الصَّحيفَةُ السَّجادِيَّة الْكامِلَةُ
الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام
الناشر: منشورات ميثم التمّار
تحقيق: مؤسسة فقه الثقلين الثقافية
الناشر: منشورات ميثم التمّار
تحقيق: مؤسسة فقه الثقلين الثقافية
هذَا الَّذى تَعْرفُ الْبَطْحاءُ وَطْأتَهُ *** وَ الْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَ الْحِلُّ وَ الْحَرَمُ
هذا عَلِىٌّ رسوُلُ اللهِ وَالِدُهُ *** اَمْسَتْ بِنُورِ هُداهُ تَهْتَدى الاُْمَمُ
هذا ابْنُ سَيِّدةِ النِّسْوانِ فاطِمَة *** وَ ابْنُ الْوَصّىِ الذّى فى سَيْفهِ نِقَمُ
مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَبْعَتُهُ *** طابَتْ عَناصِرُهُ وَ الْخيمُ وَ الشِيَمُ
ابوفراس هَمام بن غالب (فَرَزدَق)
( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ )( [1]).
تطفح ثقافة القرآن الغنية والمعطاءة بمناجاة الله تعالى والثناء عليه وتمجيده ومدحه، إضافةً إلى مناجاة أنبيائِهِ وأولياء الله العظام، وحوارهم معه، ففي الكثير من الآيات ثمّة حديث مميز عن الدعاة والمناجاة والتضرّع إلى الله تعالى، ولكي نتعرّف أكثر على المكانة الرفيعة للدعاء في هذا الكتاب الإلهي الخالد والجامع، نشير إلى آيتين أخريتين غير الآية المشار إليها أعلاه: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )( [2])، ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَيُحِبُّ الْمُـعْتَدينَ * وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الاَْرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُـحْسِنِينَ )( [3]).
ولم ينشغل مذهب من المذاهب الإسلامية بالدعاء وتأسيس أساسه وتشييد أصوله ومبانيه، وتعليم شروطه وآدابه، وتدوين أفضل وأجمع كتبه مثل المذهب الشيعي، إلى حدّ أننا لو سمينا التشيع بـ «مذهب الدعاء» والشيعة بـ «الدعاؤون» لما قلنا كلاماً جزافاً أو شططاً.
لقد ألّف علماء الشيعة وصنفوا أكمل الكتب في مجال الدعاء، كما جمعوا تلك الأدعية الواصلة إليهم عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)، فقدموها لمحضر قوّام الأسحار المبتهجين، والموحّدين المتألمين، فرسان ساحة التوحيد والعبادة.. كتباً قيمة مثل: مفتاح الفلاح، وعُدّة الداعي، وفلاح السائل، ومصباح المتهجد، والبلد الأمين و.. تبعث النشاط والحيوية بأسمائها الرائعة المطربة المسعدة المؤثرة في النفوس الطاهرة والأرواح اللطيفة المستغفرة بالأسحار، نعم، كلّها كتب قدّمها علماء الشيعة.
ويعدّ أئمة الشيعة(عليهم السلام) أهم مصادر الدعاء والمناجاة والحديث مع الله وأعظمها، بل هم من علّمنا ـ من الأساس ـ منطق الدعاء، وأشعلوا مصباح المعرفة والتوحيد الأصيل في رواق قلوبنا، فعرّفونا بذلك على منهج الحديث مع الله وآدابه.
وأجمل نص دعائي مناجاتي في مذهب أهل البيت(عليهم السلام)هو «الصحيفة السجادية المباركة»، والتي تحوي أعظم وأصفى الأدعية، كما تتمتع من ناحية متنها ومضمونها باستحكام بالغ يفوق العادة ولا يضاهيه مثيل، بل يحظى سندها بالقطع بالصدور، حيث رويت ـ متواترةً ـ بطرق ثلاثة، رواها الشيعة الإمامية عن الإمام الصادق(عليه السلام)، كما روتها الزيدية والفرقة الإسماعيلية عن إمام الساجدين زين العابدين(عليه السلام).
