رسالة في الربا

سماحه آية الله العظمي الشيخ يوسف الصانعي دام ظله
مؤسسة فقه الثقلين الثقافية







إن نزول القرآن من الغيب الربوبي وعالم القدرة الأعلى، وتجلّيه في زينة النص الأرقى في البلاغة، وتأثيره الحكيم والرؤوف في هداية الخلق... مثير للتعجب ومدهش محيّر أكثر مما نتصوّر!!
إنه كتاب: آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه([1]). الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يُضل، والمحدِّث الذي لا يكذب([2]).
( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )([3]).
كتاب لا نظير له ولا شبيه، قيّم جليل لا يمكن الإتيان بمثله; ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد )([4])، كتاب يتمتع بالعصمة والخلود، وهما سمتان لا تكسوانه لأجل التعبّد بتلاوته والتبرّك بكرامة هذه النسخة الإلهية، وإنما لما فيه من جذور ضاربة في الحكمة السامية والرحمة الشاملة العامة، حيث رسالته إضاءة زوايا الروح والفكر وخبايا نفوس البشر، وعلاقاتُ حدودها، وحقوقها مع بعضها، كما علاقات الجميع مع خالق الكلّ، وكذلك إضاءة علاقة أعمال الناس بنتائج هذه الأعمال.
وبتحلّي هذا الكتاب بهاتين الخاصيتين ـ أي العصمة والخلود ـ يستوعب الأفكار كلّها، ويمنح البصائر بسطاً وسعة، ويوقد أكثر فأكثر مشاعل الإيمان في القلوب، ويُذهب بظلمات الأوهام والأحقاد من أرواح البشر وعقولهم، إنه يبسط دائرة الطهارة وألوان النقاء، ويجمع بساط القبائح والدناءات، ويكسر القيود التي كانت تحيط في ظلّ سلطة الجاهلية بيد الفكر وقدميه: ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاَْغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ )([5]).
إنه يرفع عالياً نداء تكبير الحرية والتحرّر، وينشر ظلال الرحمة الإلهية ويبسطها، ويسمو.. بالعزة والرفعة والشموخ، حتى يرفع المؤمنون الشامخون بقبضاتهم الحديدية التي تقف خلفها إرادات فولاذية.. يرفعوا سيف العدالة على أعتاقهم، فيحملوا على هذا العالم المليء بالكفر، فيزيلوا في أقرب زمان سُتر الشرك الكثيفة ويمزّقوها، فيحطموا أشباح السلطة والقهر من أمام مرأى الناس المظلومين والمرعوبين، ثم يضيؤا مشاعل الهداية والرشاد في أعماق الصدور، فيقودوا ذلك المجتمع الطبقي الملوّث بالشرك نحو نظام عالمي إلهيّ يحكمه العدل العام.
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ )([6]).
أما محمد فهو الآتي بهذا الكتاب السماوي، ورسالته ونبوّته مشروع عام جامع مستوعب للجوانب جميعها، معتدل، متوازن، منتج ومثمر، حاو لتمام المشاريع العامة والجزئية، كما لتمام النبوّات والرسالات، إنه حارسها وحافظها دون استثناء، تعلوه سمة الأبدية والخلود.
( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ )([7]).
من هنا، كانت نبوّته الحلقة الأخيرة في مسلسل النبوّات، فلم يأتِ نبيّ بعده، ولن يأتي أبداً.
«بأبي أنت وأمي يا رسول الله، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والإنباء وأخبار السماء»([8]).
لقد بعث الإله العالم الحكيم بحكمته محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأودعه تمام أحكام شريعته، فعلّمه إيّاها على ضوء الوحي والإلهام، وأوكل إليه مهمة هداية الخلق لعبوديّته، فجعله شارحاً لدينه وشارعاً.
من هنا، كانت سنّته المصدر الثاني للأحكام الإلهية بعد القرآن الكريم، وقد سعى (صلى الله عليه وآله وسلم) أيام بعثته لنشرها وتبليغها.
وبهذه الحكمة الربانية وما تستدعيه خاتمية الرسالة، وبأمر من الله سبحانه، وبناء على وصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، تصدّى أئمة الشيعة لشرح الشريعة وتفسيرها، كلّ حسبما تقتضيه ظروف زمانه الاجتماعية والسياسية، والثقافية، من علي بن أبي طالب(عليه السلام)، والحسن المجتبى(عليه السلام)، والإمام الحسين  (عليه السلام)، والإمام السجاد(عليه السلام)، والإمام الباقر(عليه السلام)، والإمام الصادق(عليه السلام)، والإمام الكاظم(عليه السلام)، والإمام الرضا(عليه السلام)، والإمام الجواد(عليه السلام)، والإمام الهادي  (عليه السلام)، والإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، وصولاً حتى الإمام المهدي (عج)، واحداً تلو الآخر.
لقد بيّن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مرات ومرات، وبأساليب وتعابير هامّة وكثيرة ومتعدّدة، فقال: «إني تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي ـ أهل بيتي ـ فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»([9]).
وقال: «أيها الناس! إن الله أمركم في كتابه الصلاة فقد بيّنها لكم، والزكاة والصوم والحج فبيّنها لكم وفسّرتُها، وأمركم بالولاية، وإني أشهدكم لهذا خاصّة، ووضع يده على عليّ بن أبي طالب، قال: ثم لابنه بعده، ثم للأوصياء من بعدهم من ولدهم، لا يُفارقون القرآن، ولا يفارقهم القرآن، حتى يردوا عليّ الحوض»([10]).
من هذا المنطلق، كانت كلماتهم ـ إلى جانب القرآن المجيد والأحاديث الواصلة بالقطع واليقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ من مصادر الأحكام الشرعية ومعارف التشريع، ومع كونها أوّل تفسير للقرآن، إلاّ أنّها أيضاً أحد مصادر الشريعة التي تقف إلى جانبه، وقد خضعت من الناحية المضمونية والقانونية وبشكل عميق وشامل للدرس والنظر والتحقيق من جانب علماء الحديث وفقهاء الإسلام العظام، لا سيما أتباع مذهب الإمام الصادق(عليه السلام) وأنصار مدرسته، وفي الوقت عينه كانت كلماتهم مصدراً من مصادر الفكر والمعرفة الإسلامية، ويمكن القول بضرس قاطع: إن تمام جهات هذا الفكر وزواياه مثل الكلام والفلسفة والفقه، وحتى الصرف والنحو واللغة، وكل العلوم التي تلعب دوراً نشطاً في استنباط الأحكام الشرعية، قد انبثقت من كلماتهم (عليهم السلام)، وبطريق أولى من القرآن الكريم، وليس هناك من نطاق أو دائرة في الفكر الإسلامي لم تلعب فيها كلمات أهل البيت (عليهم السلام) ـ إلى جانب كلمات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ دوراً رئيساً، بوصفها النص المكمل والمتمم، أو الشرح والتفسير والإجلاء للنص الإلهي الوارد في القرآن الكريم.
أما اليوم، حيث عصر غيبة الإمام الثاني عشر (عج)، وبناء على الحكمة المشار إليها، فقد أوكل أئمة الشيعة (عليهم السلام) المؤمنين إلى علماء الدين والفقهاء الواعين البانين لأنفسهم بتهذيبها، والبالغين درجة المقامات العالية من العلم والعمل والتقوى، وذلك لكي ينطلقوا لهداية الخلق، فجعلوهم كالسراج المضيء أمام طريق الناس، ليحرّروهم من ظلمات الجهل بالأحكام الشرعية، وعتمة الوهم والضلالة، وليجيبوا عن أيّ فرع من الفروع بما في يدهم من القواعد العامة والأصول الكلية المستمدّة من الكتاب والسنّة ودليل العقل، ذلك أن المجتهد والفقيه إنما يطلق على من يرجع كلّ فرع إلى أصله ويعرف أيّ أصل يرجع إليه هذا الفرع أو ذاك: «قد نصب نفسه في أرفع الأمور من إصدار كلّ وارد عليه، وتصيير كلّ فرع إلى أصله»([11]).
إن الجواب عن إقبال الناس لفهم الإسلام من تمام زواياه، وأخذ معارف الدين والتكاليف الشرعية.. يقع على عاتق الحوزات العلمية، وعقدها الأمل عليها يتطلّب ـ بلا شك ـ صرف قدر رئيس من مساعي فقهاء العصر الحاضر وجهودهم.
إن الجواب عن الكثير من الشبهات، والتساؤلات التي تحيط بالفقه ومسائله، بعد انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس الدولة القائمة على نظرية ولاية الفقيه، مع ما يصحب ذلك من حضور الفقه في الساحة ومعترك حياة الناس.. ذلك كلّه بات جزءاً من رسالة الفقهاء العارفين بزمانهم وعصرهم الذي يحيون فيه، معرفةً كافية جيدة، أولئك الذين يقدمون على التصدّي لتقديم أجوبة على الأحداث المتتاليات انطلاقاً من حسّ المسؤولية الذي يملكون.
لقد حظي علم الفقه ـ قياساً بعلمين آخرين هامّين هما: الكلام، والأخلاق ـ بمكانة رفيعة عالية في الحوزات العلمية، لا سيما في القرنين الأخيرين، إلى حدّ بات يمكن القول: إن الحوزات العلمية حوزاتٌ للفقه ومبانيه، أي لتلك العلوم التي تمثل مفاتيح ومداخل في عملية استنباط الأحكام الشرعية، مثل الصرف، والنحو، والمعاني، والبيان، بغية التوصّل لمعرفة معاني ألفاظ الكتاب والسنّة، وكذا الاطلاع على تفسير آيات الأحكام، وعلم الرجال بما يسمح بالتعرّف على الحديث الموثوق الصدور، وتمييزه عن غيره، وكذلك الاطلاع على علم المنطق، وأصول الفقه; وذلك لأن استخراج الحكم الشرعي من الحجّة الشرعية مبني على إعمال قواعد عقلية ولفظية، وكلّ ذلك قائم على علم أصول الفقه، كما أن معرفة صحّة الاحتجاج والاستنتاج أمر رهين بعلم المنطق وقواعده.
لم يكن الاجتهاد، وهو استخراج الحكم الشرعي من الحجّة الشرعية، مبنياً في عصر الحضور على مقدّمات علمية، ذلك أن الوصول إلى المعصوم والاستفادة من كلماته كان أمراً سهلاً وميسوراً، نعم كان ذلك اجتهاداً; ذلك أن كلام المعصوم حجة شرعية.
أما في عصر الغيبة، كعصرنا الحاضر، فقد غدا ستخراج الحكم الشرعي من الحجة الشرعية مبنياً على علوم لم يعد بإمكان المجتهد تجاوزها، بل صار مجبراً على تناولها بغية استنباط الحكم الشرعي، وهذه العلوم هي ما يسمّيه الفقهاء في اصطلاحهم بمقدمات الاجتهاد.
