصاص ، فإنّ القصاص عقوبة لابدّ فيها من العصيان عقلاً وشرعاً . ثمّ لايخفى عليك أنّ اعتبار العمد لا أثر له إلاّ في بعض الأخبار ، وإلاّ فالكتاب كما أ نّه خال عن اعتباره بالظهور وبالتقييد اللفظي فكذلك عن الإشارة إليه باللفظ كما يظهر ذلك لمن يراجع ، فالتقييد لبيّ قطعيّ .
نعم ، مقابل العمد ـ أي الخطأ ـ في الكتاب مذكور : (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أهْلِهِ إِلاّ أن يَصَّدَّقُوا)( [43]) ، وقوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً . . .)( [44]) مربوط بالجزاء الاُخروي والحرمة ، لا القصاص والعقوبة الدنيوية .
وعلى هذا ، فعدم جواز القصاص في موارد الشكّ في تحقّق العمد وإن كان هو الموافق لاستصحاب حرمة القتل وعدم جوازه وللاحتياط في الدماء ، فإنّ القصاص هو المحتاج إلى الدليل كما هو واضح . لكن مقتضى إطلاق الكتاب لاسيّما القسم الثاني من آياته هو القصاص في تلك الموارد ، فإنّ الإطلاق محكّم حتّى يثبت خلافه ، والمفروض عدم الدليل على الخلاف ، وقصور أدلّه حرمة القصاص عن الشمول لتلك الموارد المشكوكة ، فلا وجه لرفع اليد عنه .
وبالجملة : الأصل العملي ـ مع قطع النظر عن إطلاق الكتاب ـ حرمة القصاص في الموارد المشكوكة ، لكنّ الأصل اللفظي من جهة الإطلاق المحكّم والمقدّم عليه تقدّم الدليل على الأصل وحكومته أو وروده عليه ، جوازه من دون فرق في ذلك بين أسباب الشكّ وجهاته .
ولنذكر هنا تفصيل صور ما أشار إليه الماتن في قتل العمد ـ وإن أحال تفصيله إلى كتاب الديات ـ تتميماً للبحث فعلاً ووفاقاً لطبع البحث ، وأقول مستعيناً بالله :
إنّ الصور أربع ، فإنّ القاتل إمّا أن يكون عامداً وقاصداً ، وإمّا أن لايكون كذلك ، وفي كلٍّ منهما إمّا تكون الآلة ممّا يقتل بها غالباً ، وإمّا لاتكون كذلك ، بل القتل بها نادر ، فالصور أربع :
إحداها : القصد إلى القتل بالآلة القتّالة وبما يقتل به غالباً ، وكون القتل كذلك عمداً موجباً للقصاص بديهي غير محتاج إلى البيان ، ويكون مشمولاً ومدلولاً بالكتاب والسنّة ومتيقناً منهما قطعاً ، كيف وإن لم يكن القتل كذلك موجباً له فلا موجب له أصلاً .
ثانيتها : مثل الاُولى إلاّ في الآلة من حيث إنّها ممّا لا يغلب بها القتل ، كالرمي بالحصاة بقصد القتل ، وفيه قولان :
أحدهما : أ نّه عمد أيضاً كما في «الشرائع»( [45]) و «النافع»( [46]) وكتب الفاضل( [47]) ، ومحتمل «السرائر»( [48]) ، وصريح الفاضل المقداد في «الكنز»( [49]) و «التنقيح»( [50]) ، وعن ابن حمزة( [51]) ، وهو ظاهر «الغنية»( [52]) نافياً الخلاف عنه ، وعليه الشهيد الثاني في شرحيه على «اللمعة»( [53]) و «الشرائع»( [54]) وغيره من المتأخّرين ، بل في «الرياض» : «لعلّه عليه عامتهم ، بل لم أجد الخلاف فيه وإن نقلوه ، نعم ظاهر «اللمعة» التردّد فيه حيث نسب ما في العبارة إلى القيل مشعراً بتمريضه أو متردّداً فيه»( [55]) .
ثانيهما : أ نّه غير عمد ، وفي «اللثام»( [56]) نسبته إلى ظاهر الأكثر ، إلاّ أنّ في «الجواهر» : «ولكن لم نتحقّقه»( [57]) .
وكيف كان ، فالأوّل هو الأقوى بل المتعيّن ، وذلك ـ مضافاً إلى أ نّه مقتضى الإطلاق والأصل اللفظي الذي مرّ بيانه ـ أنّ العمد محقّق في القتل والفعل معاً كالصورة الأولى ، ولا دخاله للآلة لغة وعرفاً في الصدق حتّى تكون الصورة مغايرة للأولى .
وللأخبار : كصحيح عبدالرحمن بن الحجّاج عن الصادق(عليه السلام) «فقال : إنّ من عندنا ليقيدون بالوكزة وإنّما الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره»( [58]) فإنّ القدر المتيقّن بل الظاهر منه ما كانت الوكزة بقصد القتل ، وهي ممّا لايُقتل بها غالباً .
وصحيح الحلبي قال : قال أبو عبدالله(عليه السلام) : «العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة ، فهذا كلّه عمد ، والخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره»( [59]) ، وفيه دلالة على أنّ المعيار في العمد القصد إلى الفعل وكفاية مطلق الآلة ولو مثل الوكزة أو العصا ممّا لايحصل القتل بهما غالباً .
ومرسل جميل عن أحدهما(عليهما السلام) قال : «قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود ، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره . . .»( [60]) إلى آخره . ودلالته أوضح من صحيح الحلبي ; للتصريح فيها بقتل العمد ، فتأ مّل .
وخبر أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «لو أنّ رجلاً ضرب رجلاً بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً»( [61]) .
والظاهر أنّ التمثيل بالثلاثة لبيان عدم دخل الغالبيّة للآلة في صدق القتل ، وأ نّه صادق مع هذه الآلات غير الغالبيّة ، وإن أبيتَ فالاستدلال بإطلاقها في محلّه .
ومرسل ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أحدهما(عليهما السلام) قال : «كلّما اُريد به ففيه القود ، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره»( [62]) ، ودلالته بالعموم على كفاية مطلق الآلة بشرط العمد في القتل واضحة .
وخبر عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث قال : «إنّما الخطأ أن تريد شيئاً فتصيب غيره ، فأ مّا كلّ شيء قصدت إليه فأصبته فهو العمد»( [63]) ، ودلالته كالمرسل بالعموم .
وهذه هي الأخبار المستفيضة الدالّة على القول الأوّل عموماً كجلّها ، أو ظهوراً كصحيحي الحلبي وابن الحجّاج وخبر أبي بصير على ما ذكرناه في كيفية الاستدلال بها .
وأ مّا القول الثاني : فاستدلّ له بوجوه ثلاثة : من الاحتياط ، ومن أ نّه لما لم تكن الآلة ممّا يقتل بها عادة فاجتماع القصد معها كالقصد بلا ضرب ، ومن الأخبار الاُخرى المستفيضة ، مضافاً إلى النصوص الدالّة على عدم العمد بضرب الرجل بالعصا أو بالحجر بضربة واحدة فمات بها قبل أن يتكلّم :
منها : الموثّق لأبي العباس عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : قلت له : أرمي الرجل بالشيء الذي لايقتل مثله ، قال : «هذا خطأ» ، ثمّ أخذ حصاة صغيرة فرمى بها ، قلت : أرمي الشاة فاُصيب رجلاً ، قال : «هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه ، والعمد الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله»( [64]) .
ومنها : المرسل عن عبدالله بن سنان ، قال : سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول : «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : في الخطأ شبه العمد أن تقتله بالسوط أو بالعصا أو بالحجارة إنّ دية ذلك تغلظ ، وهي مائة من الإبل . . .»( [65]) الحديث .
ومنها : خبر أبي العباس وزرارة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله ، والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله ، يقتله بما لايقتل مثله ، والخطأ الذي لاشكّ فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه»( [66]) .
هذا ، مع إمكان الجواب عن النصوص المتقدّمة بحمل العمد فيها على ما يشمل شبه العمد ; لمقابلته بالخطأ المحض .
وفيه : لا دلالـة لهذه الأخبار على المدّعى أوّلاً ، أ مّـا الموثّق فإنّ الظاهـر منه بالقرينة الداخليّة والخارجيّة كون مراد السائل الرمي بما لايقتل بمثله مع عـدم قصد القتل ، فلا محلّ للاستفصال حتّى يكون عدمه دليلاً على الأعمّ منه ومن قصد القتل :
أ مّا الداخليّة فأخذه(عليه السلام) الحصاة والرمي بها ، حيث إنّ تعليمه العملي للرمي بقصد الضرب العدواني فضلاً عمّا قصد به القتل بعيد عن ساحة المعصوم(عليه السلام) الذي يكون من عباده المخلصين إن لم نقل بامتناعه ، فتعليمه لابدّ وأن يكون لعدم قصد القتل وفيه دلالة على مراد السائل كما لايخفى .
وأ مّا الخارجيّة فقوله(عليه السلام) في موثّق أبي العباس وزرارة : «والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله ، يقتله بما لايقتل مثله»( [67]) .
والاستدلال بذيل الموثّق وهو قوله(عليه السلام) : «والعمد الذي يضرب الشيء الذي يقتل بمثله»( [68]) .
ففيه : أنّ الوصف بالصلة ليس لبيان الشرطيّة ، بل لبيان اللازم الواقعي لقتل العمد ، بمعنى أنّ من يريد القتل فيقتله بما يقتل بمثله بحسب العادة ، ويشهد على ذلك قوله(عليه السلام) في موثّق أبي العباس وزرارة : «إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل بمثله» حيث فرّع القتل بالآلة القتّالة على التعمّد ، فذلك بيان للواقع والعادة لا الشرطيّة للصدق ، وإلاّ لم يفرّعه بالفاء ولم يجعله جزاءً ، وتظهر الشهادة على ذلك أيضاً في قوله(عليه السلام) : «والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله ، يقتله بما لا يقتل مثله» ، فإنّ القتل بالآلة غير القتّالة جزاءٌ للشرط لا شرطاً في الصدق .
وبالجملة : ظاهر الموثّقة ـ تفريعاً وجزاءً ـ هو بيان الأمر العادي لا الشرط الشرعي ، فتدبّر جيّداً و تأ مّل في كلمات المعصومين (عليهم السلام) حتّى تطّلع على مقاصدهم العالية وأحكامهم السامية .
وأ مّا المرسل فالظاهر منه أيضاً صورة عدم قصد القتل حيث إنّ الشباهة بالعمد في الخطأ ليست إلاّ بقصد الضرب دون القتل ، وإلاّ فهو عمد ، ومع عدمها خطأٌ محض . وحيث إنّه(عليه السلام) بصدد بيان شبه العمد من الخطأ الذي تغلظ ديته على دية الخطأ المحض ، وهو محقّق عرفاً ولغة مع قصد الضرب دون القتل ، فعمده في الضرب وخطأه في القتل .
وأ مّا موثّق أبي العباس وزرارة فالظاهر منه بيان العادة لا الشرط كما مرّ تحقيقه ، فهو كسابقيه مربوط بعدم قصد القتل ، وعن محل البحث خارج .
هذا كلّه مع أنّ هذه النصوص ـ على فرض تسليم الدلالة ـ غير مكافئة للنصوص السابقة ثانياً ، وذلك لما فيها من الترجيح عليها بموافقة الكتاب والشهرة وكثرة العدد وأوضحيّة الدلالة لما فيها من القود الذي هو نصٌّ في العمد . ولننقل عبارة «الرياض» ; لما فيها من التوضيح لبعض ما ذكر ومن الجواب عن بقية الوجوه ، ففيه بعد بيانه للوجوه الثلاثة ، وإمكان الجواب عن النصوص الدالّة على القول الأوّل بحمل العمد فيها على شبه العمد ما هذا لفظه :
«وفيه : أ نّه معارض بإمكان حمل الأخبار الأخيرة على صورة عدم القصد إلى القتل كما هو الغالب في الضرب بما لايقتل إلاّ نادراً ، مع ضعف الشاهد على الحمل الأوّل بتضمّن جملة منها التصريح بالقود في العمد ، وهو لا يجامع حمله على شبه العمد أو ما يعمّه .