أما المغفور له آية الله العظمى البروجردى(قدس سره)، وهو من أعلام الشيعة المتأخرين، ومن الفقهاء الذين قلّ نظيرهم، حيث سنّ في الفقه منهجاً جديداً، وضخّ في الرجال والحديث أساليب جديدة وآليات حديثة، وكانت حياته مليئةً بالبركات، لا تجد ذلك إلاّ منحصراً فيه، فكان كالشمس المتلألئة في سماء جملة من العلوم الإسلامية منها علم الرجال والحديث، لا بل ضخّ فيهما مناهج بحثية جديدة، كما شعّ نوره على حياة المسلمين عامة في عصره وبعد رحيله، وكان الفقيه الكبير فقيد الثورة الإسلامية الإيرانية الإمام الخميني(قدس سره)يقول في وصفه: «كان آية الله العظمى البروجردي في عصره، ومع وجود فقهاء كبار في قم والنجف، على رأسهم وفي مقدّمهم، ثبوتاً وإثباتاً»( [4]).
يقول السيد البروجردي حول الصحيفة السجادية، وصحة نسبتها إلى الإمام علي بن الحسين(عليه السلام): «لا يخفى أنّ كون الصحيفة من الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) من البديهيات، وهي زبور آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، يشهد بذلك أسلوبها ونظمها ومضامينها التي يلوح منها آثار الإعجاز، ولها أسناد ذكرها الشيخ والنجاشي، ولشارحها السيد عليخان(قدس سره) أيضاً سند من آبائه، ولنا أيضاً سند آخر إليها»( [5]).
ويقول الإمام الخميني في وصيته السياسية الإلهية ما نصّه: «إننا نفتخر بأن الأدعية النابضة بالحياة، والتي يسمّونها «القرآن الصاعد» هي من أئمتنا المعصومين(عليهم السلام)، إن عندنا المناجاة الشعبانية للأئمة، ودعاء عرفة للحسين بن علي(عليه السلام)، والصحيفة السجادية وهي زبور آل محمد، والصحيفة الفاطمية وهي الكتاب الذي ألهمه الله تعالى للزهراء المرضية»( [6]).
ويقول في موضع آخر: «إن الصحيفة الكاملة السجادية أنموذج كامل للقرآن الصاعد، وهي من أكبر المناجاة العرفانية في خلوة الأنس، تقصر أيدينا عن نيل بركاتها، إن ذاك الكتاب الهي انبعث من عين نور «الله»، وهي تعلّم أهل الخلوات الإلهية طريقة سلوك الأولياء الكبار والأوصياء العظماء، إنها كتاب شريف يبيّن المعارف الإلهية وفق منهج أصحاب المعرفة على طريقة القرآن الكريم، دون تكلّف في الألفاظ، وضمن أسلوب الدعاء والمناجاة، لعطاشى المعارف الإلهية»( [7]).
ويقول المغفور له آية الله الشيخ محمد محسن، المعروف بـ «الشيخ آغا بزرگ الطهراني»، في كتابه النفيس والوزين «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»: «الصحيفة السجادية الأولى المنتهي سندها إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، المعبر عنها: «أخت القرآن» و «إنجيل أهل البيت» و «زبور آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)»، ويقال لها: «الصحيفة الكاملة» أيضاً، وللأصحاب اهتمام بروايتها، ويخصّونها بالذكر في إجازاتهم، وعليها شروح كثيرة مرّت في محلّها، وهي من المتواترات عند الأصحاب; لاختصاصها بالإجازة والرواية في كل طبقة وعصر ينتهي روايتها إلى الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، وزيد الشهيد، ابني علي بن الحسين عن أبيهما علي بن الحسين(عليه السلام)»( [8]).
ويقول في موضع آخر: «وللإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، رابع أئمة الشيعة الإمامية، الذي اتفق مؤرخو الإسلام على أنه من أشهر رجال التقوى والزهد والعبادة، وقد ذكر معظمهم أدعيته التي كان يناجي بها ربّه، وهي التي ضمّتها هذه المجموعة، وتبلغ «أربع وخمسون» دعاءً، وهي على جانب عظيم من الأهمية، ومن يتصفّحها ويتأمّل معانيها يعرف شيئاً عن مكانة الإمام(عليه السلام)، ويعني بها شيعة أهل البيت عنايةً بالغة، فقد سمّاها العلامة ابن شهرآشوب في «معالم العلماء» عند ترجمته للمتوكل بن عمير بزبور آل محمد»( [9]).