الأمر الآخر الجدير بالذكر والتأمل هو أن إعادة قراءة موضوعات الفقه ومسائله بصورة منظمة ومنهجية تستدعي عقلية تتسم بقدر من الوعي والنضوج، عقلية تلغي الأحكام المسبقة وآراء الفقهاء والمجتهدين الكبار وتوقعاتهم على امتداد تاريخ الفقه، ثم تنشغل بالبحث والتنقيب في أدلّة الأحكام اعتماداً ـ وفقط ـ على معطيات العقل اليقيني، ذلك أن الكثير مما يتصوّر حكماً قطعياً عقلياً تفسّر الآيات والروايات على أساسه ليس سوى وهم زائف وخيال لا أساس محكم له.
من هنا، لابدّ ـ بدايةً ـ من تكوين ذهنية واقعية، ليُنطلق حينئذ منها دون تأثر بأحكام الذهن المسبقة أو بآراء الماضين وتصوّراتهم، ومع إزالة العقبات الاجتماعية والنفسية أمام مسيرة إدراك الحقيقة، لينفتح الفكر على المعطيات العلمية والمعرفية للنص القرآني ونصّ السنّة (قول المعصوم وفعله وتقريره)، والمهم أن لا يمتلك العقلَ الخوفُ من صرخات الغضب ورشقات الاتهامات المجحفة مثل الكفر، والضلالة، والفسق، من جانب ضعفاء الفكر والمعرفة والثقافة، وممن تخلو أيديهم من أيّ حجة أو برهان، أولئك الذين يكتفون في مواجهة العلماء والمفكرين بإبداء العداء..
إن رسالة الاجتهاد في عصر الغيبة هي تبيين التكاليف الدينية، وفلسفتها تحديد مسار «الحوادث الواقعة» من وجهة دينية، فالحوادث الواقعة هي تلك المسائل المختلفة التي يعرفها الإنسان المعاصر، والقسم الرئيسي في الاجتهاد هو رصد ذلك الجانب المتحوّل من حياة الإنسان، وهو ما يستدعي حضوراً حياً يجيب عن الأحداث ويهدي الإنسان في أمرها على ضوء الدين، ومثل هذه المواجهة مع هذا النوع من الحوادث يحتاج ـ وبشدّة ـ إلى شجاعة علمية.
( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً )([12]).
تدور هذه الرسالة حول بحث بديع ومنتج يتمحور حول «الربا الاستثماري»، وهذا التعبير اصطلاح جديد الظهور من مؤلّف الرسالة سماحة آية الله العظمى الشيخ يوسف الصانعي دام عزه، يقصد به «الربح» الموجود في النظام البنكي والقروض المشابهة له.
إن المباحث التي تحويها هذه الرسالة تمثل حصيلة الدروس العلمية التي كان ألقاها سماحته ـ قبل تدوينها ـ على طلابه في المدرسة الفيضية، ثم عاد ودوّنها بعد مزيد من الدقة والتأمل.
وحيث لا مصان عن الخطأ والاشتباه عدا الأولياء المعصومين(عليهم السلام)، لا يرى المؤلف نفسه مصوناً كذلك، بل إنه يرحّب متواضعاً بكل نقد منصف وعلمي وأمين ونزيه من جانب أصحاب الرأي، وكلّه اعتقاد بأن نقد الآراء والأفكار هو ما يرفع النقاب عن وجه الحقيقة، لتسفر ناصعةً جلية.

الثابت عند العلماء تحريمهم الربا على الاطلاق سواء المتقدمين أو المتأخرين، وحتى أولئك المتأخرون الذين كتبوا عن البنوك اللاربوية بالعربية قائلون بتحريم مطلق الربا.
المألوف عندنا من الربا هوالذّي يؤخذ لرفع الحاجة اليوميّة وتدبير الامور، فمثلاً يقترض الشخص مائة دينار لإمرار المعاش ومعالجة ولده المريض وما شابه، ويدفع على هذه المائة ثلاثة دنانير في كل شهر، وباعتبار عدم امكانيّة تسديد القرض في وقت مبكر يستمر دفعه مدة طويلة، وقد يمتنع المقترض دفع الفوائد نفسها فضلاً عن أصل القرض فتتراكم عليه الديون يوماً بعد يوم إلى أن تبلغ مستوى لا يطاق، ويبلغ فقر المقترض مستوى محرجاً جدّاً، وفي هذه الأثناء، يزداد الرابي مالاً وثروة وتترتّب اوضاعه المعيشية أكثر يوماً بعد يوم.
هذا هو المألوف من القروض الربويّة وهو الممارس عندنا منذ أزمان بعيدة، وأنا أذكر هذا النوع من الربا منذ خمسين عاماً. وهو قرض استهلاكي ناشئ عن فقر وفاقة.
وهناك قرض من نوع آخر يؤخذ لتحريك عجلة الإقتصاد والإكتساب والإرتزاق، لالرفع الحاجة والمسكنة المعيشيّة. لو كان شخص يملك مائة مليون دولار وكان بحاجة إلى عشرين مليون دولاراً آخر لتوريد معمل في البلد، فيقترض من شخص يملك تلك العشرين مليوناً ويتّفق معه على أن يرجع العشرين مليوناً خلال ستة أشهر ويمنح لصاحبها خمسة ملايين فوقها كربح له ورباً لأموالة، فيقدم المقترض على توريد المعمل ويربح إثر ذلك مبلغاً يعادل ثلاثين مليون دولاراً في فترة قصيرة جدّاً; وذلك لعوامل من قبيل التضخّم مثلاً، فيعيد العشرين مليوناً مع خمس كفائدة، وتبقى له خمسة ملايين ربحاً له، فبارك اللّه به.
هذا النوع من القرض الربوي استثماري ويؤثّر ايجاباً على حركة العجلة الاقتصاديّة.
يبدو في النظرة الاولي للروايات حرمة مطلق القرض الربوي، فإذا ثبت ذلك كنا سمعاً وطاعةً، لكنّا نشك في هذا الإطلاق وشمول الروايات للنوع الاستثماري من القرض الربوي، وقد بلغت مطالعتي لهذه المسألة مؤخراً ثلاثين أو أربعين ساعة، وهي فكرة كانت قد انقدحت في ذهني عام 1342 هـ ش. في ذلك الزمان كان للامام (سلام اللّه عليه) بحث كان يحضره حجة الاسلام والمسلمين الشيخ الحيدري النهاوندي الّذي استشهد في واقعة انفجار مكتب الحزب الجمهوري، وذكر فيه الامام أنّ بالامكان الهروب من الربا بالحيلة الشرعيّة، فاشكل عليه النهاوندي بأنّ الحيلة لا تحل المشكلة ويبقى الفقر المدقع والمصائب تلا حق المقترض، فأجابه الامام (سلام اللّه عليه) بأنّ الحديث غير خاص بالقرض الّذي يتعلق بغزل تلك العجوز وما شابه، بل الأمر يتعلق بملايين بل مليارات من الأموال التي تتبادل على أساس كونها قروضاً. لكن الامام لم يكن متذكراً هذه النقطة عندما ذهب إلى النجف الأشرف وحرّم جميع أنواع الحيل في الربا.
خلال مطالعتي ومراجعتي لروايات الربا وجدت أنّ بالامكان الاستدلال على حليّة الربا الاستثماري.

تحريم الربا ثابت بالكتاب والسنة وبالضرورة، وقد ورد التحريم في ثلاث سور:
قوله تعالى:
(فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّبات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللّه كَثِيراً ـ وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوْا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبطِلِ وَ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيمًا)([13]).
وهذه الآية تكشف عن حرمة الربا حتى في الأديان السابقة.
(يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأكُلُوا الرِّبَوا أضْعَـفاً مُضَـعَفَةً وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([14]).
(الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَوا لا يَقُومُونَ إلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوا وأحَلَ اللَّهُ الْبَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَوا ...يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ ويُرْبِي الصَّدَقَاتِ... يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُو اللّهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَواْ إنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ).([15])
انّ الذي أباحه اللّه هو التجارة عن تراض، حيث قال:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض)([16]).
والمراد من التجارة عن الرضا بقرينة المقابلة مع الباطل هي الحق مطلقاً، تجارة كانت أم غيرها، وإلاّ فلا خصوصية لها بما هي هي كما لايخفى، ألاترى عندما يأمر الحاكم ببيع أموال المحتكر لايكون هناك تراض لكن لكونه حقاً عرفيّاً يصير صحيحاً.
والمراد من الحق ومن الباطل هنا معناهما العرفي لا الشرعي، كما هو واضح، حيث إنّهما كبقيّة الألفاظ في ألسنة الأدلّة من الكتاب والسنّة محمول عليه، وعليه يدور رحى الفقه (وَماَ أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ)([17]) ولذلك فُسِّر الباطل في الروايات بالقمار، ومن موارد الباطل العرفي العقلائي هو الربا الإستهلاكي; لأنّ البشريّة تخالف ممارسة هذه العمليّة لما لها من آثار على الفقراء في زيادة فقرهم. إن أكلة الربا يبدون كالعلقة يمتصُّون دماء الفقراء وأموالهم البسيطة التي يحصلون عليها بالكدّ وعرق الجبين، فهم أسوء بمائة مرة من المقامرين والسارقين، لأنّهم يمارسون عمليّة امتصاص الأموال كل شهر ويوم وبشكل روتيني.
مضمون الآيات التي حرمت الربا هو عدم إمضاء الشارع للمعاملة الباطلة والذي يمضيه اللّه هو المعاملة الحقة. والآيات تشمل بالجملة الربا الاستهلاكي; لأنّه أكل للمال بالباطل قطعاً فهو امتصاص لدماء الشعوب واللّه لا يجيز الظلم أبداً (وَ مَا رَبُّكَ بِظَـلاَّم لِلْعَبِيدِ)([18]).
إذن الربا حرام لكونه ظلماً وباطلاً كما تشير إليه ذيل الآية الكريمة في سورة البقرة: (وَ ذَروُاْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَوا... فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُم لاَ تَظْلِمُونَ وَ لاَ تُظْلَمُونَ)([19]).
هذا، مع أنَّه يمكن استفادة حرمة هذه العملية في الأديان السابقة من خلال الروايات كذلك، وذلك بدليل شدة التحريم الواردة فيه، ومن البعيد أن يكون شي محرّم بهذه الشدّة لايكون كذلك في الامم السابقة.

في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه(عليه السلام): «درهم ربا اعظم من سبعين زنية كلّها بذات محرم في بيت اللّه الحرام»([20]). ولا أتصور حرمة أشد من هذه بحيث توصف بالزنا بالمحارم وبكثرة وفي بيت اللّه الحرام، فانَّ جزاء هذا الذنب في الدنيا القتل.