هذا ، مع أ نّه لا داعي إلى هذا الحمل سوى الاحتياط الغير اللازم مراعاته بعد قيام الدليل من العمومات والنصوص الصحيحة الظاهرة على خلافه ، والتعليل بعده في غاية من الضعف سيّما في مقابلتها .
والنصوص معارضة مع ضعف دلالتها جملة كما عرفته ، أكثرها ضعيفة السند ، والمعتبرة منها بحسبه غير مكافئة للأدلّة من وجوه عديدة ، مع مخالفة الصحيح منها وما في معناه للإجماع ظاهراً ; لجعلهما القتل بالسيف من قسم شبه العمد مطلقاً ، ولا قائل به مطلقاً»( [69]) .
وما ذكره من «مخالفة الصحيح وما في معناه للإجماع ظاهراً» الظاهر أنّ نظره إلى المرسل عن ابن سنان على نقله السيف بدل السوط ، وهو مخالف لنقل «الوسائل»( [70]) و «الكافي»( [71]) و «التهذيب»( [72]) و «الاستبصار»( [73]) و «الفقيه»( [74]) .
نعم ، على صحّة نقله فالمخالفة للإجماع في محلّه ، لكنّ الشأن في النقل .
ثالثتها : ما ليس فيه قصد القتل ولا الآلة قتّالة بل فيه قصد الفعل فقط ، كالضرب بالحصاة الصغار والعود الخفيف ونحوهما في غير مقتل بغير قصد القتل ، وفيه قولان :
أحدهما : أ نّه عمد كما عن الشيخ في «المبسوط»( [75]) : إمّا مطلقاً كما حكاه عنه جماعة( [76]) ، أو في الأشياء المحدّدة خاصّة كما حكاه عنه الفاضل الأصبهاني في «كشف اللثام»( [77]) .
ثانيهما : أ نّه خطأ شبه العمد وهو الأشهر كما في «النافع»( [78]) و «المسالك»( [79]) ، بل هو المشهور كما في «المجمع»( [80]) ، بل لا خلاف فيه بين المتأخّرين ، بل عن «الغنية»( [81]) الإجماع عليه .
دليل الأوّل : عموم الآيات مثل (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)( [82]) و (الحُرُّ بِالْحُرِّ)( [83]) و (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً)( [84]) ، وعموم الروايات مثل صحيحة الحلبي قال : قال أبو عبدالله(عليه السلام) : «العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة فهذا كلّه عمد ، والخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره»( [85]) .
ورواية أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «لو أنّ رجلاً ضرب رجلاً بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً»( [86]) .
ومرسلة جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما(عليهما السلام) قال : «قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود ، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتُصيب غيره» ، وقال : «إذا أقرّ على نفسه بالقتل ، قُتِل وإن لم يكن عليه بيّنة»( [87]) .
وما في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله(عليه السلام) من الحصر : «وإنّما الخطأ أن يريد شيئاً فيصيب غيره»( [88]) .
وفيه : أ مّا آية السلطنة فموضوعها المقتول مظلوماً ، وصدقه مع عدم القصد إلى القتل ولا إلى سببه أي الآلة القتّالة مشكل بل ممنوع ، فإنّ المقتول في المورد مقتول اتّفاقاً وإن كان مضروباً ظلماً .
وأ مّا آية النفس فمربوطة بالقصاص وهو منوط بالعمد في القتل المحلّ للكلام فكيف الاستدلال بها ؟ وبذلك يظهر الإشكال في عموم الأخبار حيث إنّ العموم تابع للصدق ، وصدق العمد في القتل أوّل الكلام .
نعم ، على فرض كون العموم من جهة التعبّد والادّعاء فالاستدلال تامّ ، لكن الشأن فيه ، فإنّ الادّعاء مخالف للظاهر ولا يُصار إليه إلاّ بدليل .
وأ مّا الحصر فمن المحتمل أن يكون بالنسبة إلى الخطأ المنسوب للعمد ، ويشهد عليه خبر أبي العباس وزرارة الآتي .
هذا كلّه مع أنّ الدلالة في تلك الأدلّة بأجمعها ليست إلاّ بالإطلاق وعلى التماميّة ، فمقيّدة بالأخبارالآتية الخاصّة الدالّة على عدم كون المبحوث عنه عمداً .
هذا كلّه ، مع ما في «مجمع الفائدة والبرهان» من المناقشة في سند رواية أبي بصير وصحيحة الحلبي وعبدالرحمن وإن أجاب عنها في الأخير بل الأخيرين ، لكنّها للمناقشة كافية ، فتأ مّل .
دليل الثاني : موثّق أبي العباس وزرارة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله ، والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله يقتله بما لا يقتل مثله ، والخطأ الذي لا شك فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه»( [89]) .
والموثّق الأوّل عن أبي العباس وحده عنه(عليه السلام) قال : قلت له : أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله قال : «هذا خطأ» ، ثمّ أخذ حصاة صغيرة فرمى بها ، قلت : أرمي الشاة فاُصيب رجلاً ، قال : «هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه ، والعمد الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله»( [90]) .
والموثّق الثالث عن أبي العباس عنه(عليه السلام) : قال : سألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفّارة أهو أن يعتمد ضرب رجل ولا يعتمد قتله ؟ فقال : «نعم» . قلت : رمى شاة فأصاب إنساناً ؟ قال : «ذاك الخطأ الذي لا شكّ فيه ، عليه الدية والكفّارة»( [91]) .
وخبر علاء بن فضيل عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «العمد الذي يضرب بالسلاح أو بالعصا لا يقلع عنه حتّى يقتل ، والخطأ الذي لا يتعمّده»( [92]) .
ومرسل يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد ، فالدية على القاتل ، وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله فهو عمد يقتل به ، وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثمّ مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد»( [93]) .
والأوّلان من الأحاديث نصٌّ في المطلوب ، والبقيّة ظاهرة بالإطلاق كالثالث والرابع ، أو بالحمل على كون الضربة الواحدة بغير القتّالة بقرينة التقييد بالموت بها وأ نّه شبه العمد في الخامس وهو مرسل يونس .
رابعتها : القصد إلى الفعل دون القتل ، لكن مع كون الآلة ممّا يقتل بها غالباً كالضرب بالسيف أو السهم على رأسه مثلاً ، ولا خلاف في كونه عمداً كالأوّل ، واستدلّ لذلك بوجوه أربعة :
الأوّل : أنّ قصد السبب مع العلم بالسببيّة قصدٌ للمسبّب كما في «اللثام»( [94]) ، أو أنّ القصد إلى الفعل المزبور كالقصد إلى القتل كما في «الرياض»( [95]) و «الجواهر»( [96]) والظاهر رجوعهما إلى ما في «اللثام» ، وأنّ المقصود واحد فإنّ التشبيه إن لم يرجع إلى الملازمة المذكورة ليس بأزيد من الادّعاء ، وأشبه شيء بالمصادرة .
الثاني : الإجماع المفهوم من «الغنية»( [97]) كما في «الرياض»( [98]) .
الثالث : النصوص المعتبرة للعمد الشاملة بإطلاقها لمن قصد القتل بما يقتل به غالباً ، ولمن لم يقصده مع قصده الفعل .
الرابع : ـ وهو العمدة ـ الأخبار المستفيضة المعتبرة كصحيح الحلبي وخبر أبي الصباح الكناني جميعاً عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات ، أيدفع إلى وليّ المقتول فيقتله ؟ قال : «نعم ، ولكن لا يترك يعبث به ، ولكن يجيز عليه بالسيف»( [99]) .
ومثله خبر موسى بن بكر( [100]) وسليمان بن خالد( [101]) .
ووجه الاستدلال بها : أنّ الظاهر كون السؤال عن القود في الصورة الرابعة ، وهي صورة عدم القصد إلى القتل بالضرب المسؤول عنه بما يقتل به غالباً ، بل السؤال كالنصّ في ذلك ، حيث إنّ تحقّق العمد مع القصد إلى القتل فيما يقتل به غالباً ممّا لا إشكال ولا كلام فيه ويكون واضحاً غير محتاج إلى السؤال ، فالعناية في السؤال لابدّ وأن يكون مع عدم القصد ومربوطاً بالرابعة ، فالجواب بقوله «نعم» حجّة على كونها عمداً ، وإن أبيت عن ذلك الظهور ففي ترك الاستفصال كفاية ، ثمّ لا يخفى عليك ما في بقيّة الوجوه .
أ مّا الإجماع المنقول في المسألة التي فيها وجوه ثلاثة اُخرى ـ لما فيه من احتمال كونـه مدركيّاً ، فلعلّ الإجماع على القاعـدة لا دون القاعدة ـ غير حجّة كما لا يخفى .
وأ مّا الملازمة بين قصد السبب مع العلم بالسببيّة فتكون أخصّ من المدّعى ; لأ نّها ثابتة مع ذلك العلم دون الغفلة عنها ، كما هو أوضح من أن يخفى ، اللهمّ إلاّ أن يقال بكفاية القصد الارتكازي ، ولعلّه المقصود للمستدلّ ، وهو كما ترى .
وأ مّا الإطلاق في النصوص فقد عرفتَ أ نّه لبيان العمد عرفاً لا ادعاءً ، فإثباته بإطلاقها أوّل الكلام .
وأ مّا الأخبار المستفيضة التي جُعلت وجهاً رابعاً ، ففيها أنّ الظاهر كون السؤال عن وقوع القتل بالآلة الغير القتّالة ، فإنّ العصا ليس منها ، كما لاينبغي الشكّ فيه أصلاً .
والأولى بل المتعيّن الاستدلال بآية السلطنة ، فإنّ المناط فيها القتل ظلماً المحقّق في المورد قطعاً ، وعدم قصد القتل ـ كما هو المفروض فيه ـ غير مضرّ ; لعدم دخالته في مناط الآية .
ولا يتوهّم أنّ اللازم من ذلك الحكم بالقود فيما لم تكن الآلة قتّالة أيضاً ، فهما مشتركان في عدم القصد والعمد إلى القتل وفي كون القتل ظلماً ; لوضوح الفرق بينهما عرفاً ، فإنّ القتل في تلك الصورة اتفاقيّة ، لعدم القصد وعدم الغالبيّة ، دون المبحوث عنه الذي يكون الغلبة في الآلة والفعل القتل ، فإنّه ليس من باب الإتّفاق بنظر العرف بل ظلم ، وأيّ ظلم أشدّ من قتله بضرب السيف على عنقه ولو مع عدم قصد القتل وغفلته عنه ؟ ! فتدبّر جيّداً .
نعم ، مع جهله بكون الآلة والفعل ممّا يكون كذلك وزعمه أ نّه ممّا لايقتل به غالباً ، فالظاهر عدم القود ; لعدم العمد لا تفصيلاً ولا إجمالاً ، ولعدم كون المقتول ظلماً عرفاً بل مقتول اتفّاقاً مثل ما لو كان القتل به واقعاً .
وبالجملة : الظاهر أنّ المانع من صدق القتل ظلماً اعتقاد القاتل بالنسبة إلى الفعل ، لا الواقع منه ثبوتاً .
نعم ، ادّعاؤه الجهل غير مسموع ، فإنّه لو سُمعت دعواه بطلت أكثر الدماء ، فالجهل مانع والأصل القصاص ، لا أنّ العلم شرط حتّى يعكس الأمر ويصير الأصل عدم القصاص إلاّ مع إثباته .
وقد ظهر ممّا ذكرناه وجوه المسائل التي ذكرها الاُستاذ ـ سلام الله عليه ـ في كتاب الديات من «التحرير» تفصيلاً لما وعده في المقام ، وتلك المسائل ثمانية من المسألة الاُولى إلى الثامنة من مسائل القول في أقسام القتل ، فراجعها .