وعندها يضيف: «وبالنظر لعظيم مكانة الإمام ومزيد أهمية هذه الأدعية ألّفت الشروح الكثيرة لهذه الصحيفة، كما ألفت صحائف أخرى جمعت بقية أدعيته مما لم يذكر في هذه الصحيفة المسمّاة بالكاملة أو الأولى، وهي الصحيفة الثانية، والثالثة و..»( [10])، ذاكراً أكثر من ستين شرحاً لهذا الأثر الخالد، وأهم تلك الشروح «رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين صلوات الله عليه»، تأليف العلامة الأديب والفاضل الأريب السيد علي خان الحسيني المدني الشيرازي(قدس سره)( [11]).
وقد حازت هذه المجموعة النورانية على شهرة الآفاق، وعطّرت مشام النفوس من روائح حِكَمِها، ومن أيام ذلك الإمام العظيم وحتى اليوم كانت الصحيفة أنيس أصحاب القلوب ومفتاح سرّ أهل الحال، ومرشد أهل المعرفة في سلوكهم، وظلّت لقرون وحقب متتالية تشعّ شمساً من الآفاق الرفيعة للحكمة والمعرفة، شعاعاً يربّي قلوب ويزيد أنفس أهل البصيرة.
أما الإمام السجاد(عليه السلام)، صانع هذه الأثر العظيم ومبدعه، وهو واحد من أبقى ميراث أهل البيت(عليهم السلام)، فقد كان يعيش في ظروف صعبة وشاقة غير مساعدة، فلم يكن لديه من سبيل لتشكيل مجلس درسي أو حلقة للبحث والنقاش، ليرتوي عطاشى زلال المعرفة من نبعه الفياض الزاخر بالعلم والمعرفة، من هنا لم يكن من بدّ أمامه في نشر العلم والوعي، وبيان الحقائق الأصيلة الخالصة من زوايا مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وخلف أعمدته، بعيداً عن أعين الحاسدين وجواسيس دولة ذلك الزمان، وذلك في حال من القنوت والتضرّع، ووسط تسبيحات الصلاة وتعقيباتها، لقد هيأ بذلك الفرصة لطلاب الحقيقة وعشاق البحث والساعين نحو المعرفة، ومن هنا لم تكن الصحيفة السجادية مجرد كتاب للدعاء بهدف قصد الثواب وطلب الحاجات، بل كانت كتاباً علمياً، وسياسياً، واعتقادياً، واجتماعياً، وتربوياً، وبعبارة أُخرى كانت مقولةً جامعة مستوعبة، كانت مدرسةً عامة، ومذهباً كبيراً، تستحق بذلك أن ينظر إليها بدقة وتأمل وعناية.
ورغم أن ظاهر الصحيفة السجادية أنها على شاكلة خطاب لله سبحانه وحوار معه، وضمن سياق أو صورة من إعلان الحاجة وطلب العون الإنساني من الله سبحانه، إلاّ أنها ـ في الوقت عينه ـ تمثل نصاً متقناً للتدريس والتعليم الفلسفي، والعرفاني، والكلامي، والأخلاقي، والتربوي، وبعبارة أكثر شموليةً وعمقاً: إنه نصّ ديني أصيل خالص، إنه مجموعة من الانعكاسات المستمدّة من الوحي الإلهي المحمّدي.
يكتب المغفور له آية الله المرعشي النجفي يقول: أرسلت عام 1353هـ نسخةً من الصحيفة السجادية الشريفة للعلامة المعاصر الجوهري، صاحب تفسير الطنطاوي، مفتي الاسكندرية، ليطالعها، وقد شكرني على هذه الهدية الرفيعة والوديعة الإلهية، ثم كتب لي مدحاً عارماً وثناءً كبيراً، مضمونه: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلني منذ مدة رسالة منكم مع كتاب الصحيفة لإمام الإسلام الزاهد علي زين العابدين بن الإمام الحسين الشهيد(عليه السلام)، ريحانة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد استلمت الكتاب بيد الاحترام والتقدير، وتلقيته كتاباً فريداً، مستوعباً للعلوم والمعارف والحكم، مما لا يعثر على مثله في أي كتاب آخر، ومن الشقاء إلى الآن أننا لم نقف على هذا الأثر القيم الخالد من مواريث النبوّة، فكلّما طالعت في هذا الكتاب وفكرت في مفاهيمه العالية رأيته كتاباً فوقَ كلامِ المخلوق و دونَ كلام الخالق فما هذا الكتاب الحسن الرائع؟! منحكم الله على هذه العطية الكريمة أفضل الجزاء، ووفقكم لنشر العلم والإرشاد...»( [12]).