الروايات الواردة في هذا المجال جاءت في ملحقات (العروة الوثقى) وفي (الوسائل)([21])، لكنّي أقرءها هنا عن الملحقات لكون صاحبها جاء بها مرتبة حسب عدد الزنيات الموجودة في الروايات:
(المحرّم بالكتاب والسنّه واجماع المسلمين بل ضرورة الدين، فمستحلّه داخل في سلك الكافرين وأنّه يقتل كما في خبر ابن بكير، قال: بلغ أبا عبداللّه(عليه السلام) عن رجل أنّه كان يأكل الربا ويسميّه اللبأ([22])، فقال(عليه السلام): «لئن أمكنني اللّه منه لأضربنَّ عنقه»)([23]).
وقد ورد التشديد في حرمته، فعن النبي(صلى الله عليه وآله) في وصيّته لعلّي(عليه السلام)قال: «يا علي الربا سبعون جزء فأيسرها مثل أنْ ينكح الرجّل اُمّه في بيت اللّه الحرام»([24]).
وفي خبر عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: «الربا سبعون باباً أهونها عنداللّه كالّذي ينكح اُمّه»([25]).
وفي آخر عنه(عليه السلام): «درهم واحد ربا أعظم من عشرين زنية كلّها بذات محرم»([26]).
وفي ثالث عنه(عليه السلام): «درهم رباء أشدّ (عنداللّه)([27]) من ثلاثين زنية كلّها بذات محرم مثل عمة وخالة»([28]).
وفي رابع عنه(عليه السلام): «درهم ربا (عند اللّه)([29]) أشدّ من سبعين زنية كلّها بذات محرم»([30]).
وفي خامس عنه(عليه السلام): «درهم ربا أعظم عند اللّه من سبعين زنية كلّها بذات محرم في بيت اللّه الحرام»([31]).
ولعلّ اختلاف الأخبار إنّما هو بالنسبة إلى اختلاف الأمكنة والأوقات والحالات والأشخاص والكيفيات.
وهذا يشبه كلام الشيخ كاشف الغطاء في باب المعاصي الكبيرة والصغيرة.
وعن النبي(صلى الله عليه وآله): «شر المكاسب كسب الربا»([32]).
وعن أبي جعفر(عليه السلام): «أخبث المكاسب كسب الربا»([33]).
وعن النبي(صلى الله عليه وآله): «ومنْ أكل الربا ملأ اللّه بطنه من نار جهنّم بقدر ما أكل، وإن اكتسب (منه) مالاً لم يقبل اللّه منه شيئاً من عمله ولم يزل في لعنة اللّه والملائكة ما كان عنده قيراط»([34]).
وفي خبر (عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)): «إذا أراد اللّه بقوم هلاكاً ظهر فيهم الربا»([35]))([36]).

من البحوث الملحقة بهذه المعصية التّي تُعدُّ من أكبر الكبائر هو اشتراط الكيل والوزن في تحقق الربا المعاملي، والمعروف أنّ ذلك الربا لا يحصل إلاّ في المكيل والموزون، كما يقال في هذا المضمار: إن المشترط هنا أن يكون جنس العوضين واحداً، فاذا باع شخص كيلو من الرز الرديء بثلاثة أرباع الكيلو من الرز ذات الجودة العالية كانت المعاملة ربوّية. كما قيل: إذا بيع كيلو من السمن الحيواني بكيلو ونصف من الحليب كانت المعاملة ربوية.
لكن المعاملة إذا كانت بين نفس الحيوانات، كانت غير محرّمة باعتبارها من المعدودات، كما لو كانت المعاملة عبارة عن مبادلة عشر جمال بخمسة عشرة جمل أو عشرة حصن بخمسة عشرة حصن، باعتبارها معدودات، وكذلك لو عاوضنا مائة متر من الأرض في أسوء أماكن المدينة بمأتين متر من الأرض في أفضل مناطق المدينة كان ذلك غير ربا كما يقال، لكون العقار معدوداً لا من الموزون ولا من المكيل.
هذا الشرط خاص بربا المعاملات، أمّا ربا القروض فلا يشترط فيه ذلك.
رحم اللّه المتقدمين أمثال الوالد حيث كان يقول: إنّ الصلوات على محمد وآله قد تحرم كما لو عاوضت كيلو من الحنطة مع كيلو باضافة صلوات: فالصلوات تكون زيادة حكميّة تدخل في باب الربا. وقد قال بذلك صاحب (العروة) كذلك، والحقّ تمامية البناء والفرع، لأنّ الزيادة امّا عينيّة وامّا وصفيّة أوحكميّة، والصلوات هنا زيادة حكميّة.
وهناك شبهة في هذا المجال وعلى ذلك المبنى المعروف، اي حرمة الربا المعاملي مع عدم الزيادة في الماليّة وان كانت هناك زيادة في غيرها من الكميّة والوصفيّة والحكميّة، وهي أن السوق لايراد دون ممارسة هذا العمليّة، فلوكان عندنا رز من النوعية الرديئة وأردنا إبداله برز من النوعية الجيّدة كان المفروض تبديله، وهذا يعني ممارسة الربا. وقد قال الفقهاء هنا: إنّ طريق الخلاص هو بيع الرز وشراء غيره، وهذا كما ترى، لاستلزام الحيلة كذلك لغويّة التحريم لا سيّما مع ما في الربا من الشدّة في الحرمة والعقوبة.
ثم انّ اطلاق حرمة الربا القرضي وشمولها للاستنتاجي كالاستهلاكي مخالف للاعتبار وذلك لاعتقادنا بشمولية الاسلام وجامعيّته وقابليّته على إدارة البشريّة جمعاء. ومن المعلوم عدم امكان إدارة الاقتصاد العالمي وقضاياه المصرفيّة دون ترويج القرض الربوي الاستثماري، ولايمكن حل القضيّة بالمضاربة فانّها خاصّة بالتجارة فتبقى المشكلة عالقة بالنسبة لمن يرغب في تأسيس معمل أو مطبعة أو العمل في الزراعة وما شابه مما ليس بتجارة، واشكل من ذلك القول بكون المضاربة مختصة بالنقدين اي الدرهم والدينار([37]) لا ببقيّة الاثمان والفلوس الرائجة فضلاً عن القروض.
وقد حلّ البعض هذه المشكلة بالجعالة لتكون العمليّة شاملة لجميع الأعمال الاقتصاديّة من الصناعة والزراعة والتجارة وغيرها. وهذا وأشباهه هو أساس عمل المصارف في الجمهوريّة الاسلاميّة. لكنّه بمثابة أكل اللّقمة من القفا ولايمكن إدارة العالم كلّه بهذه الطريقة المفعمة بالمشاكل والقضايا الهامشية.
كما انّ الأخذ بالحيل الشرعية بمثابة جعل القوانين لغواً وإلغاء للعمليّة التقنينيّة، لأنه لا فائدة من المنع والحظر على بعض الامور وجعل مخارج معيّنة لممارسة ما حُظر ومنع، فهذا أمر لايقبله العاقل. وقد بينّه الامام (سلام اللّه عليه) في (كتاب البيع) بأحسن تبيين فراجعه([38]).
هذا، مع أنّه بالنظر إلى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ)([39]) وإلى الاعتقاد بشموليّة تعاليم الإسلام لا يمكن الأخذ بهذه الحيل كآليات الإدارة المجتمعات والشعوب في العالم بأسره.
كما لايمكن قياس ما نحن فيه مع قضيّة الزنا والنكاح المؤقت، فانّ الفرق بين النكاح المُؤقت والزنا هو ذلك الاعتبار الّذي يحصل باجراء الصيغة، فان مسألة النكاح ليست في متناول الأيدي دائماً عكس ما عليه الناس بالنسبة إلى القروض والحيل الشرعيّة ذات الصلة، كما أنّ الفرق بين الزنا والنكاح المؤقت ليس الصيغة فقط بل هناك آثار من قبيل الزوجيّة والاولاد والعدّة. إذن لا يمكن القياس هنا.

بناء على الحيل يُعمل على مبادلة شخاطة بشيء آخر وضمّ الشيء المحرّم إلى هذه الشخاطة وكأنّ هذا التحريم المشدَّد يذهب حرمته ويحلُّ محله الحلّية بمجرد تلاعب ولفّ ودور. ثم انّ الربا وإن قسّم في كلماتهم بقسمين معاملي وقرضي لكن المقصود بالبحث هنا القرضي، وامّا المعاملي وان كان مشتركا في الحرمة مع القرض الربوي الاستثماري في ماذكرنا من المحاذير الاعتباريّة التي ترجع بعضها إلى المخالفة مع العقل بل اصل حرمته ممّا لا محلّ لها عند العقل أيضاً لكن بحثناه على التفصيل في تعاليقنا على ملحقات العروة بمالا مزيد عليه وبيّنا عدم حرمته من رأس فراجع.
والبحث فيه يكون في شمول اطلاق ادّلة حرمة الربا، للربا الاستثماري بعد التسليم في شمولها للاستهلاكي منه.

الذي نسعي لمعرفته هنا هو تحديد النوع المحرّم من الربا القرضي ليتسنَّى لنا تطبيق المصاديق على المحرّم والحكم بحلية مصاديقه الاُخرى.
لايخفى أنّ الربا في اللغة بمعني الزيادة.
وفي (الجواهر) بعد نقله الاخبار يقول : «ومنه كغيره يعلم أن ليس المراد من الربا المحرّم مطلق الزيادة، كما هو معناه لغةً وقد أشرنا إلى هذا المضمون. بل المراد به كما في (المسالك) وغيرها: بيع أحد المتماثلين المقدَّرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرع(عليه السلام) أو في العادة مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكماً، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة، وان لم يكونا مقدّرين بها إذا لم يكن باذل الزيادة حربيّاً، ولم يكن المتعاقدان والداً مع ولده ولا زوجاً مع زوجته».
وهذا بيان ما هو محَرّم عندهم أي بيان ما هو محَرّم عند الفقهاء لابيان مراد الآية.
ثم يضيف:
«وإن كان تعريفه بذلك لايخلو من نظر، من وجوه، إلاّ أنه يسهل الخطب عدم إرادة تعريف حقيقي، بل قد يقال: إن المراد به شرعاً المعنى اللّغوي، لكن في خصوص النسيئة والبيع أو مطلق المعاوضة»([40]).
ما ذكروه(قدس سرهم) جيّد لكنّ الكلام في موارد المراد به شرعاً المعنى اللّغوي، وهو العمدة في بحثنا في المقام من حيث شموله للقرض الربوّي الاستثماري وعدم شموله له.
ثم انّ المستفاد من المدوّنات التاريخيّة وكذا التفاسير أنّ الربا كان يمارس عهد نزول الآيات، وقد كان الربا يؤخذ بسبب التأخير في دفع الدين او أقساطه فعند حلول موعد القرض أو الدين يأتي الدائن أو المقرض يتقاضي من المدين مبلغاً لأجل التأخير في الدفع أو إرجاع الدين، وبعد دفع المبلغ يسمح الدائن للمدين تأخير الدفع إلى أجل آخر، ولهذا الشأن نزلت الآية الكريمة: (وَ إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةً إِلَى مَيْسَرَة)([41]) طالبة من أصحاب الأموال أن يتوانوا ويصبروا على ذوي العسرة إلى أن يتسنّي لهم الدفع دون حصول حرج وضيق. والعقلاء يتفقون مع القرآن في التواني ومنح فرصة للدائن إذا لم يكن هناك إفراط أو تفريط، كأن يكون المقترض تاجراً في السوق ويكون معتدلاً ومتوازناً في تصرّفاته ومعاملاته وتجارته عموماً.