ولزيادة التوضيح في شبه العمد والخطأ ننقل عبارة «القواعد» والفاضل الأصبهاني في شرحه :
«وأ مّا شبيه العمد فهو أن يكون عامداً في فعله مخطئاً في قصده ; لأ نّه لم يقصد القتل ولكن أفضى إليه فعله ، مثل أن يضرب للتأديب أو يمازح به أو يعالجه الطبيب فيموت ، أو يقصد ضربه بما لا يقتل غالباً بقصد العدوان فيموت .
وأ مّا الخطأ المحض الذي ورد في الأخبار أ نّه الخطأ الذي لا شبهة فيه ، بأن يكون مخطئاً في فعله وقصده جميعاً ، وهو أن يفعل فعلاً لا يريد به إصابة المقتول فضلاً عن إرادة قتله فيصيبه ، مثل أن يقصد صيداً أو هدفاً أو عدوّاً أو غيره فيصيبه ، سواء كان بآلة قتّالة غالباً أو لا ، أو أن لا يقصد الفعل أصلاً كمن يزلق رجله فيسقط على غيره فيقتله أو ينقلب في النوم على طفل فيقتله»( [102]) .
(مسألة 2) : العمد : قد يكون مباشرة ، كالذبح والخنق باليد والضرب بالسيف والسكّين والحجر الغامز والجرح في المقتل ، ونحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً ، ففيه القود . وقد يكون بالتسبيب بنحو ، وفيه صور نذكرها في ضمن المسائل الآتية (3) .
(3) المباشرة والتسبيب وإن لم يكونا موضوعاً في الأدلّة بعنوانهما حتّى يلزم البحث عن تعريفهما وبيان مفهومهما عرفاً ، بل المعيار في القصاص نسبة القتل إلى القاتل من دون فرق بين المباشرة و التسبيب . إلاّ أنّ وقوعهما في كلمات الأصحاب يطلب الحاجة إلى بيان المفهوم والتعريف ، وما في مثل المتن لايزيد عن بيان المصاديق .
فنقول : المباشرة : هي إيجاد أقرب العلل إلى الزهوق ، أيّ المؤديّة إليه ابتداءً وبلا واسطة بين الفعل والقتل ، كالضرب بالسيف على عنقه .
وأ مّا التسبيب : فهو إيجاد ما لَهُ دخل في القتل مع الواسطة ، كمنعه من الطعام والشراب إلى أن يموت .
ولا يخفى أنّ الجامع بين المباشرة والتسبيب الدخالة في القتل الموجبة لنسبة القتل إلى القاتل عرفاً ، وهو المناط في القصاص كما عرفت .
وأ مّا الاُمور غير الدخيلة في النسبة كالمعدّات والمقدّمات البعيدة ، فلعدم الدخالة في النسبة فلا تكون دخلية في القتل والقصاص ، ووجودها كعدمها في ذلك ، كما هو واضح .
ففي حفر البئر بما هو حفر لا دخالة له أصلاً في وقوع الشخص فيه وقتله به ، إذ الوقوع مستند إلى علّته وهي التخطّي ، بخلاف العلّة التي يستند الإزهاق إليها ابتداءً (المسمّى بالمباشرة) أو بواسطة كالجراحات القاتلة بالسراية فإنّها تولّد السراية ، والسراية مولّدة للموت ، أو بوسائط كالرمي المولّد للجرح المولّد للسراية المولّدة للموت فأ نّهما من التسبيب .
وبالجملة : قتل العمد منوط بدخالة الفعل في القتل : إمّا بلا واسطة وهو المباشرة ، وإمّا معها وهو التسبيب ، وإمّا ما ليس فيه الدخالة في تأثير الفعل ، بل يكون معِدّاً (بالكسر) اصطلاحاً فلا اعتبار به فيه ، وهو المسمّى بالشرط في الباب على ما في «الجواهر»( [103]) وغيره .
هذا ، مع أ نّه لا ثمرة في البحث عن التقسيم ولا عن التعريف ، بعد ما عرفتَ أنّ المناط في القصاص والدية صدق القتل عمداً وخطأً ، وأنّ شيئاً من المباشرة والتسبيب ليس عنواناً للحكم في الأدلّة ، وإنّما المعتبر فيها القتل عمداً والسيئة والمقتول ظلماً وأمثالها ، فالاعتبار بصدقها دون صدقهما . نعم ، ما لا يحصل فيه الصدق المزبور فالضمان فيه بالقصاص أو الدية لابدّ له من الدليل .
إذا عرفت ذلك فنقول : ما في المتن من ذكر الأمثلة للمباشرة والضابطـة فيها بقوله : ـ سلام الله عليه ـ «ونحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً» جيّد جدّاً ، وموافق لما بيّناه شرحـاً لها وللتسبيب ، والزائـد على ذلك ـ كما فعلـه صاحب «القواعد» وشارحها صاحب «كشف اللثام» أي الفاضل الأصبهاني ـ ليس إلاّ ذكراً للأمثلة والمصاديق الخارجة عن شؤون الفقاهة ، هذا مع ما في الأمثلة مـن المناقشـة وإن لم تكـن المناقشـة فيها مـن دأب المحصّل ، فتأ مّل .
وكيف كان ففي «اللثام» مزجاً بـ «القواعد» :
«وهي نوعان : الأوّل : أن يضربه بمحدّد : وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين والسنان ، وما في معناه ممّا يحدّد فيجرح ويقطع من الحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضّة والزجاج والحجر والقصب والخشب ، فهذا كلّه إذا جرح به جرحاً كبيراً يقتل مثله غالباً ، فهو قتل عمداً إذا تعمّده .
وإن جرحه بأحد ما ذكر جرحاً صغيراً لا يقتل مثله غالباً كشرطة الحجّام أو غرزه بابرة أو شوكة ، فإن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدع وأصل الاُذن والاُنثيين والمثانة والأجدعين ونقرة النحر ، فمات فهو عمد أيضاً ; فإنّه ممّا يقتل غالباً .
وإن كان في غير مقتل : فإن كان قد بالغ في إدخالها فهو كالكبير مـن الجرح ; لأ نّه قد يشتدّ ألمه ويقضي إلى القتل ، فإذا بالغ مبالغة كذلك فقد فعل ما يقتل غالباً .
وإن كان الغرز يسيراً أو جرحه بالكبير جرحاً يسيراً كشرطة الحجّام ، فإن بقي المجروح من ذلك ضَمناً ـ أي مريضاً زمناً ـ حتّى مات ، أو حصل بسببه تشنج أو تآكّل أو ورم حتّى مات فهو عمد كما في «المبسوط»( [104]) ; لتحقّق العلم بحصول القتل بفعله ، كما إذا سرى الجرح فمات فإنّه يوجب القصاص . فالضابط في القصاص العلم العادي بتسبب موت المقتول من فعله المتعمّد به ، وإن مات في الحال بغير تجدّد شيء من ذلك فالأقرب وجوب الدية في ماله كما مرّ .
النوع الثاني : أن يضربه بمثقل يقتل مثله غالباً كاللت ـ أي الدبوس وهو فارسي ـ والمطرقة والخشبة الكبيرة والحجارة الكبيرة ، أو يضربه بحجر صغير أو عصا ، أو يلكزه ـ أي يضربه ـ بجمع الكفّ بها ـ أي بيده أو كفّه ـ وإن لم يجر بها ذكراً واللكزة أو بالحجر والعصا واللكزة أي يضربه بها في مقتل أو في حال ضعف المضروب بمرض أو صغر أو في زمن مفرط الحرّ والبرد .
وبالجملة : بحيث يقتله بتلك الضربة غالباً بحسب الزمان وحال المضروب ومحلّ الضرب ، أو تكرّر الضرب عليه حتّى يقتله بما يقتل من العدد غالباً عادة ، وهوأيضاً يختلف باختلاف الزمان وباختلاف حال المضروب كما سمعته من عبارة «المبسوط» . وكلّ ذلك يوجب القود وإن لم يقصد القتل بذلك ، أو ادّعى الجهل بإفضائه إلى القتل عادة ، فإنّه لو سمع منه ذلك أدّى إلى إهدار دماء المسلمين .
أ مّا لو ضربه بشيء صغير جدّاً كالقلم والإصبع في غير مقتل ، أو مسّه بالكبير من غير ضرب ولا مسّ عنيف ولم يكن بما يقتل بثقله ، وبالجملة فعل ما لا يحتمل استناد القتل إليه عادة ولا نادراً ، فلا قود ولا دية ; لأ نّه لم يقتله عمداً ولا خطأً ، وإنّما اتّفق موته مع فعل من أفعاله . وكذا يجب القصاص بالذبح ونحوه ممّا لا يدخل في الضرب بمحدّد أو مثقل ، والخنق الذي هو كذلك»( [105]) .
ولا يخفى عليك أ نّه ليس في إطنابهما(قدس سرهما) إلاّ ذكر الأمثلة للمباشرة ، مع أنّ الفاضل ذكر الخنق تارة من أقسام المباشرة واُخرى من التسبيب ، ومثله واقع من المحقّق في «الشرائع»( [106]) . والإطناب كذلك وإن لم يكن فقهيّاً وراجعاً إلى محصّل بعد أنّ المدار على الضابطة ، لكنّه مفيد في التسلّط على المصاديق والموضوعات .
وما في «اللثام» من بيان الضابط بقوله : «فالضابط في القصاص العلم العادي بتسبّب موت المقتول من فعله المتعمّد به»( [107]) ، وفي «الجواهر» من قبوله بأ نّه موافق لما ذكره(قدس سره) : «نعم ما سمعته من الضابط المزبور في القصاص موافق لما ذكرناه»( [108]) .
ففيه : أوّلاً : أنّ الضابط هو ذلك التسبّب بضميمة قصد القتل أو كون القتل ممّا يقتل به غالباً ، لا مطلقاً كما بيّنّاه .
وثانياً : أنّ مقتضى ذلك عدم الفرق في موت المقتول بالغرزة اليسيرة مثلاً كشرطة الحجّام ، وبين ما صار ضمناً ثمّ مات ، أو مات في الحال ; لاستناد القتل فيهما إلى الفعل المتعمد به ، فكيف تفصيله بينهما تبعاً للمتن أي «القواعد»( [109]) ؟ !
وفي «المسالك» التصريح بالإشكال في مسألة الضرب بما لايقتل به غالباً أيضاً ، بقوله : «ولا يخلو من إشكال . . .»( [110]) .
هذا ، لكنّ الظاهر من «المسالك» و «اللثام» و «الجواهر» الاستدلال على الفرق بوجوه ثلاثة :
أحدها : فحوى سراية الجرح .
ثانيها : أنّ الجرح بمثل شرطة الحجّام مع المرض المتولّد منه بمنزلة سبب واحد ، وهو ممّا يقتل به غالباً وإن كان الجرح ممّا لايقتل به وحده .
ثالثها : ما في «الجواهر» من قوله (رحمه الله) : «لعلّ الوجه فيه ـ أي في التفصيل ـ ما ذكرناه من كون الجميع عمداً ; لما عرفته من الصدق العرفي من غير اعتبار قصد القتل ولا كون الشيء ممّا يقتل مثله غالباً ، إذ ذاك عمد إلى القتل لا قتله عامداً ، والعنوان في الأدلّة الثاني الذي تشهد له النصوص السابقة ، لا الأوّل الذي وإن شهدت له النصوص الاُخر في الجملة ، إلاّ أ نّه لا جابر لها ، لكن خرج عن ذلك صورة عدم تعقّب المرض للنصوص المزبورة ، وبقيت هي تحت الضابط ولو لعدم انجبار تلك النصوص بالنسبة إلى هذه الصورة المؤيدة بنصوص سراية الجرح الغير القاتل مثله ، والاتفاق ظاهر هنا»( [111]) .
وفي كلّ الوجوه ما لا يخفى :
أ مّا الأوّل : ففيه ، أنّ الحكم في السراية بالجرح ليس على الإطلاق ، بل فيه التفصيل المطابق للقاعدة ، فإن كان الجرح الساري ممّا يقتل به ففيه القود ويكون عمداً ، وإلاّ فلا ، فليس في الأصل حكم على خلاف القواعد فضلاً عن الفرع ودلالة الفحوى .