ويقول الشيخ سبط ابن الجوزي في خصائص الأئمة: «لولا علي لما تمت معارف المسلمين، ولما أدركوا دقائق التوحيد حيث إنه لم يسمح المجال للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لبيان تلك الأمور الدقيقة بأسرها».
وقال أيضاً: «لولا علي زين العابدين(رضي الله عنه) وصحيفته لما علم أهل الإسلام طريق المخاطبة مع الله، والمكالمة معه في مقام عرض الحوائج، فهو الذي علمهم سبيل المحاورة مع الخالق الكريم، وبثّ الشكوى إليه في المهام والشدائد، فلهما رضي الله عنهما حق التعليم على الناس إلى يوم القيامة»( [13]).
ويكفي لأهمية الصحيفة السجادية لدى علماء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ومؤمنيها المناصرين لها أنها تتلو القرآن وتضارع نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)في اهتمامهم بها والعناية بأمرها.
واللافت أن في أوساط عائلتنا كان يروج بين آبائنا ـ وكانوا من العلماء الشيعة ـ تلاوة الصحيفة السجادية والتعمّق في مفاهيمها الراقية، وكانوا يسعون لإرواء أرواحهم العطشى من زلال معارفها، نعم، لقد كانت جزءاً من حياتهم الإيمانية، مثل تاريخ ولادته وأولاده الذي كان يدوّن في بداية هذا الأثر الخالد، وبهذا يحفظون في ذاكرة التاريخ تاريخ البلوغ التكليفي، وبداية تحمل التكاليف الدينية.
اللهم أرشد قلوبنا إلى المعارف الإلهية والقرآنية للصحيفة، ووفقنا للقيام بما جاء به هذا الإمام العظيم من بيان عقلاني للشريعة المحمدية.
والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
قم المقدّسة ـ يوسف الصانعي
شوال المكرم 1426
حَدَّثَنا السَّيِدُ الاَْجَلُّ، نَجْمُ الدّينِ، بَهاءُ الشَّرَفِ، اَبُوالْحَسَنِ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ اَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَحْيىَ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنيُّ رَحِمَهُ اللهُ قالَ: اَخْبَرَنَا الشَّيْخُ السَّعيدُ، اَبُو عَبْدِاللهِ مُحَمَّدُ بْنُ اَحْمَدَ بْنِ شَهْرِيارَ، الْخازِنُ لِخَزانَةِ مَوْلانا اَميرِ الْمُؤْمِنينَ عَلِيِّ بْنِ اَبي طالِب(عليه السلام)، في شَهْرِ رَبيعِ الاَْوَّلِ مِنْ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَ خَمْسَمِاَئة قِراءَةً عَلَيْهِ، وَاَنَا اَسْمَعُ.
قالَ: سَمِعْتُها عَلَى الشَّيْخِ الصَّدُوقِ، اَبي مَنْصُور مُحَمَّدِ بْنِ اَحْمَدَ بْنِ عَبْدِالْعَزيزِ الْعُكْبَرِيِّ الْمُعَدَّلِ رَحِمَهُ اللهُ. عَنْ اَبِي الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبانِيِّ
قالَ: حَدَّثَنا الشَّريفُ، اَبُو عَبْدِاللهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ عَلِيِّ بْنِ اَبي طالِب(عليهم السلام)
قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَطّاب الزَّيّاتُ سَنَةَ خَمْس وَسِتّينَ وَمِاَتَيْنِ، قالَ: حَدَّثَني خالي عَلِيُّ بْنُ النُّعْمانِ الاَْعْلَمُ قالَ: حَدَّثَني عُمَيْرُ بْنُ مُتَوَكِّل الثَّقَفِيُّ الْبَلْخِيُّ، عَنْ اَبيهِ مُتَوَكِّلِ بْنِ هرُونَ.