فعلى هذا أخذ الربا على التأخير في دفع الدين الحال، كأخذه مع الشرط من اوّل الامر المنطبق مع الاستهلاكي، هو المقدار المسلّم من الربا المحرَّم الوارد في الآيات والقدر المتيقن منها إن لم نقل بانحصار مدلول الآيات فيه، حيث إنه ليس في الآيات الا الدلالة على تحريم الربا من دون تفسير وتبيين فيها لذلك الربا المحرَّم.
ومن المعلوم قطعاً عدم كون المراد من الربا فيها مطلق الزيادة (المرادف مع لفظة على الاطلاق) فإنّ الربا في اللّغة (الزيّادة) لا (الزيادة الخاصّة) كما هو أظهر من الشمس وأزيد من الأمس وعليك بمراجعة اللّغة([42]) وموارد استعماله في الأخبار «من اربى الربا الاستطالة([43]) في عرض المسلم»([44]) فانّه غير محرّم قطعاً وضرورةً.
فانّ الزيادة في الأكل والزيادة في الكلام والزيادة في العلم وبيع سلعة مع زيادة على سعرها، والزيادة في البذل والعطاء، مباحة بالبداهة، بل الكتاب والسنّة والضرورة الشرعيّة والعقلائية، متفقة على عدم حرمة بعض الزيادات بل مطلوبيّة السعي في تحصيله.
امّا الكتاب: (وَمَا ءاتَيْتُمْ مِنْ رِّباً لِّيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْ بُوَا عِنْدَاللّهِ وَ مَا ءَاتَيْتُمْ مِنْ زَكَوة تُرِيدوُنَ وَجْهَ اللّهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ)([45]).
والمراد من الآية أنّ الشخص إذا كان مقصوده وداعيه في مثل إعطاء الهدية الوصول إلى اكثر منها باعطائه المهدي إليه والوصول بالزيادة والربا في أموال الناس بردّ عوض هديته بما هو أزيد واكثر منها عوضاً لها (كاسه آنجا رود كه قدح برگردد) فليس([46]) له زيادة وربا عنداللّه، وذلك بخلاف انفاق مايراد به وجه اللّه فيراد في عوضه ويضاعف فيه، ويكون المنفقين والمؤدين للزكاة لوجه اللّه هم المضعفون.
فالآية كالنصّ في عدم حرمة مطلق الزيادة بل وعلى مطلوبيّة السعي وكالنصّ في استعمال مادة الربا على نحو الحقيقة وبلا رعاية العلاقة في غير الزياده المحرّمة الربويّة.
وامّا السنة: خبر ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «الربا رباءان: ربا يؤكل، وربا لايؤكل، فأما الذي يؤكل فهديّتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل وهو قول اللّه عزّوجل: (وَمَا ءَاتَيتُمْ مِن رّباً لِيَرْبُوَاْ في أَمْوالِ النَّاسِ فَلاَيَرْبُواْ عِنْدَ اللّهِ)([47])، وأما الذي لايؤكل فهو الذي نهى اللّه عزّوجل عنه وأوعد عليه النار»([48]).
وخبر إبراهيم بن عمر عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قوله: (وَ مَا ءَاتَيْتُمْ مِنْ رّباً لِيَرْبُوَاْ فِي أمْوالِ النَّاسِ فَلاَيَرْبُواْ عِنْدَ اللّهِ)([49]) قال: «هو هديتك إلى الرجل تريد منه الثواب أفضل منها، فذلك ربا يؤكل»([50])
وليس في الخبرين أزيد مما في الآية مع انّه يبدو كون الحديثين حديثاً واحداً، وكيف كان، ففي نقله من قبل المشايخ الثلاثة إشعار باعتباره.
وبالجمله، ليس كل زيادة محرّمة ضرورة وليس المراد من الربا المحرّم في الآيات والروايات مطلق الزيادة قطعاً فلابدّ الاّ من السعي والفحص في طلب المراد والمحرّم من الربا في الادلّة وانّه اعمّ من الزيادة في القرض الاستهلاكي والاستثماري، فكلا القرضين محرّم وربوي او انّه مختصّ بالاوّل ، وهو المحرّم ، وغير شامل للثاني فلاحرمة له.
فأقول مستيعناً باللّه: امّا آيات الربا على كثرتها تكون خالية من التفسير وتوضيح المراد منه ، كما هو الحال في غالب مفاهيم وعناوين آيات القرآن إن لم يكن في كلّها، ودونك الآيات:
في سورة البقرة: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوا لاَ يَقُوموُنَ إلاَ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَيْطَانُ مِنَ المسِّ ذلكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّماَ الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَواْ وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِبوَاْ فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ومَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أصْحَـبُ النّارِ هُم فِيهَا خَلِدُونَ ـ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَواْ وَ يُرْبِي الصَّدَقَـتِ وَ اللّهُ لايُحِبُّ كُلَّ كَفَّار أَثيم ـ إنَّ الذَّينَ ءَامَنُوا وعَمِلُوا الصَّلحَـتِ وأَقَاموُا الصَّلَوةَ وَ ءَاتَوُا الزِّكَوةَ لَهُمْ أَجْرُ هُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ـ يأَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا اتَّقُو اللّهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَواْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنيِنَ فَإنْ لَمْ تَفْعَلوُا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللّه وَرَسُولِهِ وَ إنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أمْوالِكُمْ لاَتَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)([51]).
وفي سورة آل عمران: (يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَاَمنُوا لاَ تَأكُلُوا الرِّبَوا أضْعـفاً مُضـعَفَةً وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([52]).
وفي سورة النساء: (وَأَخْذِهِمْ الرِّبَواْ وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأَكْلِهِمْ آموالَ النّاسِ بِالْبَطِلِ وَ أَعْتَدْنَا لِلْكَـفِريَنَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)([53]).
نعم في قوله تعالى: (وَأَحلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوا) على أظهر الاحتمالات في تفسيره دلالة على انّ المحرّم الاستهلاكي منه وقصوره عن إثبات حرمة الاستثماري منه بل الظاهر دلالته على حليّة الثاني واختصاص الحرمة بالاوّل.
وبيان ذلك موقوف على نقل ما قيل أو يقال في تفسيره، ونقول: انّ العلاّمة الطباطبائي في تفسير الميزان قال: «(وَأَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الِرّبَواْ) جملة مستأنفة بناءاً على أنّ الجملة الفعليّة المصدرة بالماضي لو كانت حالاً لوجب تصديرها بقد . يقال: جائني زيد وقد ضرب عمراً، ولايلائم كونها حالاً مايفيده أوّل الكلام من المعنى، فانّ الحال قيد لزمان عامله وظرف لتحققه، فلوكانت حالاً لأفادت أن تخبطهم لقولهم إنّما البيع مثل الربا إنّما هو في حال أحَلَّ اللّه البيع وحرم الربا عليهم ، مع أن الأمر على خلافه فهم خابطون بعد تشريع هذه الحليّة والحرمة وقبل تشريعهما، فالجمله ليست حالية وانّما هي مستأنفة»([54]).
وقوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَواْ) يعني أنَّ تخبّطهم بلغ درجة حيث مثّلوا البيع بالربا بدل تمثيلهم الربا بالبيع، وكأنّهم يشتبهون في حلية البيع ويقطعون بحلّية الربا، وذلك كلّه لأجل انحرفاتهم الفكريّة وتخبّطهم فيها.
وفي تفسير المنار([55]) ذكر احتمالاً آخر مبنيّاً على أنّ الواو حاليّة وأن الجملة الواقعة بعده تكون جواباً عن إشكال الآكلين للربا على قوانين اللّه بقولهم انّما البيع مثل الربا فانّهم لايرون فرقاً بين المعاملتين، وبعبارة اُخرى: يسألون اللّه والرسول والشرع والاسلام بأنّه ماالفرق بين بيع النسيئة (بزيادة على البيع العاجل) مع الربا حيث تستحلّون ذلك البيع دون الربا مع كونهما مماثلين؟ وفي بيان المراد من الجواب القرآني لهم قولان وتفسيران: أحدهما: كون جواب اللّه قاطعاً وانّ اللّه أحلّ البيع وحرّم الربا من دون بيان في وجه الفرق وجهة التشريع، فكأنّه لم يعتن بايرادهم وسؤالهم وأنّ سؤالهم فضول ودخالة في تشريع اللّه تعالى.
وهذا النوع من الجواب قديصدر من غير واحد منّا أحياناً، لكنّه لايصلح لأن يكون جواباً على إشكالهم وسؤالهم عن الفرق بين البيع والربا وانّه ما الفرق بين ربا النسيئة وبين أخذ الزيادة على تأخير الدين الحال؟ بل يكون مخالفاً لدأب القرآن وديدنه في الاجابة على هذا القبيل من الأسئلة، فانّه لايناسب مع ما سعى إليه القرآن واتّخذه من منهج هداية وتربية وبيان تعليم واحتجاج ومنطق، فانّ اللّه تعالى يريد: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيّنَة وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عن بَيِّنَة)([56]) نعم، قد يصلح هذا جواباً بالنسبة إلى المسلم الذي اتضّح لديه المبني الفكري الاسلامي القائل بأن اللّه:«حَكيمٌ»([57]) ويعمل مافيه المصلحة دون المفسدة، وأنّه (لَيْسَ بِظَلاَّم)([58]) وأنّه عالم بكلّ شيء([59]) ونحن لانعلم إلاَ القليل (وَمَا أُوُتيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاّ قَليلاً)([60]).
وهذا له وجه، لكن ليس هو المألوف دائماً عن القرآن والروايات التي تسعى لتبرير الامور في الاذهان والأفكار بالاستعانة بالارتكازات العقليّة والعقلائيّة.
ودونك الآيات الكريمة المشتملة على ذلك التقريب:
قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)([61]).
فكأن الآية تريد القول بكون شهر رمضان تمريناً للتقوى وأنّ الصوم فيه سبب لحصول التقوى بالتمرين في ترك مثل الأكل والشرب من المفطرات، ففي الآية تقريب للذهن وتمشية للمكلّف بالاتيان بذكر الوجه والمصلحة المقتضية للتكليف وهو التمرين للتقوى.
وقوله تعالى: (وَللّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً)([62])جاء تبرير هذا الحكم في الآية اللاحقة: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ)([63]).