وأ مّا الثاني : فإن كان المراد منه التنزيل والادّعاء فليس ذلك بأزيد من الادّعاء ، وإن كان المراد منه الصيرورة والمنزلة بنظر العرف ففيه : أ نّه ليس ذلك بتفصيل كما لا يخفى ، بل بيان لمصاديق الجرح مع المرض من أ نّهما قد يكونان ممّا يقتل به غالباً وقد لا يكون كذلك . وأين ذلك من التفصيل الذي في «القواعد» ؟ ! بل وفي «الشرائع» على أحد الاحتمالين في المراد من المشبّه به في قوله : «كالأوّل» حيث قال : «ولو ضربه دون ذلك فأعقبه مرضاً ومات فالبحث كالأوّل»( [112]) .
وفي «المسالك» في شرح العبارة قال : «فسّر بعضهم (الأوّل) في قول المصنّف : (فالبحث كالأوّل) بما فصّله سابقاً في الصورة الأولى من قوله : (أ مّا لو حبس نفسه يسيراً لا يقتل مثله غالباً ـ إلى قوله ـ والأشبه القصاص إن قصد القتل ، أو الدية إن لم يقصد) . فيكون الحكم هنا أنّ الضرب المعقب للمرض عمدٌ إن قصد به القتل ويوجب الدية إن لم يقصد ، لا أ نّه عمد مطلقاً .
وهذا التفسير وإن وافق الظاهر من الحكم ، إلاّ أ نّه غير مراد للمصنّف (رحمه الله) ; لأنّ حكمه وحكم غيره في خصوص هذه المسألة بكونه عمداً مطلقاً ، والعلاّمة فرض هذه المسألة على وجه لا يحتمل سوى ذلك ، وإن كانت عبارة المصنّف لقرب المسألة الاُخرى محتملة احتمالاً مرجوحاً»( [113]) .
وأ مّا الثالث : فحاصل المستفاد من كلامه(قدس سره) هنا وفي مسألة القتل بما لا يقتل به غالباً مع عدم قصد القتل به أيضاً ، أنّ المناط والأصل في القصاص وما هو العنوان في أدلّته القتل عمداً وقتله عامداً ، لا العمد إلى القتل .
والأوّل صادق في جميع صور القتل مع قصد الفعل وإن لم يكن معه قصد القتل ولا كون الآلة قتّالة وممّا يقتل بها غالباً ، دون الثاني فإنّه غير صادق مع عدم القصد ولو رجاءً وارتكازاً كما في الآلة الغالبيّة .
وفيه : أنّ المناط كما عرفت كون المقتول مظلوماً والقتل ظلماً وسيئةً ، وهو (مسألة 3) : لو رماه بسهم أو بندقة فمات ، فهو عمد عليه القود ولو لم يقصد القتل به ، وكذا لو خنقه بحبل ولم يزح عنه حتّى مات ، أو غمسه في ماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتّى مات ، أو جعل رأسه في جراب النورة حتّى مات ، إلى غير ذلك من الأسباب التي انفرد الجاني في التسبيب المتلف ، فهي من العمد (4) .
غير صادق هنا ، ولا في المسألة السابقة أي مسألة القتل بما لا يقتل به غالباً ، مع عدم قصد القتل أيضاً .
ومسألة مناطيّة العمد ودخالته في القصاص قد عرفت عدم الدلالة عليها في الكتاب ، وأنّ آياته مطلقة من دون تعرّض للعمد أصلاً لا بالنحو الأوّل ولا الثاني ، وما في السنّة ليس بأزيد عن الإشارة .
وعلى هذا ، فالحقّ في المسألة عدم القود مطلقاً ، لامع الضمن ولا بدونه ; لعدم كون الفعل مقصوداً به القتل ، ولا كونه ممّا يقتل به غالباً ، ولا كون المقتول مقتولاً ظلماً وعرفاً . نعم ، هو مضروب كذلك عرفاً ومقتول بالضمن أو بالاتفاق عندهم ، لا بالظلم الذي هو العمدة والأصل عندنا في القصاص كما مرّ بيانه . نعم ، على الضارب والقاتل كذلك التعزير والدية كما لايخفى .
(4) وجه أصل المسألة واضح ممّا مرّ ، وهو نسبة القتل عمداً ، وكون المقتول مظلوماً ، والقتل ظلماً . وأ مّا كون تلك الأسباب والموارد من العمد الموجب للقصاص وإن لم يقصد به القتل كما في المتن بقوله : «ولو لم يقصد القتل به» ، فالظاهر من المسألة الخامسة أ نّه لكون الأسباب ممّا يقتل بها غالباً حتّى في (مسألة 4) : في مثل الخنق وما بعده لو أخرجه منقطع النفس ، أو غير منقطع لكن متردّد النفس ، فمات من أثر ما فعل به ، فهو عمد عليه القود (5) .
السهم والبندقة ، لا لغيره من قصد القتل ولو رجاءً أو من كونه عمداً تعبداً ، بل هو الظاهر من بيانه الضابطة لقتل العمد في المسألة الأولى إن لم يكن نصّاً في ذلك أيضاً ، وهو الحقّ الحقيق بالتصديق كما مرّ بيانه .
وعلى ذلك ، فما في «الشرائع»( [114]) من التعليل للقصاص في تلك الموارد بالقصد إلى القتل بها غالباً الراجع إلى حجيّة الغلبة في القصد ، كما هو الظاهر منه ، أو إلى الرجاء أو التعبد ، ففيه ما لايخفى .
كما أنّ تعليل «الجواهر» بقوله : «لما سمعته من صدق القتل عمداً وإن لم يقصد به ، بل وإن قصد عدمه فاتّفق القتل ، بل لو أراد برميه غير المقتل فأصاب المقتل ، فإنّ ذلك كلّه من العمد الموجب للقصاص لما عرفته ، ولا يرد التأديب ونحوه ممّا لم يكن عادياً فيه ، نعم خرج من ذلك الصورة المزبورة خاصّة ; للأدلّة المذكورة»( [115]) .
ففيه : أ نّه لا دليل على كفاية القتل عمداً وإن ادّعاه (رحمه الله) ، بل المناط العمد في القتل أو كون المقتول مظلوماً كما مرّ بيانه وتحقيقه ، ومع عدم القصد ولا كون الفعل ممّا يقتل به غالباً لا يصدق شيء من العنوانين الموجبين للقصاص .
(5) وجه القود في منقطع النفس واضح ، وأ مّا في غير المنقطع مع تردّد (مسألة 5) : لو فعل به أحد المذكورات بمقدار لايقتل مثله غالباً لمثله ، ثمّ أرسله فمات بسببه ، فإن قصد ولو رجاء القتل به ففيه القصاص ، وإلاّ فالدية ، وكذا لو داس بطنه بما لايقتل به غالباً ، أو عصر خصيته فمات ، أو أرسله منقطع القوّة فمات (6) .
النفس وموته من أثر ما فعل به ; فلكونه عمداً أيضاً ، وكونه مثل الموت مع الخنق ومقارناً للاشتراك في كون الفعل ممّا يقتل به غالباً .
(6) ممّا ذكرناه في ذيل المسائل السابقة يظهر وجه الأحكام في هذه المسألة والمسائل الآتية إلى المسألة الثالثة والثلاثين من الباب ، وأنّ المناط نسبة القتل والعمد فيه وكون المقتول مظلوماً ، وما في تلك المسائل ليس إلاّ بياناً للمصاديق وبيان النسبة .
ولا يخفى عليك أ نّه مع كون المقتول مظلوماً القصاص ثابت بالآية : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً)( [116]) وإن كان العمد في القتل أو كون القتل عمداً مشكوكاً وغير ثابت ، فافهم ذلك وتدبّر فيه واغتنمه فإنّه دقيق جداً .
هذا ، ولكن مع ذلك نبحث في بعض المسائل منها ; لما فيه من الكلام والبحث اللائق بالذكر ، ونحيل البقيّة إلى ما في المسائل السابقة وإلى ما ذكرناه من المناط ، ونسأل الله تعالى أن يجعل مستقبلنا خيراً ممّا فينا .
(مسألة 6) : لو كان الطرف ضعيفاً ـ لمرض أو صغر أو كبر ونحوها ـ ففعل به ما ذكر في المسألة السابقة ، فالظاهر أنّ فيه القصاص ولو لم يقصد القتل مع علمه بضعفه ، وإلاّ ففيه التفصيل المتقدّم (7) .
(مسألة 7) : لو ضربه بعصا ـ مثلاً ـ فلم يقلع عنه حتّى مات ، أو ضربه مكرّراً ما لايتحمّله مثله بالنسبة إلى بدنه ككونه ضعيفاً أو صغيراً ، أو بالنسبة إلى الضرب الوارد ككون الضارب قويّاً ، أو بالنسبة إلى الزمان كفصل البرودة الشديدة ـ مثلاً ـ فمات ، فهو عمد (8) .
(7) راجع ما تقدّم في ذيل المسألة الخامسة .
(8) وجه القصاص في المسألة كون الفعل مع الخصوصيّات المفروضة فيها ممّا يقتل به غالباً . هذا ، مع ما فيها من النصوص المختصّة بالفرع الأوّل ، وهو الضرب بالعصا مع عدم القلع إلى أن يموت : كمرسل يونس عن الصادق(عليه السلام) : «إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد فالدية على القاتل ، وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله فهو عمد يقتل به ، وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثمّ مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد»( [117]) . وصحيح أبي الصباح الكناني عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات ، أيُدفع إلى وليّ المقتول فيقتله ؟ قال : «نعم ، ولكن لا يتُرك يعبث به ولكن يجيز عليه بالسيف»( [118]) .
(مسألة 8) : لو ضربه بما لايوجب القتل ، فأعقبه مرضاً بسببه ومات به ، فالظاهرأ نّه مع عدم قصد القتل لايكون عمداً ولاقود ، ومع قصده عليه القود (9) .
وخبرالعلاء بن فضيل( [119]) ، وخبر موسى بن بكر( [120]) ، وخبر سلمان بن خالد( [121]) .
(9) وجه الظهور أنّ المعتبر في القصاص عند الماتن كما يظهر من المسألة (الاُولى) وبعض مسائل اُخرى ـ كما تقدّم ـ القصد إلى القتل أو فعل ما يقتل به غالباً ، وليس في المفروض شيء منهما ، وإنّما المفروض حدوث القتل من المرض المتحقّق عقيب الضرب ، ومن المعلوم أنّ المرض ليس من فعل الضارب وإن كان سبباً فيه .
وأ مّا على المختار من كفاية القتل ظلماً فيه ، فقد مرّ منّا في تفصيل الصور في المسألة الأولى عدم كون المقتول كذلك مقتولاً ظلماً أيضاً ، وإنّما هو مضروب كذلك عرفاً .
والتعبير بالظهور لا الإرسال المسلّم كغيره من الموارد ، إنّما هو للوجوه الثلاثة المستدلّ بها التي عرفتَ عدم تماميّتها مفصلاً في ذيل المسألة الثانية .
نعم ، صريح «القواعد»( [122]) وشرحه «اللثام»( [123]) و «التحرير»( [124]) ومحكي (مسألة 9) : لو منعه عن الطعام أو الشراب مدّة لايحتمل لمثله البقاء ، فهو عمد وإن لم يقصد القتل ، وإن كان مدّة يتحمّل مثله عادة ولايموت به ، لكن اتفق الموت ، أو أعقبه بسببه مرض فمات ، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً ، أو لا (10) .
(مسألة 10) : لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتّى مات ، أو منعه عنه حتّى مات ، قتل به (11) ،
«المبسوط» الحكم بالقصاص .
(10) كون المنع عمداً وإن لم يقصد القتل ; لكونه ممّا يقتل به غالباً ، ولا يخفى أنّ عدم التحمّل لمثله البقاء مختلف بحسب حال الأشخاص صحةً ومرضاً ، وشبعاً وجوعاً ، وريّاً وعطشاً ، وغيرها من الحالات ، هذا في المدّة التي لا يحتمل لمثله البقاء .
وأ مّا في المدّة القابلة للتحمّل فتفصيل المتن في محلّه ، ووجهه ظاهر ، لكن مع تقييد المرض بكونه غير قابل للمعالجة ، أو قابلاً لها لكنّ المانع منعه عنها أيضاً ، وإلاّ فمع كون المرض قابلاً لها ولم يعالج المرض ليموت فالظاهر كونه شريكاً مع المانع في القتل ; لدخالة المنع وعدم المعالجة في الموت معاً فتأ مّل .
(11) من جهة القصد أو كون الفعل ممّا يقتل به غالباً ، نعم مع عدم القصد ولو رجاء وجهل الفاعل بالسببيّة فالظاهر الدية والتعزير دون القصاص .
أ مّا عدم القصاص ; فلعدم نسبة العمد في القتل أو القتل عمداً إليه عرفاً ، فضلاً عن كون قتله له ظلماً وعن كون المقتول ممن قُتِل مظلوماً .
وأ مّا الدية ; فلكون الملقي في النار قاتلاً وإن لم يكن قاتلاً عمداً ، والدية ولو لم يخرج منها عمداً وتخاذلاً فلا قود (12) ولا دية قتل ، وعليه دية جناية الإلقاء في النار ، ولو لم يظهر الحال واحتمل الأمران لا يثبت قود ولا دية .
تابعة لنسبة أصل القتل وإن كان القتل خطأً ، هذا مع أ نّه لا يبطل دم امرء مسلم . وأ مّا التعزير فوجهه ظاهر .
(12) نفي القود والدية إنّما يكون ; لأنّ الموت إنّما حصل بلبثه ، وهو مستند إليه لا إلى الجاني . وأ مّا لو شك في التخاذل وعجزه للشكّ في تمكّنه وعدمه بأن احتمل عـدم تمكنّه أصلاً للشكّ في التمكـن ، أو احتمل حصول الذهـول أو الضعف عن الخروج وإن كان قادراً عليه ، ففي «الشرائع»( [125]) و «التحرير»( [126]) و «الإرشاد»( [127]) و «التلخيص»( [128]) ثبوت القصاص ، حيث إنّ السبب المهلك معلوم والدفع مجهول وإن كان موثوقاً به ; لما مرّ من حصول الظهور والدهشة .
وفي «المسالك» : «لوجود السبب المقتضي للضمان وهو الإلقاء ، مع الشكّ في المسقط وهو القدرة على الخروج ]فتركه[ مع التهاون فيه .
ولا يسقط الحكم بثبوت أصل القدرة ما لم يعلم التخاذل عن الخروج ; لاحتمال أن يعرض له ما يوجب العجـز من دهش أو تحيّر أو تشنّج أعضائـه ونحـو ذلك»( [129]) .
وعلى كلّ حال ، فمقتضى الجميع ثبوت القصاص ، ولكن عن «الخلاف»( [130]) القطع بعدمه ، بل هو ظاهر «القواعد» أو صريحه أيضاً حيث قال : «وإن تركه في نار يتمكن من التخلّص منها لقلّتها ، أو لكونه في طرفها يمكن الخروج بأدنى حركة فلم يخرج ، فلا قصاص . وفي الضمان إشكال ، أقربه السقوط إن علم منه أ نّه ترك الخروج تخاذلاً ، ولو لم يعلم ضمنه وإن قدر على الخروج ; لأنّ النار قد ترعبه وتدهشه وتشنّج أعضاءه بالملاقاة ، فلا يظفر بوجه المخلّص»( [131]) .
ومن هنا قال في «كشف اللثام» : «ثمّ هذه العبارة تُعطي القطع بعدم القصاص مطلقاً ، وهو موافق للخلاف والتردّد في سقوط الدية ، ثمّ استقرابه إذا علم الإهمال تخاذلاً» . ثمّ قال : «ومبنى الوجهين على تعارض ظاهِرَين وأصلين ، فإنّ الظاهِر من حال الإنسان أ نّه لايتخاذل عن الخروج حتّى يحترق ، وظاهر النار المفروضة سهولة الخروج عنها ، وأ نّه لا يحترق بها إلاّ من تعمّد اللبث فيها ، والأصل براءة الذمّة ، والأصل عدم الشركة في الجناية ، والاحتياط يقوّي ما في الكتاب»( [132]) .
قلت : الظاهر ثبوت القصاص مطلقاً ، حيث إنّ كون السبب في مثل الإلقاء في النار المحتمل فيها حصول الدهشة والتشنّج والذهول ممّا يقتل به غالباً ممّا يساعده العرف ، فيكون القتل عمداً وإن لم يقصد به ذلك .
نعم ، ما كان ذلك الاحتمال فيه ضعيفاً من حيث الشخص أو النار مثلاً ، فليس السبب كذلك عرفاً ، فالعمد فيه دائر مدار القصد . وأ مّا الدية مع عدم القصد فالظاهر عدمه ; لعدم ثبوت النسبة . ولعلّ مراد «الجواهر» من أنّ مبنى المسألة (مسألة 11) : لو ألقاه في البحر ونحوه فعجز عن الخروج حتّى مات ، أو منعه عنه حتّى مات ، قتل به ، ومع عدم خروجه عمداً وتخاذلاً أو الشكّ في ذلك فحكمه كالمسألة السابقة . ولو اعتقد أ نّه قادر على الخروج ـ لكونه من أهل فنّ السباحة ـ فألقاه ، ثمّ تبيّن الخلاف ، ولم يقدر الملقي على نجاته ، لم يكن عمداً (13) .
(مسألة 12) : لو فصده ومنعه عن شدّه فنزف الدم ومات فعليه القود (14) ، ولو فصده وتركه ، فإن كان قادراً على الشدّ فتركه تعمّداً وتخاذلاً حتّى مات ، فلا قود ولا دية النفس (15) ،
على تحقّق صدق قتله فإن حصل ففيه القصاص ، ما ذكرناه ، أي صدق القتل عمداً ، ولذلك قال : «وإن لم يحصل ـ أي الصدق ـ فالمتّجه سقوطهما»( [133]) . فليس في كلامه (رحمه الله) الضمان بالديه ، وعليه يتحد ما قلناه مع قوله (رحمه الله) .
وأ مّا إن كان مراده من الصدق الصدق في النسبة ، ففيه : كيف يحصل الصدق في النسبة مع الشكّ ؟ !
(13) راجع ما تقدّم في ذيل المسألة الخامسة .
(14) لأ نّه السبب في قتله بما يوجب القتل عادة .
(15) كمـا فـي «شرائـع الإسلام»( [134]) وعـن «التحريـر»( [135]) و «الإرشـاد»( [136]) و «التلخيص»( [137]) ، لكن في «القواعد»( [138]) الإشكال فيه ، وفي «كشف اللثام» : «من استناد الموت إلى تفريطه ، وكون الفصد غير مهلك عادة ، وأصل عدم وجوب الشدّ على الفصّاد» إلي أن قال : «ومن استناده إلى سراية الجرح ، فهو كغيره من الجراحات التي يهمل المجروح مداواتها»( [139]) .
والتحقيق في المسألة أنّ الفصد قد يكون عدواناً ، وقد يكون علاجاً :
ففي الأوّل إن كان بقصد القتل أو كان المتعارف في الفصد من دون الشدّ الموت ، فهما عمدٌ كمالا يخفى . ومحض عدم شدّ المفصود وإن كان بقصد نزف الدم وموته فغير موجب لخروج الآلة عن الآلية ، ولا لمنع قصد القتل من كونه عمداً ، حيث إنّ الفصّاد أوجد السبب لذلك وإيجاد المفصود المانع وإن كان واجباً له إلاّ أ نّه غير رافع للصدق عرفاً ; لكون المقتول مقتولاً ظلماً ، فتكون سراية الجرح الحاصل من الفصد كسراية غيره من الجراحات التي يهمل المجروح مداواتها الموجبة للقود .
واحتمال الفرق بين الفصد وترك المفصود الشدّ ، وبين ترك المداواة في الجرح الساري بالقود في الثاني دون الأوّل ، باعتبار أنّ الفصد بنفسه غير قاتل وإنّما الذي قتله خروج الدم ، فهو كاللبث في النار في استناد الموت إلى أمر لم يكن من فعل الجاني ولا من آثاره ، بخلاف سراية الجرح نفسه التي هي من آثار الجرح وإن ترك المداواة آثماً .
ففيه ما لا يخفى ، فإنّ الموت في الجرح كالفصد مستند أيضاً إلى تركه وعليه دية الفصد (16) ، ولو لم يكن قادراً فإن علم الجاني ذلك فعليه القود ، ولو لم يعلم فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً فمات فعليه القود ظاهراً ، وإن لم يقصده بل فصده برجاء شدّه فليس عليه القود ، وعليه دية شبه العمد .
(مسألة 13) : لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً ، فإن كان ذلك ممّا يقتل به غالباً ; ولو لضعف الملقى عليه ـ لكبر أو صغر أو مرض ـ فعليه القود (17) ، وإلاّ فإن قصد القتل به ولو رجاءً فكذلك هو عمد عليه القود (18) ، وإن لم يقصد فهو شبه عمد (19) ،
المداواة ، فإنّ سبب الموت لم يكن نفس الجرح ، بل السراية الحادثة القابلة للدفع بالمداواة ، كما هو كذلك في النزف والفصد ، فتدبّر جيّداً .
وفي الثاني ، فحكمه حكم الطبيب إن كان حاذقاً في فصده ، فمع التقصير ضامن دون عدمه ، بل مع تقصيره بترك الشدّ مع لزوم الشدّ عليه يكون حكمه حكم العدوان في إيجابه القصاص ; لما ذكر من الآلية ، كما أ نّه على القول بضمان الطبيب مطلقاً هو ضامن أيضاً مطلقاً ولو مع عدم التقصير .
هذا كلّه فيما لم يكن الفصد بأمر الطبيب وإلاّ فهو المحكوم بالضمان أو القصاص دون الفصّاد ; لأقوائيّة السبب عن المباشر .
(16) كما هو الأصل .
(17) لكون الفعل آلة للقتل ، ومرّ كفاية الآلية له في القود .
(18) ووجهه واضح ، فإنّ العمد ومظلوميّة المقتول محقّق مع الرجاء ، كتحقّقه مع الجزم واليقين .
(19) كما لايخفى .
وفي جميع التقادير دم الجاني هدر (20) ، ولو عثر فوقع على غيره فمات فلا شيء عليه لا ديةً ولا قوداً (21) ، وكذا لا شيء على الذي وقع عليه (22) .
(20) لكونه قاتلاً لنفسه .
(21) لعدم القصد إلى الفعل فضلاً عن القتل ، فلا نسبة للقتل إليه أصلاً .
ولصحيح عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل وقع على رجل فقتله ، فقال : «ليس عليه شيء»( [140]) .
وصحيح ابن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) : قال : في الرجل يسقط على الرجل فيقتله ، فقال : «لا شيء عليه» ، وقال : «من قتله القصاص فلا دية له»( [141]) .
وخبر عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما ، قال : «ليس على الأعلى شيء ولا على الأسفل شيء»( [142]) .
(22) للواقع إذا مات ; لعدم إرتباط قتله به أصلاً ، فإنّ الوقوع أمر صادر من الواقع ، والذي وقع عليه ليس بأزيد من المحلّ .
هذا في العثر من دون اختيار ، وأ مّا العثر معه ، مثل من يعلم أنّ في سيره وفعله غير اللازم الذي له مندوحة يعثر غالباً ، والغالب في أمثال ذلك العثر القتل ، فإن عثر كذلك ومات المعثور عليه فالقصاص غير بعيد ; لأ نّه مقتول ظلماً ، والنفس بالنفس .
هذا مع جواز الفعل والسير ، وأ مّا مع المنع والحرمة فالقصاص أوضح ، فإنّ القتل قتل عمد عرفاً ; لكفاية سبق الاحتمال والفعل برجاء القتل ، فتدبّر جيّداً .