وقوله تعالى (وأَقِمِ الصَّلَوةَ)([64]) جاء تبريرها في نفس القرآن كالتالي: (اِنَّ الصَّلوةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشآءِ وَ الْمُنْكَرِ)([65]) وهكذا في آيات اُخرى جاء تبريرها في الروايات كذلك وبالشكل التالي: «الصلاة معراج المؤمن»([66]) و«الصلاة قربان كلّ تقّي»([67]).
إذا جاء الحكم مع تبريره وتوجيهه كان مقبولاً أكثر، وهذا هو منطق القرآن، فلم يترك المسلمين في جهل باحكام دينهم وفلسفة ممارسات من قبيل الطواف والسعي بين جبلين والهرولة والركوع والسجود، كما يظهر من مراجعة الأخبار لاسيّما الموجود منها في كتاب (علل الشرائع) جواباً عن السؤال بمثل تلك الجهات.
لم يترك الرسول(صلى الله عليه وآله) المسلمين في جهل عن قضية إدخال حجر اسماعيل في الطواف، بل علّله بأنّ هناك قبر امرأة سوداء مع ولدها وأربعة من أهلها أي هاجر(عليها السلام)([68]) وعند قبرها يستجاب الدّعا([69]). وكتاب (علل الشرائع) للشيخ الصدوق ملىٌ بقضايا من هذا القبيل.
وبناء على ما تقدم لا يمكن أن يقال بأنّ هذا التفسير الاول لجواب القرآن صحيح وتامّ.
ثانيهما: كون جوابه تعالى جواباً اقناعيّاً بإرجاعهم إلى عقلهم وفطرتهم السليمة وإلى ما يقبله العقلاء في معيشتهم ومعاملاتهم بل وإلى بنائهم بأنفسهم في معاملة الغير معهم وذلك بأنّه إذا باع شخص شَيئاً بثلاثين درهماً تدفع بعد شهرين، فاذا حلَّ الأجل ولم يستطع الدفع كان أمر القرآن والعقل والعقلاء كالتالي: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)([70])واجباره على الدفع يعدّ ظلماً ، وهو قبيح عقلاً.
فهذا هو البيع المشبّه بالربا والسؤال عنه أنّه ايّ فرق بينه وبين الربا مع حصول الزيادة فيهما؟
امّا اذا أراد ذلك الشخص أخذ الربا بعد حلول الأجل وأخذ عشراً في الدفعة الاولى وعشراً في الثانية والثالثة وهلمَّ جرّاً أدَّي ذلك إلى صيرورة الفقير أشدّ فقراً إلى مستوى قد يبلغ أصل الربا المدفوع أكثر من نفس الدين، ويضطرّ الفقير عندئذ لعمل أعمال يندى الجبين لذكرها وهذا هو الربا المشبّه به، فكم من فرق بينهما؟ بل الفرق بينهما بقدر الفرق بين العدل والاحسان والظّلم والعدوان ويكون أزيد ممّا بين السماء والارض، ففي الجواب على ذلك الوجه إقناع وتقريب واضح وابطال لسؤالهم ولعروتهم لحلية الربا بالتشبيه بأحسن وجه وأتقن ابطال لمقالتهم.
وبذلك الاحتمال الّذي هو أظهر احتمالات الآية يظهر دلالتها على أن المحرّم من الربا القرضي الاستهلاكي منه دون الاستثماري ، حيث إنّ جوابه تعالى على ما بيّناه ناظر إلى إرتكازاتهم العقلائية وقضاءاتهم العقليّة، فانّها الحاكم بقبح الربا لاستلزامه الفقر وكونه ظلماً وعدم كون البيع النسيئه مع الزيادة المتعارفة كذلك لعدم استلزامه القبح والظلم الناشئين من استلزام الزيادة في الفقر والفاقة للمشتري، ومن المعلوم وجود هذا الفرق بين الاستهلاكي والاستثماري واللازم منه حرمة الاوّل وحلية الثاني.
وبالجملة، مقتضى تنقيح المناط المستفاد من الاحالة إلى الارتكاز بقوله : (أَحَلًّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبَواْ) هو الفرق المذكور، فتدبّر جيّداً.
هذا كلّه بالنسبة إلى الآيات وقد عرفت عدم الدلالة فيها على ما هو المحرّم من الربا بعد ما لم يكن الربا بمفهومه اللّغوي، اي مطلق الزّيادة، محرّماً قطعاً وضرورةً لا كلّها لما مرّ من حلّية غير واحد من أنواع الزيادات بالبداهة، فالمحرّم منه بعض مصاديقه من الربا الخاصّ في المكيل والموزون اي الربا التخلّفي فيهما بالخصوص المحتمل كونه هو الواقع في ذلك الزمان ومن الربا القرضي الاستهلاكي او الاعمّ منه ومن الاستثماري ومن الربا بالاضعاف المضاعفة المفسّر به الآية الكريمة التالية : (يَاأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَوا أضْعَفاً مُضعَفَةَ)([71]) اي جعل الزّيادة في الدين المؤجل بعد ما صار حالاًّ ولم يكن المديون قادرا على الاداء اوّلاً وثانياً وثالثاً إلى أن يصير المديون صفر اليدين وإلى أن يعمل دائماً للدائن بل وإلى أن يجعل عرضه (نعوذ باللّه ) وسيلة لاداء الدين ، وهو الواقع في التاريخ والمنشأ لما في صحيحة، جميل بن درّاج من قوله(عليه السلام) قال: «درهم ربا أعظم عنداللّه من سبعين زنية كلّها بذات محرم في بيت اللّه الحرام»([72]) فانّها ليست بلا سبب ولا بلامورد في زمان صدورها لما في بيان عظمة الحرمة من كون الدرهم من الربا أشدّ وأعظم بسبعين زنية كلّها بذات المحرم في بيت اللّه.
الآيات كلّها مجملة بالنسبة إلى المحرّم وإن كانت نصاً في الحرمة في الجملة لكنّها غير مفيدة وغير حجة على المورد الاّ بالبيان والحجة ومع عدم البيان لابدّ الاّ من الاقتصار على المتيّقن من الربا الاضعاف المضاعف والقرض الاستهلاكي وما شابهما ممَّا يكون منكراً وموجباً لزيادة الفقر على المديون دون غيره ممَّا يكون معروفاً ومفيداً في غنى المديون وفي وصول النفع إليه.
وامّا بحسب الأخبار فهي كالآيات من حيث الاجمال ومن حيث الدلالة على الحرمة في الجملة، وذلك لانّ الأخبار الدالّة على حرمة الربا بعنوانه ممّا فيه بيان المصداق للربا المحرّم على طائفتين:
احدهما: ما تدلّ على أنّ الربا لايكون إلاّ في المكيل والموزون: وهي صحيحة زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «لا يكون الربا إلاّ فيما يكال أو يوزن»([73]).
وموثقة عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام، يقول: «لا يكون الربا إلاّ فيما يكال أو يوزن»([74]). وهي منقولة في الكتب الاربعة([75]) للمشايخ الثلاثة بل وفي (التهذيب)([76]) نقلها بأسانيد متعددة، فالرواية مشهورة.
وموثقة منصور بن حازم، قال: سألته عن الشاة بالشاتين، والبيضة بالبيضتين، قال:«لابأس ما لم يكن كيلاً أو وزناً»([77]).
وهذه الاخبار مع قطع النظر عن كونها مختصّة بالربا المعاملي وغير شاملة للربا القرضي موضع بحثنا انّها غير متعرضة لبيان ذلك الربا على التفصيل أيضاً للأمور التالية:
اوّلاً: من أنّه مربوط بالنسيئة او النقد او الاعمّ منهما وبالجملة تلك الاحاديث في مقام بيان الحصر لا المحصور فلا اطلاق فيها، وتكون مجملة وأنّها موجبة للتخصيص المستهجن في المستثنى.
ثانياً: حيث انّ غيرهما من المعدود والمشاهد في المعاملات يكون اكثر منهما بمراتب، فتخصيص حرمة الربا المعاملي بالمكيل والموزون وان الربا في المشاهد والمعدود غير محرّم تخصيص بالاكثر المستهجن.
لايقال: لسان الأخبار لسان الحكومة فأين التخصيص وأين الاستهجان؟
لانّه يقال: مع أنّ الحكومة تخصيص لبًّا، الاستهجان فيها أشدّ وأكثر، لانّ نفي الربا عن غيرهما ادّعاءً مع كثرته في غيرهما كما ترى، وأنّ تلك الأخبار مخالفة لآيات التحريم وسنّته فليست بحجّة.
ثالثاً: حيث انّ لسانهما بما فيه من عظمة الحرمة وشدتّها وانّه آذان بحرب مع اللّه تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله) ويكون درهم منه أعظم وأشدّ من سبعين زنية كلّها بذات المحرم، آبية عن التخصيص ، فليست الأخبار مخصصة بل تكون معارضة ومخالفة معهما.
رابعها: وأنّ ادّعاء كون المعاملة في المكيل والموزون من دون الزيادة الماليّة بل ومع التساوي فيها رباء مع وجود الزيادة في الكميّة مثلاً ومع كون الثمن والمثمن واحد بحسب الاصل كما هو المعروف والمستفاد من الأخبار على ما ذكروه رباءً ومحرّماً غير صحيحة فانّ في الادّعاء لابدّ من نحو شباهة في الآثار ومن المعلوم عدم كون المعاملة كذلك منكراً وظلماً ومانعاً من التجارة وموجبة لفقر مؤدّي الربا والزيادة لعدم الزيادة الحقيقيّة من راس.
ولا يخفى أنّ مع هذه المحاذير في تلك الاخبار لابدّ فيها من التوجيه والحمل على الربا على نحو التخلّف الواقع في ذلك الزمان، فهي قضايا خارجيّة تدلّ على حرمة أخذ الزيادة منهما حين حلول أجل القرض أو المعاملة والربا كذلك وإن لم تكن حرمته مختصّه بالمكيل والموزون الاّ انّها لما تكون ناظرة إلى الواقع والخارج فاختصّت الحرمة فيها بهما، فتدبّر أو ردّ علمها إلى أهلها.
ثانيهما: ما تكون مربوطة بالقرض الربوي، كخبر حفص بن غياث، عن أبي عبداللّه(عليه السلام)قال: «الربا رباءآن: أحدهما ربا حلال، والآخر حرام، فأمّا الحلال فهو أن يقرض الرجل قرضاً طمعاً أن يزيده ويعوضه بأكثر ممّا أخذه بلا شرط بينهما، فإن أعطاه أكثر مما أخذه بلا شرط بينهما فهو مباح له وليس له عنداللّه ثواب فيما أقرضه، وهو قوله عزّوجلّ: (فَلا يَرْبُوا عِنْدَاللّهِ)([78]) وأمّا الربا الحرام فهو الرجل يقرض قرضاً ويشترط أن يردّ أكثر ممّا أخذه فهذا هو الحرام»([79]).