ولو ألقاه غيره قاصداً للأسفل أن يقتله قيّد الدافع به ، وبالواقع إن كان الوقوع ممّا يقتل الواقع غالباً أو قصد قتله أيضاً . ولو قصد قتله وحده بالدفع ، أو كان الوقوع ممّا يقتل غالباً ولم يقصد إيقاعه على الأسفل ، ضمن دية الأسفل وقيّد بالواقع قضاءً للقواعد .
لكن في صحيح ابن رئاب وعبدالله بن سنان عن الصادق(عليه السلام) : في رجل دفع رجلاً على رجل فقتله» ، قال : «الدية على الذي دفع (وقع ـ خ ل) على الرجل فقتله لأولياء المقتول» ، قال : «ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه» ، قال : «وإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً»( [143]) .
فالدلالة والظهور في كون الضمان على الواقع والاستقرار على الدافع ، وذلك مخالف للقواعد ; لعدم التقصير والدخالة له في ذلك ، فإنّه كالحجر الملقى لقتل الغير عمداً شبه الخطأ . فالفرق بين المقام وبين تعاقب الأيادي واضح ، فللأيادي دخالة ولو بجعل اليد ، فإنّه موجب لضمان اليد وإن كان استقرار الضمان على الأخير ، وفي «كشف اللثام» : «هو محمول على أ نّه لم يعلم إلاّ وقوعه ، ولم يعلم تعمّده ولا دفع غيره له»( [144]) .
ولكنّه كما ترى ، ضرورة صراحة الخبر في خلافه أوّلاً ، وعدم وجوب الدية على الوجه المزبور بعد التسليم ثانياً ، خصوصاً بعدما سمعته منه من عدم شيء عليه مع الوقوع لا عن عمد ، وهذا منه ; لأنّ الفرض كونه مدفوعاً للغير ، فالوجه الرجوع بالدية على الدافع خصوصاً بعد معلوميّة مثل ذلك في المال ، بل ذكروا في كتاب الغصب أنّ الضمان من أوّل وهلة على المكرِه دون المكرَه ـ بالفتح ـ وإن كان قد أتلف هو المال ولكن بالإكراه ، وليس هو كقاعدة الغرور ، فلاحظ وتأ مّل .
اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ ذلك هنا كذلك تعبّداً ، أو أنّ ذلك مفروض فيما كان للواقع اختيارٌ وإرادةٌ في ذلك ، فالضمان عليه لذلك المقدار من الدخل ، كما أنّ الاستقرار على الواقع ، لأ نّه السبب بل المباشر . وترك الاستفصال في الجواب وإن كان مقتضياً للأعم منه ، بل ظاهر السؤال الاختصاص بما لا دخالة للواقع ، إلاّ أنّ الحمل والتوجيه لايخلو عن المخالفة للظاهر .
وعلى هذا الحمل فليس في الرواية التعبد والمخالفة للقواعد كما لايخفى ، لكنّ الشأن في صحّة الحمل كذلك وعدمها لكونه مخالفاً للظاهر ، فتدبّر جيّداً .
ولا يخفى أ نّه على كون صلة الذي «دفع» بالدال كما في أصل النسخة على ما في «الوسائل» فلابدّ من قرائته على المبنيّ للمفعول كما لايخفى ، وهذا بخلاف كون الصلة «وقع» كما في نسخة البدل فإنّه مبنيّ للفاعل .
(مسألة 14) : لو سحره فقتل وعلم سببيّة سحره له ، فهو عمد إن أراد بذلك قتله ، وإلاّ فليس بعمد بل شبهه ; من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعية أو لا ، ولو كان مثل هذا السحر قاتلاً نوعاً ، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به (23) .
(23) اختلف الفقهاء في أنّ السحر هل له حقيقة مؤثّرة في المسحور بحيث يموت منه ويتأثّر به فيما يقصده الساحر ، أم هو مجرّد كلام ولا تأثير له أصلاً ، فذهب بعضهم إلى الأوّل ، وآخرون إلى الثاني .
استدلّ القائلون بالأوّل بقوله تعالى : (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَاهُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ . . .)( [145]) .
أسند القرآن التفريق إليه وذمّهم على تعلّم ما يفرّقون به بين المرء وزوجه ، فلو لم يكن له تأثير لم يتوجّه إليهم الذمّ ; ولأنّ تأثيره أمر وجداني شائع بين الخلق كثيراً قديماً وحديثاً ، وفي الأخبار ما يدلّ على وقوعه في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى قيل : إنّه سُحِرَ حتّى كان يُخيّلُ إليه أ نّه فعل شيئاً ولم يفعله ، وفيه نزلت المعوذتان .
والقائلون بالثاني استدلّوا بقوله تعالى : (يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أنَّهَا تَسْعَى)( [146]) ، وقوله تعالى : (وَمَاهُمْ بِضَارِّين بِهِ مِنْ أَحَد إلاّ بِإِذْنِ اللهِ . . .)( [147]) .
وجه الدلالة : أنّ تأثيره لو كان بالإضرار فلابدّ من إذنه تعالى وفقاً للآية ، وإذنه تعالى ممتنع ; لاستلزامه القبيح .
هذا ، وأقوى القولين بل الحقّ منهما هو الأوّل ; لما عرفت من الأدلّة وغيرها ممّا يظهر لمن يراجع البحار( [148]) .
وما استدلّ به للثاني ـ مضافاً إلى أنّ الأوّل منه على الخلاف أدلّ ، بل دليل عليه من جهة الظهور في تأثير السحر في الخيال ـ أنّ الإذن إذن تكوينيّ لازم في جميع الأعمال والأفعال ، فإنّه لا مؤثّر في الوجود إلاّ الله ، فيكون محققاً في السحر . ولا قبح فيه من جهة الاختيار في الفعل كجميع المعاصي ، فإنّ تأثيرها وتحقّقها ليس إلاّ بإذن الله تعالى ، فإنّه مسبّب الأسباب . وعدم القبح في إذنه تعالى كذلك يكون من جهة ما في المعاصي من الاختيار ، هذا كلّه في أصل الثبوت .
ولا يخفى عليك أ نّه لو سحره فمات لم يوجب قصاصاً ولا ديةً على القول الثاني ; لعدم إمكانه . ولا فرق في ذلك بين قيام البيّنة عليه أو الإقرار به ; لأ نّهما على أمر محال غير قابل للتحقّق على ذلك القول . وأ مّا على القول الأوّل فالكلام يقع في إثباته ، فنقول : كما أنّ الإقرار مثبت له فكذلك البيّنة ; لما في السحر من أعمال وأسباب وجوديّة قابلة للعلم كبقيّة الأسباب .
وبالجملة : على القول بتحقّقه ، فإنّ قيام البيّنة عليه واضح حتّى على الخيالي منه فضلاً عن الخارجي ; لكونه مسبّباً عن العمل والسبب ولو مثل الشعبذة ، فلا فرق بين البيّنة والإقرار في الإثبات إلاّ في كفاية الإمكان في الثاني دون الأوّل ، فلابدّ فيه من الوقوع كما لا يخفى .
(مسألة 15) : لو جنى عليه عمداً فسرت فمات ، فإن كانت الجناية ممّا تسري غالباً فهو عمد ، أو قصد بها الموت فسرت فمات فكذلك . وأ مّا لو كانت ممّا لا تسري ولا تقتل غالباً ، ولم يقصد الجاني القتل ، ففيه إشكال ، بل الأقرب عدم القتل بها وثبوت دية شبه العمد (24) .
ثمّ إنّه كما أنّ أصل القتل به قابل للإثبات بهما فكذلك أنواعه من العمد والخطأ ، فإن أقرّ مع القتل بأنّ سحره ممّا يقتل به غالباً فقد أقرّ بالعمد ، وإن قال : «نادراً» استفسر : فإن أضاف إليه قصد قتله فهو عمد أيضاً ، وإلاّ فهو شبيه العمد . وإن قال : «أخطأت من اسم غيره إلى اسمه» فهو إقرار بالخطأ ، فيلزمه حكم ما أقرّ به ، ولكن في صورة الخطأ لا يلزم إقراره العاقلة ، بل تجب الدية في ماله قضاءً للدية في الخطأ . نعم ، لو صدّقوه أخذناهم بإقرارهم .
(24) ما في المسألة هو الموافق للاُصول والقواعد ، ولا إشكال ولا كلام في القود وكونه عمداً فيما كانت الجناية مسريّة غالباً أو قصد بها الموت ، وإنّما الإشكال كما ـ في المتن ـ في الصورة الثالثة ، ففي «اللثام» : «لو سرت جناية العمد على طرف إلى النفس ثبت القصاص في النفس اتفاقاً كما هو الظاهر ، وإطلاقهم يشمل كلّ جراحة قصد بها القتل أم لا ، كانت ممّا يسري غالباً أو لا ، فلو قطع إصبعه عمداً لا بقصد القتل فسرت إلى نفسه قُتل الجارح ، ولكن فيه نظر»( [149]) .
وفي «المسالك» : «قوله : السراية عن جناية العمد . . . إلى آخره ، ظاهره عدم الفرق في إيجاب السراية القصاص ـ إذا كان أصل الجناية عمداً ـ بين كونها ممّا يوجبها غالباً أو يوجب القتل كذلك وعدمه ، ولا بين أن يقصد بذلك القتل وعدمه ، وبهذا المفهوم صرّح العلاّمة في «القواعد»( [150]) و «التحرير»( [151]) ، وتمشية هذا الإطلاق على قاعدة العمد السابقة لا يخلو من إشكال»( [152]) .
ووجه الإشكال ظاهر ; لعدم القصد إلى القتل ولا غلبة الجناية في السراية أو القتل ، بل وليس المقتول كذلك مظلوماً ، فكيف القود والقصاص ؟ ! نعم ، ثبوت الدية ـ كما في المتن ـ لكون الجاني ضامناً للجرح ابتداءً وسرايةً والموت منتسب إليه وإلى جرحه هو الأقرب .
نعم ، على القول بالقود في الموت بما يقتل به نادراً من دون قصد القتل على ما مرّ في تفصيل الأقسام للعمد في المسألة الاُولى ، لابدّ من القول بالقود هنا أيضاً فإنّه من موارده وأفراده .
وعليه : فالإطلاق في مثل «الشرائع»( [153]) في المسألة موجّه ، لكنّ الشأن في تماميّة ذلك المبنى ، وقد عرفتَ عدم التماميّة ، وأنّ الأشهر بل المشهور أ نّه ليس بعمد ، بل عن «الغنية»( [154]) الإجماع عليه .
وفي «الجواهر» بعد نقل ما مرّ عن عبارة «المسالك» قال : «قلت : قد مضى ما يستفاد منه ذلك وإن كان الإنصاف عدم خلوّه عن النظر أيضاً»( [155]) . فما مضى منه هو ما ذكره وجهاً للقصاص وتحقّق العمد مع عدم القصد إلى القتل وعدم الغلبة للآلة فيه بقوله : «ولولا ذلك لكان المتّجه فيه القصاص ; لصدق القتل عمداً» ونظره فيه راجع إلى ما ذكره (رحمه الله) بأنّ «العمدة في تنزيل إطلاق النصوص المزبورة على ذلك الشهرة المحقّقة والمحكيّه والإجماع المحكي ، ولولا ذلك لكان المتجه فيه القصاص ; لصدق القتل عمداً على معنى حصوله على جهة القصد إلى الفعل عدواناً الذي حصل به القتل وإن كان ممّا يقتل نادراً ، إذ ليس في شيء من الأدلّة العمد إلى القتل ، بل ولا العرف يساعد عليه ، فإنّه لاريب في صدق القتل عمداً على من ضرب رجلاً عادياً غير قاصد للقتل أو قاصداً عدمه فاتفق ترتّب القتل على ضربه العادي منه المتعمد له»( [156]) .
(مسألة 16) : لو قدّم له طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً أو قصد قتله به ، فلو لم يعلم الحال فأكل ومات ، فعليه القود ، ولا أثر لمباشرة المجني عليه ، وكذا الحال لو كان المجني عليه غير مميّز ; سواء خلطه بطعام نفسه وقدّم إليه أو أهداه أو خلطه بطعام الآكل (25) .