وكصحيحة خالد بن الحجّاج قال: سألته عن الرجل كانت لي عليه مأة درهم عددا قضانيها مأة وزنا، قال: «لابأس ما لم يشترط»، قال: وقال: «جاء الربا من قبل الشروط، انّما يفسده الشروط»([80]).
كغيرهما من الروايات الدالّة على أنّ الربا الحرام في القرض من قبل الشرط وهي كثيرة منقولة في (الوسائل) في الباب 12 من أبواب الصرف([81]).
وهذه الاخبار، كما ترى ، تدلّ على حرمة القرض الربوي مع الشرط على الاجمال بل صحّة الاستدلال ايضاً على حرمة القرض كذلك بقوله تعالى : (وَاِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أمْوالِكُمْ)([82]) غير بعيد حيث انّ رءوس الاموال لآكل الربا انّما يكون في الربا القرضي والاّ ففي المعاملي منه رؤوس ماله هو المُثمن لا الثمن، كما لا يخفى.
وقد احتمل الامام الخميني(سلام اللّه عليه) ذلك في كتاب البيع([83]).
وكيف كان تمامية الاخبار على الحرمة مما لا أشكال فيه وانّما الاشكال والكلام في أنّها هل تشمل جميع القروض حتى الانتاجية منها أم تكون مختصة بالاستهلاكيّه فقط؟ هذا كلّه في الآيات والاخبار، وقد عرفت قصورها من بيان المحرّم من القرض الربوي من أنّه الأعم من الاستهلاكي والاستثماري أو الاستهلاكي فقط، لعدم دلالة الآيات على كثرتها على أزيد من أصل حرمة الربا وشدّتها من دون التعرّض للمصداق المحرّم من الزيادة والربا على ما مرّ بيانه ، لعدم ارتباط أخبار الربا المعاملي مع ما فيها من المحاذير بمحل البحث اوّلاً وعدم كونها مبيّنه للمحرّم منه فضلاً عن المبحوث عنه وهو القرض الربوي ثانياً مثل أخبار القرض حيث إنّه ليس فيها بيان المراد والمصداق من الربا والزيادة المحرّمة من انّه الاعمّ من الاستهلاكي او الاختصاص به كما ذكرناه مراراً.
وامّا كلمات الفقهاء فليس فيها أزيد من تعاريف لبيان ما هو المحرّم عندهم بعد الاعتراف صريحاً او ظهوراً لفظيّاً أو عملياً في البحث والكتابة على عدم التفسير في مفهوم الربا وأنه الزيادة في اللغة وأنّ المحرّم وما هو المعرّف (بالفتح) من باب المصداق وتطبيق المفهوم به فكلماتهم ليست بأزيد من اجتهاد ودراية في الكتاب والسنّة فليست حجة على المراد والمقصود من الآيات والأخبار فتدبّر جيّداً.
ودونك عبارة (الجواهر) التي هي الجواهر في العبائر والمسائل:
«ومنه كغيره يعلم أن ليس المراد من الربا المحرّم مطلق الزيادة، كما هو معناه لغة، المراد به كما في (المسالك) وغيرها: (بيع أحد المتماثلين ـ المقدّرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرع(عليه السلام)أو في العادة ـ مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكماً، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة، وإن لم يكونا مقدرين بها، إذا لم يكن باذل الزيادة حربياً، ولم يكن المتعاقدان والداً مع ولده، ولا زوجاً مع زوجته)([84])وإن كان تعريفه بذلك لايخلو من نظر، من وجوه إلا أنه يسهل الخطب عدم إرادة تعريف الحقيقي، بل قد يقال: إن المراد به شرعاً المعنى اللّغوي، لكن في خصوص النسيئة والبيع أو مطلق المعاوضة، بناء على تعميمه بالشرائط الّتي تسمعها إن شاء اللّه، وبيع الربا هو البيع المشتمل على الزيادة كما أومى إليه الرضا(عليه السلام)([85]) بما سمعت.
وعن حواشي الشهيد([86]) وآيات المقداد([87]) و(جامع المقاصد)([88])أنّه شرعا زيادة أحد العوضين إلى آخر ما سمعته من (المسالك)، وعن (فقه القرآن ) للراوندي: (أصل الربا الزيادة والربا هو الزيادة على رأس المال من جنسه أو مماثله)([89]) إلى غير ذلك، ممَّا يرجع إلى ما ذكرنا من النصوص وغيرها، فضلاً عن التبادر»([90]).
إذا عرفت ذلك كلّه فأقول مستعيناً بالله تعالى : إنّ الحق عدم حرمة الربا الاستثماري الّذي ليس بمنكر بل يكون معروفاً دون الاستهلاكي المنكر غير المعروف ، فانّه محرّم بحرمة شديدة وليست الحيل محللّة له ، وذلك لانّ حرمة الثاني هو المتيقن المقطوع من أدلّة حرمته وهو الرائج في زمان صدور الآيات والروايات كما ما نراه في الرساتيق بل في البلاد في السنوات الماضية بل إلى هذه السنة وهي (غير رائج ويكون نادراً سنة ثلاثين بل واربعين بعد الثلاثماة والف سنة شمسيّة من الهجرة النبويّة على هاجرها وآله الصلاة والسلام)، وان كان غير رائج ويكون نادراً . ولقد أجاد وافاد سيدنا الاستاذ (سلام اللّه عليه) وجاء بما لا مزيد عليه في بطلان الحيل في الربا القرضي في كتاب بيعه فراجعه([91]).
وأمّا حليّة الاول فلوجوه من الاصل ومن الاطلاق والعموم في ادلّة العقود والشروط والتجارة عن تراض بل من الاطلاق في ادلّة القرض أيضاً، نعم الاستدلال بهما موقوف على قصور ادلّة التحريم عن شمولها له وسنبيّنه إن شاء اللّه تعالى .
ومن المعلوم انّ الاصل ، مع عدم الدليل على الحرمة، الحلّ، كما أنّ مقتضى العمومات في العقود أيضاً الصحّة والحلّ مع عدم المخصّص وقصور ادلّة التحريم عن إثبات الحرمة وتخصيص العمومات ، كما هو واضح، غير محتاج إلى البيان، بل ومن بناء العقلاء على الصحّة ولا احتياج في أمثال تلك الابنية في المعاملات إلى الامضاء وكشف رضا الشارع حتى يقال يكون الربا كذلك لم يكن رائجاً بل لم يكن موجوداً في ازمنة المعصومين(عليهم السلام)فانّه امر حادث من بعد تحقق البنوك ومعاملاتها في العالم، لأنّ المعاملات لما كانت امضائية لا تأسيسيّة فكلّما لم تكن من تلك الابنية مردوعة تكون حجة ودليلاً على الصحّة ، كما لا يخفى وجهه على النافذ البصير والعارف بكيفيّة التشريع وجعل القوانين وطرق اثباتها.
هذا كلّه مع ما في تعليل حرمة الربا في الاخبار ، من أنَّه منكر غير معروف وبأنّه سبب لمنع التجارة والنشاطات الاقتصاديّة، من الدّلالة على عدم حرمة الربا إن لم يكن كذلك بل كان معروفاً وسبباً لزيادة التجارة والانتاج والنشاطات الاقتصاديّة ، فانّ العلّة تخصص كما أنها تعمّم ، فأنّ العلّة ظاهرة عرفاً في التعميم والتخصيص كما أنّها كذلك عقلاً أيضاً بلا اشكال ولا كلام.
اذا عرفت ذلك كلّه فلنرجع إلى ما هو المهمّ في البحث وعماد ادلّة الحلّ من بيان الشواهد والقرائن في ادلّة الحرمة على اختصاصها في حرمة القرض الربوي بالاستهلاكي منه دون الاستثماري ، وهي امور:
أحدها: انّ جل آيات الربا ان لم تكن كلّها جاءت مقترنة بآيات الانفاق وإلى جنبها، وهذا قرينة على أنّ الربا المحرّم هو ذلك الذي يحلّ محلّ الانفاق، أو في المحلّ الذي ينبغي أن يحصل فيه الانفاق، فإذا كان المقام مقام انفاق مثل الفقير المسكين كان أخذ الربا منه حراماً لأجل أنّ المفروض كون اللازم على الدائن الموسر الانفاق على المديون وسد خلّته ولو بالقرض من دون الربا والزيادة فضلاً عن الصدقة لئلاّ يحتاج إلى القرض الربوي منه ومن أمثاله.
فأخذه الزيادة منه بالقرض الربوي الراجع في الحقيقة إلى إيجاد الضيق على المديون وعائلته واستثماره وأخذ ما ملكه بالكدّ وعرق الجبين هو الّذي لابدّ وأن يعدّ بمثابة المضادة والمحاربة مع اللّه تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله)وأن يعدّ ظلماً فاحشاً على المديون وان يصير في العصيان أعظم من سبعين زنية بالمحارم في بيت اللّه الحرام، وهذا هو الربا المحرّم ، وأمّا الربا الاستثماري فلا ارتباط ولا مناسبة بينه وبين الانفاق والصدقة على المديون من رأس ، كما هو الظاهر على المفروض، فالمقارنة بين الصدقة والانفاق ومسألة الربا قرينة على أنّ المراد من الربا في الآيات الاستهلاكي المناسب مع مسألة الصدقة وتكون مختصّة به دون غيره من الاستثماري لعدم المناسبة بينه وبين الصدقه والانفاق على المديون.
وبالجملة ، في المقارنة شهادة وقرينة بل قرينة واضحة على الاختصاص فتدبّر جيّداً، حتى يحصل لك زيادة اطمئنان بقصورها عن إثبات الحرمة للاستثماري.
ثانيها: المستفاد من قوله تعالى: (وَاِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ)([92]) انّ الربا ظلم عرفي عقلائي حيث انّ المتفاهم عرفاً دلالة الآية على أنّ لهم مع التوبة رأس المال فقط لا الزائد عليه حتّى (لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ)، انّ أخذهم الزائد ظلم على المديونين كما أنّ أخذهم اصل رأس المال غير موجب لوقوع الظلم عليهم ، كيف ووصل إليهم مالهم من المال والحقّ، وأنّ تحريمه ليس إلاّ لقبح الظلم وحرمته؟ فحرمة الربا دائرة مدار الظلم ومنحصرة في مصاديقه انحصار الحكم بالموضوع أوالمعلول بالعلّة وبما يلزم عدمه في التوبة، فلابدّ في الحكم بحرمة الزيادة والربا من الفحص عن ذلك وعرفان موارده فكلّما كان الربا فيه مستلزماً لذلك فهو الانحصار المحرّم دون غيره لما بيّناة من وجه، وكون الربا الاستهلاكي ظلماً مما لا يشكّ فيه احد، امّا الاستثماري منه فليس بظلم قطعاً، كما لا يخفى على من عرفه بل هو إحسان عرفاً لكونه يؤثر إيجابياً في ادارة عجلة الاقتصاد وينمّيه ويرفع من مستواه سواء كان على الصعيد الشخصي أو على الصعيد الحكومي.