(مسألة 17) : لو قدّم إليه طعاماً مسموماً مع علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلاً ، فأكل متعمّداً وعن اختيار ، فلا قود ولا دية ، ولو قال كذباً : «إنّ فيه سمّاً غير قاتل وفيه علاج لكذا» فأكله فمات ، فعليه القود ، ولو قال : «فيه سمّ» وأطلق فأكله ، فلا قود ولا دية .
(مسألة 18) : لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً ، فإن قصد قتله ـ ولو رجاء ـ فهو عمد لو جهل الآكل ، ولو لم يقصد القتل فلا قود .
(مسألة 19) : لو قدم إليه المسموم بتخيّل أ نّه مهدور الدم فبان الخلاف ، لم يكن قتل عمد ولا قود فيه .
(مسألة 20) : لوجعل السمّ في طعام صاحب المنزل ، فأكله صاحب المنزل من غير علم به فمات ، فعليه القود لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل . وأ مّا لو جعله بقصد قتل كلب ـ مثلاً ـ فأكله صاحب المنزل فلا قود ، بل الظاهر أ نّه لا دية أيضاً ، ولو علم أنّ صاحب المنزل يأكل منه فالظاهر أنّ عليه القود .
(25) كلّ ما في المسائل السابقة إلى هنا من مسائل التسبيب كان من انفراد الجاني بالتسبيب ، ومن هذه المسألة السادسة عشر إلى الثالثة والثلاثين يكون في اشتراك الجاني كذلك مع المجني عليه ، كما أنّ ما في الرابعة والعشرين إلى الحادية والثلاثين مربوط باشتراكه مع الحيوان ، والمسألة الثانية والثلاثين وكذا الثالثة والثلاثين من مسائل اشتراك الجاني كذلك ، أي بالتسبيب مع إنسان آخر .
وللجاني بالتسبيب أقسام أربعة ، ذكرها صاحب «القواعد»( [157]) في مطالب أربعة .
نعم ، ما في المتن يخالفه في ترتيب الأقسام ، والأمر في التقسيم والترتيب وغيرهما من الاُمور الفنيّة واُمور الفهرسة سهلة المؤونة في الفقه ، إنّما المهّم نفس المسائل والأحكام .
إذا عرفت هذا فنقول : إنّ المقدّم (بالكسر) للطعام المسموم وإن كان له السببيّة في الجملة ، لكنّ المقتول شريكه في القتل ، وينبغي في البحث عن هذه المسألة وما يتلوها إلى المسألة الحادية والعشرين اتّباع صاحبي «اللثام» و «الجواهر»(قدس سرهما) حيث جعلا الكلام في مسألة التقديم في التقديم والمناولة تارة ، وفي الوضع والجعل اُخرى ، وفي حكم الاختلاف ثالثة ، وفي الخطأ رابعة ، فالكلام يتمّ في مسائل أربع ، وبه يظهر حال مسائل المتن .
أوّلها : لو قدّم إليه طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً أو قصد القتل به في الأكل ، فإن علم الآكل بالسمّ وكان مميّزاً فلا قود ولا دية بلا خلاف ولا إشكال ; لكونه هو القاتل نفسه بمباشرته عالماً بالحال لا المقدّم ، وتقديمه وإن كان مؤثّراً في الجملة لكنّ تأثيره شرطيّة كمناولته السكّين لمن ذبح نفسه بها عالماً .
وما وقع من مثل الإمام الحسن والإمام الرضا ـ عليهما الصلاة والسلام ـ من الإقدام على الطعام المسموم ، فمن المحتمل كون دخالة العلم في النهي عن الإلقاء في التهلكة وفي قتل النفس على نحو الموضوعيّة ، وخروج العلم من الغيب عن الموضوع واختصاصه بالعلم العادّي ، فإنّ اختيار الموضوع بيد الشارع فلا حرمة على ذلك أصلاً .
وهذا الاحتمال وإن كان مخالفاً لظاهر الأدلّة ، واقتضائه الطريقيّة للعلم كسائر الموارد المثبتة للحكم على ذات الموضوع ، إلاّ أنّ العصمة في الإمام ـ عليه الصلاة والسلام ـ قرينة على ذلك الاحتمال ; دفعاً لما ينافي العصمة ، وفي محض الاحتمال ثبوتاً كفاية كما لا يخفى .
ومن المحتمل كون الإقدام منهما لمصلحة الإسلام والمسلمين ، كالشهادة والجهاد أو غيرهما من الوجوه المذكورة في محلّها .
وإن لم يعلم الآكل بالحال فأكل فمات فللوليّ القود عندنا ; لأنّ المباشرة هنا ضعفت بالغرور ، وينسب القتل إلى السبب ، أي المقدّم (بالكسر) كما لو قتله بالسيف مثلاً ، حيث إنّ المقدّم عرّضه لأكل الطعام ولم يُعلمه بكون الطعام مسموماً ، ألا ترى أ نّه لو أعلمه أنّ فيه السمّ لم يختر شربه ولا أكله .
ولا فرق في ذلك بين ما لو خلطه بطعام نفسه وقدّمه إليه ، أو أهداه إليه ، أو خلطه بطعام الآكل ولم يعلم ، أو بطعام أجنبي وندبه إليه من غير شعور أحد من الآكل والأجنبي . ولو علم الأجنبي وشارك في التقديم كان شريكاً في الجناية ، فما عن الشافعي من قوله بنفي القود مع عدم العلم ترجيحاً للمباشرة التي عرفت سقوطها بالغرور واضح الضعف .
هذا ، وفي «مجمع الفائدة والبرهان» : «لو قدّم شخص إلى غيره طعاماً مسموماً فأكله ذلك الغير عالماً بالسمّ وكونه قاتلاً ، لا شيء على المقدّم من القصاص والدية ; لأ نّه السبب القوي بل المباشر ، فهو القاتل لنفسه لا غير ، وإن جهل أحدهما يكون المقدّم قاتل عمد ، فعليه القصاص مع علمه بهما ، والدية عليه مع جهله بأحدهما»( [158]) .
وفي «الجواهر» الإيراد عليه بقوله : «منع كون المقدّم قاتل عمد مع فرض علم المتناول بأنّ في الطعام شيئاً قاتلاً ولكن لم يعلم أ نّه سمّ ، ضرورة عدم مدخليّة جهله بالسمّ في إقدامه على قتل نفسه ، بل قد يشك في ذلك لو علم بأنّ فيه سمّاً خاصّة ، حيث إنّه أقدم على ما يحتمل فيه القتل»( [159]) .
وما ذكره (رحمه الله) من المنع في محلّه ، اللهمّ إلاّ أن يقال : الجهالـة بالسمّ مستلزمـة عادة للجهل بأنّ في الطعام شيئاً قاتلاً ، وبأنّ السمّ في الطعام هو الغالب القاتل دون غيره لندرته جدّاً ، فكلامه منصرف إلى الغالب ، فلا منع ولا نقض كما لا يخفى .
وبـذلك يظهر ضعف ما في «الجواهـر» مـن الإشكال في إطلاق ثبوت الديـة على المقدّم مع جهله بأحدهما ، إذ من أفراده ما لو علم بكونه قاتلاً ولكـن لم يعلم بأ نّه سمٌّ فإنّ المتّجه فيه القصاص لا الدية ، ووجه الضعف مـا مرّ في عكسـه مـن خـروج ذلك الفرد مـن إطلاق كلامـه وانصرافـه إلى غيره لندرتـه إن لم نقل بعدم تحقّقه ، فالكلام منصرف إلى المتعارف ، فالجهالة بالسمّ مع العلم بأنّ الطعام قاتل كعكسه من الجهالة بأ نّه قاتل مع العلم بأنّ فيه السمّ ، كلاهما خارجـان عـن إطلاق كلامـه بانصراف الكلام إلـى الغالب .
وأ مّا ما أورده عليه قبل ذلك بمنع ثبوت الدية على المقدّم الجاهل فيما لو كان واضع السمّ غيره ، للأصل ، وأولويّة المباشرة مع التساوي ، وبعد ذلك بثبوت القصاص على المقدّم مع كونه عالماً بالسمّ دون كونه قاتلاً فيما قصد القتل به ، أو أعقب مرضاً أدّى إلى ذلك .
ففيه : أ نّهما خارجان عن محلّ البحث ; لأنّ الظاهر كون السبب في جهل المقدّم ما هو السبب في جهل الآكل ، وهو الجهل من حيث السمّ في الطعام ، لا مـن جهة الواضع ولا غيرها من الجهات حتّى يرد النقض بما ذكره (رحمه الله) من المنع ، ولأنّ الجهل المبحوث عنه ما هو السبب لعدم العمد بما هو جهل ، ففرضه مـع شـيء يوجب العمـد كقصد القتل ، والنقض بثبوت القصاص معـه خـروج عن محل البحث أيضاً .
ثانيها : القتل بالسمّ والمشاركة لكن لابنحو المناولة والتقديم ، بل مثل جعله في طعام صاحب المنزل وأكله من غير شعور واطّلاع ، وفيه احتمالات ثلاثة :
الأوّل : القود على السبب والجاعل ، كما اختاره الشيخ في «الخلاف»( [160]) و «المبسوط»( [161]) ، بل في «المسالك»( [162]) على أ نّه الأشهر ; لضعف المباشرة بالغرور وأقوائيّة السبب ، ولصدق القتل عامداً لغةً وعرفاً ، بل لعلّه نحو التقديم الذي ليس إلجاءً وإنّما هو داع للأكل ، والطريق المتعارف في القتل بالسمّ الذي هو كالآلة .
الثاني : الدية عليه دون القود ، حيث إنّه لم يَلجئه إلى الأكل ولم يكن مقدّماً فيلزمه القصاص ، ووجوب الدية عليه لنسبة القتل إليه وكونه غارّاً .
الثالث : عدم الضمان من رأس ، وهو قول للعامّة .
والمتعيّن من الاحتمالات بل الأقوى منها الأوّل ; لماعرفت مـن الوجـه ، والقود ليس دائراً مدار الإلجاء أو التقديم حتّى ينتفي بانتفائه ، بل هو دائر مدار صدق القتل مظلوماً ، وأقوائيّة السبب عن المباشر الموجب لصدق النسبة كما عرفت .
وبالجملة : الظاهر عدم الفرق من حيث العمد والنسبة بين التقديم وبين الجعل في منزله وأكله مع جهله ، فكما يلزم القود في الأوّل فكذا الثاني .
نعم ، مع علم الآكل فلا ضمان على المقدّم فضلاً عن الجاعل ، ولـ «مجمع الفائدة» هنا كلام لا يخلو نقله من فائدة وزيادة توضيح للمسألة ، قال :
«لو جعل شخص سمّاً في طعام صاحب المنزل فأكله ، قال الشيخ : عليه القصاص فإنّه قتل نفساً بالتسبيب وهو موجب للقصاص ، وقيل : بالدية ; لأ نّه أكل بنفسه طعام نفسه فلا يلزم على الغير ، إذ صدق القاتل عمداً عليه غير ظاهر ، ولكن لما صار سبباً للقتل في الجملة ـ ولابدّ لدم امرء مسلم من شيء ، ولما لم يلزم القود للشكّ في كونه قاتلاً ـ لزم الدية .
ويحتمل عدم شيء أصلاً ; لأ نّه ما فعل إلاّ إلقاء السمّ وهو غير قاتل ولا سبب موجب ، لعدم الإلجاء ، وهذا ضعيف .
وينبغي التفصيل وهو : أ نّه إن كان الملقي عالماً بأ نّه سمّ قاتل وأكل الآكل جاهلاً بذلك فعليه القصاص ; لأ نّه تعمّد القتل أو ما يؤول إليه غالباً ; لأنّ إلقاءه مع عدم مانع من أكله بمنزلة فعل السبب ، ولأ نّه لو لم يكن مثل هذا موجباً للزم منه وجود قتل كثير مع عدم القصاص ويلزم عدم القود في مقدّم الطعام المسموم أيضاً ، إذ لا إلجاء هنا أيضاً كذلك ، وكذا في أمثال ذلك وهو ظاهر ، وفتح للفساد والقتل الكثير ، وهو مناف لحكمة شرع القصاص ، فتأ مّل .