وكيف يصّح أن يكون ظلماً ومحرّماً مع أنّه في اللّب مشترك مع المضاربة والمشاركة؟ ومع أنّ القرض بلازيادة ليس بواجب في الشرع وأنّ من له رأس المال ليس له الداعي إلى قرض المال على الدوام أو على الغلبة من دون أخذ الزيادة ومحض الاستحباب والثواب ليس بداع لذلك ، كما نراه ونشاهده ، فكونه ظلماً ومحرماً موجب لسدّ باب المعاملة لغير القادر على الفعاليّة الاقتصاديّة برأس ماله، وموجب للتفاوت بين معاملة كالمضاربة والمشاركة وذلك القرض الرّبوي مع عدم التفاوت بينهما لدى العقلاء وعدم القبح وفي ترتّب الآثار الاقتصادية، وهما كما ترى.
ثالثها: جاء في سورة النساء: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أكْلِهِمْ أمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)([93]) والظاهر من الآية أنّ الربا وأكل اموال الناس بالباطل شيءٌ واحد لا شيئين، أي أنّه من قبيل ذكر العام بعد الخاصّ.
ولا شكّ بأنّ الربا الاستهلاكي باطل وحرام، أمّا الاستثماري فليس كذلك لأجل ما تقدّم من أنّه يلعب دوراً إيجابيّاً واضحاً في إدارة العجلة الاقتصادية.
رابعها: العلل والحكم التي وردت في أخبار الحرمة تقريباً للأذهان وارجاعاً إلى الإرتكازات العقلائيّة فانّها تتناسب مع الاستهلاكي بل تنحصر فيه .
ودونك الاخبار:
منها: خبر هشام بن الحكم، أنّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن علّة تحريم الربا؟ فقال: «إنّه لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارات ومايحتاجون إليه فحرّم اللّه الربا لتنفّر الناس من الحرام إلى الحلال وإلى التجارات من البيع والشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض»([94]).
الظاهر أنّها صحيحة ومن الواضح أنّ الربا الاستثماري ليس لترك الكسب والتجارة والصناعة والزراعة ولا مستلزماً لها، بل الامر بالعكس أي لإدارة عجلتها ولتنميتها وتطويرها، فلا يكون هذا القبيل من القرض الربوي مشمولاً لأدّلة الحرمة قضاءً للعلّة فانّ الحكم يدور مدارها عموماً وخصوصاً.
ومنها: خبر زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إنّما حرّم اللّه عزّوجلّ الربا لئلاّ يذهب المعروف»([95]).
فالعلّة للتحريم ـ على ما في هذا الخبر ـ إنّما تكون لأجل كون الربا موجباً لذهاب المعروف الاقتصادي ، فانّ المعروف في كل باب بحسبه ، والمعروف هو ما يحسنه العقلاء ويرونه حسناً من دون نهي تحريمي او كراهتي من الشرع.
ومن المعلوم أنّ الربا الاستثماري النافع لصاحب المال والدائن وللمديون والعامل معروف عقلائي بلا شبهة وارتياب فإنّهم لا يذمّون الدائن والمديون كذلك بل يمدحونهما في ايجاد العمل والاشتغال لأبناء المجتمع وإنتاج المواد الغذائيّة وغيرهما بالقرض والاستقراض كذلك، فكيف يكون محرّماً ومشمولاً للعلّة؟ بل وأنّ القرض الربوي الاستثماري منكر، دون ذلك خرط القتاة.
ومنها: خبر محمد بن سنان، انّ علي بن موسى الرّضا(عليه السلام) كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله: «وعلّة تحريم الربا لما نهى اللّه عزّوجل عنه، لما فيه من فساد الأموال، لأن الانسان إذا اشتري الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً فبيع الربا وشراؤه وكس([96]) على كلّ حال على المشتري وعلى البائع، فحرم اللّه عزّوجل على العباد الربا لعلّة فساد الأموال، كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوف عليه من فساده حتّى يؤنس منه رشد، فلهذه العلّة حرّم اللّه عزّوجل الربا، وبيع الدرهم بالدرهمين... الحديث»([97]).
والرواية كالنصّ على أنّ علّة حرمة الربا فساد الأموال به وبيّنه بقوله(عليه السلام): «لأن الانسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً فبيع الربا وشراؤه وكس على كلّ حال على المشتري وعلى البائع».
كون بيعه وكساً على المشتري فواضح ، امّا على البائع فوكسه باعتبار مايريده وعلى حسب ارادته حيث أنّه يريد أخذ الدرهمين وصيرورته مالكاً لهما ولمّا كان الدرهم الزائد باطلاً وحراماً فلم يصل البائع إلى تمام مراده وحصل له الوكس في مقصده بحسب الشرع ومن جهة البطلان وبكونه وكساً على البائع والمشتري معاً فحرّمه اللّه تعالى لعلّة فساد الأموال ، كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوّف من فساده حتى يؤنس منه رشده.
إذا عرفت ذلك فنقول: انّ من الواضح عدم كون الربا الاستثماري وكساً على المديون فضلاً عن الدائن وعدم كونه سفهاً، فيه فساد المال لما للمديون من النفع في استقراضه على ما هو المفروض ، كما انّ للدائن ذلك بلا شبهة ، ولكون الدين والقرض كذلك موجباً لحفظ الأموال وللنفع منها من دون ذهاب المال وفساده ، كما هو أظهر من الشمس وأبين من الأمس وذلك بخلاف الاستهلاكي منه الموجب لدفع المديون الزائد، وهو وكس عليه، كما أنّ الدائن الزائد المدفوع اليه بما انه باطل وظلم فيكون وكساً عليه أيضاً كما، مرّ بيانه، فعلى ذلك يكون الحديث مختصاً بحكم العلّة المذكورة فيها كغيرها ممّا فيه العلّة من أخبار الباب بالربا الاستهلاكي وغير شامل للاستثماري، فانّ العلّة تخصص كما أنّها تعمم.
ولقد أحسن (صاحب الجواهر) في الاشارة إلى دلالة الحديث من جهة العلّة إلى انّ حرمة الربا دائرة مدار العلّه حيث قال(قدس سره): «ومنه كغيره يعلم أن ليس المراد من الربا المحرّم مطلق الزيادة، كما هو معناه لغة، بل المراد ـ به كما في (المسالك) وغيرها ـ بيع أحد المتماثلين المقدرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرع(عليه السلام) أو في العادة مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكماً، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة، وإن لم يكونا مقدرين بها إذا لم يكن باذل الزيادة حربياً، ولم يكن المتعاقدان والدا مع ولده، ولا زوجاً مع زوجته»([98]).

لايقال : ليس لك الإستدلال بالحديث لانّك قائل بعدم حرمة الربا المعاملي المعروف حرمته والحديث مورده، ذلك بما انّ خروج المورد والمعلول عن العلّة المذكورة في الحديث غير جائز ومستهجن، فالعلّة في الحديث غير قابلة للاحتجاج ولابدّ من ردّ علمها إلى أهلها لاستلزام العمل بها خروج المورد ، وهو كما ترى.

لأنّه يقال: خروج المورد وكون الحديث مربوطاً بالربا المعاملي المعروف حرمته منوط بكون المراد من الربا المذكور فيه الربا المعاملي الّذي يكون رباً تعبديًّا على حرمته لا رباً حقيقيًّا والاّ فعلى حمل الحديث وتطبيقه على الربا الحقيقي في المعاملة بأخذ الزيادة بالزيادة الماليّة مثل بيع درهم واحد بدرهمين نسيئة إلى مدة معيّنة ففيه الربا والزيادة المحرّمة فإن بيع الدرهم الواحد بمقابليه ولو نسيئة اي بيع الشئ بمعادلين، ظلم ومنكر وغير معروف عرفاً وعقلاً وشرعاً، فيكون محرّماً بلاشبهة.
والظاهر من الحديث هذا القسم من الربا، لأنّه المعنى الحقيقي دون الآخر الادعائي مما ليس فيه الزيادة الماليّة ويكون ظهور اللّفظ فيه محتاجاً إلى القرينة على الادّعاء والمجازيّة ، ودون اثباته في امثال الحديث خرط القتاة، فتدبّر جيّداً.

لا يقال: ما استظهرت من الأخبار من العلل واستندت إليها في اختصاص حرمة القرض الربوي بالاستهلاكي منه دون الاستثماري غير تام، لما فيها من احتمال كونها حكماً ان لم نقل بالظهور فيها، ومن المعلوم انّ الحكم يدور مدار الحكمة وجوداً لا عدماً، بمعنى أنَّ وجود الحكمة ملازم لوجود الحكم. وامّا عدمها فليس بملازم مع عدم الحكم بل الحكم موجود مع عدمها أيضاً.
فما في الاخبار من التعليل يكون مثل تعليل غسل الجمعة برفع ارياح الاباط([99]) وجعل العدّة لاجل عدم اختلاط المياه فكما انّهما ثابتان مع عدم ذلك الامرين فكذلك حرمة الربا ثابتة في الاستثماري أيضاً وإن لم يكن فيه العلل والحكم المذكورة في الأخبار.

لانّه يقال: ظهور الأخبار بل صراحة بعضها في العلّية غير قابل للإنكار أوّلاً، ففيها التعبير بالحروف الظاهرة في التعليل مثل «انّما»([100])و«لئـلاّ»([101]) وحرف «اللاّم»([102]) و«لانّ»([103]) وامثالها والتعبير بنفس كلمة العلّة الصريحة في العلّيه فراجعها وقد مضى نقل بعضها.
وفي (القوانين) في بحث القياس، قال: «الاولى في حجيّة المنصوص العلّة اعني ما استفيد علّة الحكم من كلام الشارع قبالاً لما يستنبط من العقل سواء كان صريحاً ونصًّا مصطلحاً بمعني مقابل الظّاهر مثل دلالة التنبيه والايماء كما سنبيّنه»([104]).
وقال في موضع آخر بعد ذلك: «وأمَّا الكتاب والسنّة فامّا يستفاد العلّة منهما بصريح اللّفظ الدالّ عليها بالوضع او بسبب التنبيه والايماء المحسوب من الدلالة الالتزاميّة ، ولكلٍّ منهما مراتب مختلفة في الوضوح والخفاء. امّا الاوّل فكقوله(عليه السلام): لعلّة كذا أو لأجل كذا ولانّه كذا أو كي يكون كذا او اذن يكون كذا ونحو ذلك ودونها في الظهور اللام والباء وإن كانت هذه أيضاً ظاهرة .
وامّا الثاني أعني دلالة التنبيه والايماء فقد مرّ الاشارة إليه في مباحث المفاهيم»([105]).
وما نقلناه من عبارتي (القوانين) وإن كان خارجاً عن صناعة البحث والرسالة الفقهيّة لكنّه مع ذلك لا بأس به بل مطلوب ، لما فيه من التأييد لما ذكرناه من مسألة الظهور والصراحة في الأخبار في العلّية ومن الفائدة ومن ذكر لمثل الكتاب ومؤلفه اداءً لأقلّ وظيفة ممّا له علينا من الحقوق والديون العلميّة والمعنويّة والتقوائية، وأنّه على تسليم الحكمة فيها فلا تكشف عن الحجية وحرمة القرض الربوي بقسميه.
ثانياً: لما مرّ من الاجمال في أدلّة الربا لانّه بعد ما لايكون مطلق الربا حراماً بل الربا رباءان ربا حلال وربا حرام، فلابدّ من كون المراد من المحرّم منه بعض اقسامه، والقدر المتيقن منه الاستهلاكي، ومجرد كون الجهات المذكورة في الاخبار حكماً لا عللاً غير مفيد في رفع الابهام ، كما لايخفى فانّها تابعة لذي الحكمة وتدور مدارها لا مفسّرة ومبيّنة، لما فيه من الاجمال كما هو أظهر من الشمس وأبين من الامس ، وانّه على تسليم الحكمة والاطلاق في ذيّها وعدم الاجمال فيه فلنا أن نقول بامكان انصراف تلك المطلقات إلى القدر المتيقن.
ثالثاً: لأنّه المتعارف والرّائج في ازمنة الصدور وما بعدها إلى أزمنة طويلة بل إلى قبل تأسيس البنوك مثل ما قيل بانصراف العقود في الاية الشريفة إلى العقود الرائجة وبانصراف المكيل والموزون في أخبار الربا المعاملّي بالمتعارف منهما في ذلك الزمان وبغيرهما من الموارد التي ادُّعي الانصراف فيها إلى زمان الصدور، وقولهم بالانصراف في تلك الموارد وان كان غير تام لكن القول به سبب لامكان القول به في أخبار المسألة، فتدبّر جيّداً.
رابعاً: وبأنّه على تسليم الحكمة والاطلاق وعدم الانصراف في تلك الاطلاقات فلا تكون حجّة لحرمة الاستثماري لمخالفتها مع الكتاب، وذلك انّ ظاهر الكتاب بل صراحته على حرمة الربا الّذي يكون ظلماً ويكون أخذاً من شخص لابدّ وأن ينفق عليه، كما بيّناه مفصّلاً في البحث عن الكتاب ، ومن الواضح عدم كون الاستثماري كذلك من رأس بل هو عدل ومعروف فقولكم بدلالة الأخبار على حرمته مستلزم لكونها مخالفة للكتاب بتحريمه ما كان عدلاً ولم يكن ظلماً بل ولكونها مخالفة للعقل لتحسينه القرض كذلك، وتعبير الحرمة له من قبل الشارع تعالى، وأنّ تحريمه ظلم على النّاس عند العقل فتحريمه له محال فانّه (لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيد)([106]) وأنّ كلماته تمّت صدقاً وعدلاً([107])(لاتَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)([108]).
هذا تمام الكلام في اختصاص حرمة القرض الربوي بالاستهلاكي منه وعدم حرمة الاستثماري منه الّذي يكون معروفاً وسبباً للاصطناع المعروف ، اي التجارة والانتاج والنشاطات الاقتصاديّة الصحيحة عند العقلاء بل وعند العقل أيضاً.
وبالجملة، حليّته عندي ظاهرة كظهور حلّية البيع والتجارة عن تراض للأصل وللعمومات بعد قصور ادلّة التحريم عن الشمول لمثله بل ولدلالة ما في الكتاب والاخبار من العلل وشبهها على عدم الحرمة فيه ، فاغتنم ما ذكرته وبيّنته فانّه كان جديداً في المسألة ، ولذلك لم يكن مورداً للتعرض في الكتب الفقهيّة القديمة. وامّا الجديدة منها فالظاهر كون عدم البحث كذلك لعدم الالتفات إلى القسمين او إلى التفاوت بينهما او لعدمهما جميعاً.
وفي الخاتمة فحمداللّه تعالى لما منّ علينا من التوفيق فانّه الوسيلة إلى الهداية ولولاه لعلّه صرنا إلى الضلالة نعوذ باللّه تعالى منها، وهو خير رفيق.




[1] نهج البلاغة، الخطبة: 183.
[2] المصدر نفسه، الخطبة: 176.
[3] النحل: 89.
[4] فصلت: 42.
[5] الأعراف: 157.
[6] الحديد: 35.
[7] المائدة: 48.
[8] نهج البلاغة، الخطبة: 226.
[9] العبقات، حديث الثقلين، وهو حديث يعدّ تواتره عند أهل السنة قطعياً.
[10] الغدير 1: 166.
[11] نهج البلاغة، الخطبة: 87.
[12] الأحزاب: 39.
[13] النساء 4: 160 ـ 161.
[14] آل عمران 3 : 130.
[15] البقرة 2: 275، 276 ، 278.
[16] النساء 4: 130.
[17] ابراهيم 14: 4.
[18] فصلت 41: 46.
[19] البقرة 2: 279.
[20] وسائل الشيعة 18: 122 و123، كتاب التجارة ، ابواب الربا، الحديث 12و19.
[21] راجع الجزء الثامن عشر.
[22] وهو اوّل اللبن، وقد كان معروفاً آنذاك أنّ الطفل يموت إذا لم يشرب من هذا اللبن، وهذا غير صادق.
[23] وسائل الشيعة 18: 125، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب2، الحديث1 .
[24] وسائل الشيعة 18: 121، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 12.
[25] وسائل الشيعة 18: 123، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 18.
[26] وسائل الشيعة 18: 119، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 6.
[27] في الفقيه زيادة: عند اللّه، من لايحضره الفقيه 3: 174.
[28] وسائل الشيعة 18: 118، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 5.
[29] في الفقيه زيادة: عند اللّه، من لايحضره الفقيه 3: 174.
[30] وسائل الشيعة 18: 117، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 1.
[31] وسائل الشيعة 18: 123، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 19.
[32] وسائل الشيعة 18: 122، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 13.
[33] وسائل الشيعة 18: 118، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 2.
[34] وسائل الشيعة 18: 122، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 15.
[35] وسائل الشيعة 18: 123، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 17.
[36] ملحقات العروة الوثقى 2: 2.
[37] العروة الوثقى 2: 461، كتاب المضاربة: «الثاني: أن يكون من الذهب أو الفضّة المسكوكين بسكّة المعاملة».
[38] كتاب البيع 2: 409 و416.
[39] سبأ 34: 28.
[40] جواهر الكلام 23: 234.
[41] البقرة 2: 280 .
[42] في مقاييس اللّغة 2: 483، «وهو الزيادة» وفي لسان العرب 5: 127، «زاد ونما» وفي القاموس: «زاد ونما».
[43] أي الطالة اللّسان .
[44] كنز العمّال 3: 600.
[45] الروم 30: 39.
[46] جزاء إذا «إذاكان مقصود».
[47] الروم 30: 39 .
[48] وسائل الشيعة 18: 125، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 3، الحديث1.
[49] الروم 30: 39.
[50] وسائل الشيعة 18: 126، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب 3، الحديث 2.
[51] البقرة 2: 275 ـ 279.
[52] آل عمران 3: 130.
[53] النساء 4:161.
[54] الميزان 2: 415.
[55] تفسير المنار 3: 107 .
[56] الانفال 8: 42.
[57] البقرة 2: 209 و220 و228 و240 و260 ، المائدة 5: 38، الأنعام 6: 83 و128.
[58] آل عمران 3: 182، الانفال 8: 51، الحج 22: 10، فصلّت 41: 46، ق 50: 29.
[59] البقرة 2: 29 و231، 282. والنساء 4: 176. والمائدة 5: 97.
[60] الاسراء 17: 85.
[61] البقرة 2: 183.
[62] آل عمران 3: 97.
[63] الحجّ 22: 28.
[64] العنكبوت 29: 45.
[65] العنكبوت 29: 45.
[66] بحار الأنوار 82: 248، الباب 2، الحديث 1.
[67] وسائل الشيعة 4: 43، ابواب استحباب ابتداء النوافل، ، الباب 12، الحديث 1 و2.
[68] وسائل الشيعة 13: 353، و354، كتاب الحج، أبواب الطواف، الباب 30 ، الحديث 1 و5.
[69]
[70] البقرة 2: 280.
[71] آل عمران 3: 130.
[72] وسائل الشيعة 18: 123، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 19.
[73] وسائل الشيعة 18: 132، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب 6، الحديث 1.
[74] وسائل الشيعة 18: 132، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 6، الحديث 3.
[75] فروع الكافي 5: 146، الحديث 10، ومن لايحضره الفقيه 3: 175، الحديث 786، الاستبصار 3:101، الحديث .35.
[76] ورواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد ، تهذيب الأحكام 7: 17، الحديث 74، وباسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن بكير، (تهذيب الأحكام 7: 94، الحديث 397) وباسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن صفوان، (تهذيب الأحكام 7: 118، الحديث 515).
[77] وسائل الشيعة 18: 134، كتاب الشجارة ، أبواب الربا، الباب 6، الحديث 5.
[78] الروم 30: 39.
[79] وسائل الشيعة 18: 160، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب 18، الحديث 1.
[80] وسائل الشيعة 18: 190، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 12، الحديث 1.
[81] وسائل الشيعة 18: 190، كتاب التجارة ، أبواب الصرف، الباب 12.
[82] البقرة 2: 279.
[83] كتاب البيع 2: 406.
[84] مسالك الأفهام 3: 316.
[85] وسائل الشيعة 18: 121، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 11.
[86] غاية المراد 2: 114.
[87] كنز العرفان في فقه القرآن 2: 36.
[88] جامع المقاصد 4: 265.
[89] فقه القرآن 2: 45.
[90] جواهر الكلام 23: 334.
[91] كتاب البيع 2: 417 ـ 405 .
[92] البقرة 2: 279.
[93] النساء 4: 161.
[94] وسائل الشيعة 18: 120، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 8.
[95] وسائل الشيعة 18: 120، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 10.
[96] أي نقص .
[97] وسائل الشيعة 18: 121، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 11.
[98] جواهر الكلام 23: 334.
[99] الاباط جمع ابط بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة وكسرها أيضاً وهو مذكر وتعد مؤنث.
[100] وسائل الشيعة 18: 120، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 10.
[101] وسائل الشيعة 18: 120، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 10.
[102] وسائل الشيعة 18: 120، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 8.
[103] وسائل الشيعة 18: 121، كتاب التجارة ، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 11.
[104] القوانين المحكمة 2: 80.
[105] القوانين المحكمة 2: 83.
[106] آل عمران 3: 182.
[107] الأنعام 6: 115.
[108] البقرة 2: 279.
الحقوق المادية والمعنوية لهذا الموقع تخص مؤسسة فقه الثقلين الثقافية
العنوان: قم - شارع الشهيد محمد المنتظري - الفرع 8 - رقم البناية 8. الهاتف: 7832802 الفاكس: 7832803