وإن أكل عالماً لا شيء عليه وأنّ( [163]) الآكل هو القاتل نفسه لا غير .
وإن فعل جاهلاً فعليه الدية ; لعدم قصد القتل ولا إلى موجبة التامّ ولو نادراً ، فلا يكون عامداً مع ثبوت عدم إبطال دم امرء ، وعدم اعتبار القصد والعمد في الدية ، فتأ مّل»( [164])
ولا يخفى عليك أنّ ما يدلّ عليه ما ذكره من اللازم الباطل ; لعدم القصاص فيما كان الملقي عالماً والآكل جاهلاً ، من عدم القود في مقدّم الطعام المسموم أيضاً ، وهو عدم الفرق بين جعل السمّ في الطعام وبين تقديم الطعام المسموم ، أمر متين وتامّ جداً ، فإنّ المناط فيهما واحد ، ولقد أجاد فيما أفاد .
[1] ـ المقنع : 509 .
[2] ـ المقنعة : 734 .
[3] ـ الانتصار : 510 .
[4] ـ النهاية : 733 .
[5] ـ الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 408 .
[6] ـ شرائع الإسلام 4 : 971 و 1016 .
[7] ـ تحرير الأحكام 5 : 415 .
[8] ـ قواعد الأحكام 3 : 581 .
[9] ـ مجمع الفائدة والبرهان 13 : 371 .
[10] ـ المنجد : 631 «قصّ» .
[11] ـ المصباح المنير : 88 «قصص» .
[12] ـ جواهر الكلام 42 : 7 .
[13] ـ البقرة (2) : 178 .
[14] ـ البقرة (2) : 179 .
[15] ـ المائدة (5) : 45 .
[16] ـ الإسراء (17) : 33 .
[17] ـ الشورى (42) : 40 .
[18] ـ الشورى (42) : 41 .
[19] ـ النحل (16) : 126 .
[20] ـ البقرة (2) : 194 .
[21] ـ الشورى (42) : 40 .
[22] ـ المائدة (5) : 45 .
[23] ـ التوبة (9) : 33 .
[24] ـ الحجرات (49) : 13 .
[25] ـ النساء (4) : 1 .
[26] ـ بحار الأنوار 76 : 350 / 13 ، تحف العقول : 24 .
[27] ـ مجمع البيان 1 : 264 .
[28] ـ وسائل الشيعة 29: 30 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 9 ، الحديث 1 .
[29] ـ وسائل الشيعة 29: 33 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 10 ، الحديث1.
[30] ـ تحرير الأحكام 5 : 418 .
[31] ـ مرآة العقول 24 : 15 .
[32] ـ النساء (4) : 93 .
[33] ـ المائدة (5) : 32 .
[34]ـ مستدرك الوسائل 18 : 211 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 2 ، الحديث 5 .
[35] ـ مستدرك الوسائل 18 : 211 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 2 ، الحديث 4 .
[36] ـ وسائل الشيعة 29: 13 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 1 ، الحديث 9 .
[37] ـ وسائل الشيعة 29: 13 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 1 ، الحديث 8 .
[38] ـ وسائل الشيعة 29: 9 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 1 ، الحديث 1 .
[39] ـ وسائل الشيعة 29: 9 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 1 ، الحديث 2 .
[40] ـ جواهر الكلام 42 : 12 .
[41] ـ «لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الوليّ كان عليه القود ، ولو وجب قتله بالزنا أو اللواط فقتله غير الإمام(عليه السلام) قيل : لا قود عليه ولا دية . وفيه تردّد» . تحرير الوسيله 2 : 469 ، «في الشرائط المعتبرة في القصاص» .
[42] ـ «وبالجملة فالمدار على احترام النفس على وجه يجب على المكلّف حفظها ، ومرجع ذلك إلى الاستظهار من الأدلّة ، وإلاّ فمجرّد وجوب القتل حدّاً لايقتضي ذلك ، خصوصاً مع توبة المحدود وندمه وأسفه إذا كان بحيث لايسقط عنه الحدّ ، كما لو فرض توبته بعد إقامة البيّنة عليه وحكم الحاكم عليه ، فإنَّ دعوى عدم احترام نفسه مع هذا الحال بحيث يكون كبعض الحيوانات التي هي غير محترمة من جهة وجوب القتل عليه حدّاً لايخفى عليك ما فيها» جواهر الكلام 42 : 167 .
[43] ـ النساء (4) : 92 .
[44] ـ النساء (4) : 93 .
[45] ـ شرائع الإسلام 4 : 971 .
[46] ـ المختصر النافع : 292 .
[47] ـ قواعد الأحكام 3 : 582 ، تحرير الأحكام 5 : 419 .
[48] ـ السرائر 3 : 322 .
[49] ـ كنز العرفان 2 : 366 .
[50] ـ التنقيح الرائع 4 : 405 .
[51] ـ الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 429 .
[52] ـ غنية النزوع 1 : 402 .
[53] ـ الروضة البهيّة 10 : 17 .
[54] ـ مسالك الأفهام 15 : 67 .
[55] ـ رياض المسائل 14 : 36 .
[56] ـ كشف اللثام 2 : 439 / السطر 17 .
[57] ـ جواهر الكلام 42 : 13 .
[58] ـ وسائل الشيعة 29: 36، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث 1.
[59] ـ وسائل الشيعة 29: 36، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث 3.
[60] ـ وسائل الشيعة 29: 37، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث 6.
[61] ـ وسائل الشيعة 29: 38، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب11، الحديث8.
[62] ـ وسائل الشيعة 29: 40، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث16.
[63] ـ وسائل الشيعة 29: 40، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث18.
[64] ـ وسائل الشيعة 29: 37 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث7.
[65] ـ وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث11.
[66] ـ وسائل الشيعة 29: 40، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث13.
[67] ـ وسائل الشيعة 29: 40، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث13.
[68] ـ وسائل الشيعة 29: 38 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث7.
[69] ـ رياض المسائل 14 : 37 ـ 38 .
[70] ـ وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث11.
[71] ـ الكافي 7 : 281 / 3 .
[72] ـ تهذيب الأحكام 10 : 158 / 635 .
[73] ـ الاستبصار 4 : 259 / 976 .
[74] ـ الفقيه 4 : 77 / 240 .
[75] ـ المبسوط 7 : 17 .
[76] ـ مسالك الأفهام 15 : 68 ، رياض المسائل 14 : 39 ، مجمع الفائدة والبرهان 13 : 373 ، جواهر الكلام 42 : 16 .
[77] ـ كشف اللثام 2 : 439 / السطر 25 .
[78] ـ المختصر النافع : 292 .
[79] ـ مسالك الأفهام 15 : 68 .
[80] ـ مجمع الفائدة والبرهان 13 : 373 .
[81] ـ غنية النزوع 1 : 402 .
[82] ـ المائدة (5) : 45 .
[83] ـ البقرة (2) : 178 .
[84] ـ الإسراء (17) : 33 .
[85] ـ وسائل الشيعة 29: 36 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث3.
[86] ـ وسائل الشيعة 29: 38، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث 8.
[87] ـ وسائل الشيعة 29: 37 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث6.
[88] ـ وسائل الشيعة 29: 35 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث1.
[89] ـ وسائل الشيعة 29: 40، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث13.
[90] ـ وسائل الشيعة 29: 38 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب11، الحديث7.
[91] ـ وسائل الشيعة 29: 38 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث9.
[92] ـ وسائل الشيعة 29: 37 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث4.
[93] ـ وسائل الشيعة 29: 37 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث5.
[94] ـ كشف اللثام 2 : 439 / السطر 21 .
[95] ـ رياض المسائل 14 : 38 .
[96] ـ جواهر الكلام 42 : 12 .
[97] ـ غنية النزوع 1 : 402 .
[98] ـ رياض المسائل 14 : 38 .
[99] ـ وسائل الشيعة 29: 36 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث2.
[100] ـ وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث10.
[101] ـ وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث12.
[102] ـ كشف اللثام 2 : 440 / السطر 7 ـ 10 .
[103] ـ جواهر الكلام 42 : 18 .
[104] ـ المبسوط 7 : 16 .
[105] ـ كشف اللثام 2 : 440 / السطر 11 .
[106] ـ شرائع الإسلام 4 : 971 و 972 .
[107] ـ كشف اللثام 2 : 440 / السطر 11 .
[108] ـ جواهر الكلام 42 : 21 .
[109] ـ قواعد الأحكام 3 : 583 .
[110] ـ مسالك الأفهام 15 : 70 .
[111] ـ جواهر الكلام 42 : 24 .
[112] ـ شرائع الإسلام 4 : 972 .
[113] ـ مسالك الأفهام 15 : 70 .
[114] ـ شرائع الإسلام 4 : 972 .
[115] ـ جواهر الكلام 42 : 21 .
[116] ـ الإسراء (17) : 33 .
[117] ـ وسائل الشيعة 29: 37 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث5.
[118] ـ وسائل الشيعة 29: 36 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث2.
[119] ـ وسائل الشيعة 29: 37 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 11 ، الحديث4.
[120] ـ وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث10.
[121] ـ وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث12.
[122] ـ قواعد الأحكام 3 : 584 .
[123] ـ كشف اللثام 2 : 440 / السطر 32 .
[124] ـ تحرير الأحكام 5 : 423 .
[125] ـ شرائع الإسلام 4 : 972 .
[126] ـ تحرير الأحكام 5 : 423 .
[127] ـ إرشاد الأذهان 2 : 195 .
[128] ـ تلخيص المرام : 335 .
[129] ـ مسالك الأفهام 15 : 73 .
[130] ـ الخلاف 5 : 162 ، مسألة 20 .
[131] ـ قواعد الأحكام 3 : 585 .
[132] ـ كشف اللثام 2 : 441 / السطر 12 ـ 17 .
[133] ـ جواهر الكلام 42 : 26 .
[134] ـ شرائع الإسلام 4 : 972 .
[135] ـ تحرير الأحكام 5 : 423 .
[136] ـ إرشاد الأذهان 2 : 195 .
[137] ـ تلخيص المرام : 335 .
[138] ـ قواعد الأحكام 3 : 585 .
[139] ـ كشف اللثام 2 : 441 / السطر 26 .
[140] ـ وسائل الشيعة 29: 56 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 20 ، الحديث1.
[141] ـ وسائل الشيعة 29: 56 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 20 ، الحديث2.
[142] ـ وسائل الشيعة 29: 57 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 20 ، الحديث3.
[143] ـ وسائل الشيعة 29: 57 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، الباب 21 ، الحديث1.
[144] ـ كشف اللثام 2 : 441 / السطر 33 .
[145] ـ البقرة (2) : 102 .
[146] ـ طه (20) : 66 .
[147] ـ البقرة (2) : 102 .
[148] ـ بحار الأنوار 63 : 21 .
[149] ـ كشف اللثام 2 : 441 / السطر 28 .
[150] ـ قواعد الأحكام 3 : 585 .
[151] ـ تحرير الأحكام 5 : 424 .
[152] ـ مسالك الأفهام 15 : 74 .
[153] ـ شرائع الإسلام 4 : 973 .
[154] ـ غنية النزوع 1 : 402 .
[155] ـ جواهر الكلام 42 : 29 .
[156] ـ نفس المصدر 42 : 17 .
[157] ـ قواعد الأحكام 3 : 583 .
[158] ـ مجمع الفائدة والبرهان 13 : 385 .
[159] ـ جواهر الكلام 42 : 36 .
[160] ـ الخلاف 5 : 170 ، مسألة 31 .
[161] ـ المبسوط 7 : 45 .
[162] ـ مسالك الأفهام 5 : 78 .
[163] ـ هكذا في نفس المصدر ولعلّ الصواب : «لأنّ الآكل» .
[164] ـ مجمع الفائدة والبرهان 13 : 385 .