قالَ: لَقيتُ يَحْيَى بْنَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ(عليه السلام) وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ اِلى خُراسانَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقالَ لي: مِنْ اَيْنَ اَقْبَلْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الحَجِّ. فَسَأَلَني عَنْ اَهْلِهِ وَبَني عَمِّهِ بالمَدِيْنَةِ، وَأحْفى السؤالَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد(عليه السلام)فَاَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِهِ وَخَبَرِهِمْ، وَحُزْنِهِمْ عَلى اَبِيهِ زَيْدِ بْنِ علي(عليه السلام).
فَقالَ لي: كانَ عَمّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اَشارَ عَلى اَبي بِتَرْكِ الْخُرُوجِ، وَعَرَّفَهُ اِنْ هُوَ خَرَجَ وَفارَقَ المَدِيْنةَ ما يكون اَمْرُهُ فَهَلْ لَقيتَ ابْنَ عَمّي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّد(عليه السلام)؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَهَلْ سَمِعْتَهُ يذْكُرُ مِنْ اَمْري شيئاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: بِمَ ذَكَرَني؟ خَبِّرْني. قُلْتُ: جُعِلْتُ فِداكَ ما اُحِبُّ اَنْ اَسْتَقْبِلَكَ بِما سَمِعْتُهُ مِنْهُ. فَقالَ: اَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُني؟! هاتِ ما سَمِعْتَهُ، فَقُلْتُ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اِنَّكَ تُقْتَلُ وَتُصلَبُ كَما قُتِلَ اَبُوكَ وَصُلِبَ. «فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ» فَقالَ: (يَمْحُو اللهُ ما يَشآءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ اُمُّ الْكِتابِ)( [14]) يا مُتَوَكِّلُ اِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ اَيَّدَ هذَا الأمْرَ بِنا وَ جَعَلَ لَنا الْعِلْمَ وَالسَّيْفَ، فَجُمِعا لَنا، وَخُصَّ بَنُو عَمِّنا بِالْعِلْمِ وَحْدَهُ. فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِداكَ اِنّي رَاَيْتُ النّاسَ اِلَى ابْنِ عَمِّكَ اَمْيَلَ مِنْهُمْ اِلَيْكَ وَاِلى اَبيكَ. فَقالَ: اِنَّ عَمّي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَابْنَهُ جَعْفَراً(عليه السلام)دَعَوا النّاس اِلَى الْحَياةِ، وَنَحْنُ دَعَوْناهُمْ اِلَى الْمَوْتِ.
فَقُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ أهُمْ اَعْلَمُ اَمْ اَنْتُمْ؟ فَاَطْرَقَ اِلى الاْرضِ مَلِيّاً ثُمَّ رَفَعَ رَاْسَهُ. وَقالَ: كُلُّنا لَهُ عِلْمٌ، غَيْرَ اَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ كُلَّ ما نَعْلَمُ، وَلا نَعْلَمُ كُلَّ ما يَعْلَمُونَ. ثُمَّ قالَ لي: هَلْ كَتَبْتَ مِنِ ابْنِ عَمّي شَيْئاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: اَرِنيهِ.
فَاَخْرَجْتُ اِلَيْهِ وُجُوهاً مِنَ الْعِلْمِ، وَاَخْرَجْتُ لَهُ دُعاءً اَمْلاهُ عَلَيَّ اَبُو عَبْدِاللهِ ـ (جَعْفَرُ الصّادِقِ رَحَمِهُ اللهُ) ـ وَقالَ اِنَّ اَباهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ(عليهما السلام)اَمْلاهُ عَلَيْهِ، وَاَخْبَرَهُ اَنَّهُ مِنْ دُعآءِ اَبيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(عليهما السلام) مِنْ دُعاءِ «الصَّحيفَةِ الْكامِلَةِ».
فَنَظَرَ فيهِ يَحْيى حَتّى اَتى عَلى آخِرِهِ، وَقَالَ لي: اَتَأْذَنُ لي في نَسْخِهِ؟ فَقُلْتُ: يَابْنَ رَسُولِ اللهِ أتَسْتَاْذِنُ فِيما هُوَ عَنْكُمْ؟ فَقالَ: اَما لأُخْرِجَنَّ اِلَيْكَ صَحيفَةً مِنَ الدُّعآءِ الْكامِلِ مِمّا حَفِظَهُ اَبي عَنْ اَبيهِ، وَاِنَّ أبي اَوْصاني بِصَوْنِها، وَمَنِعْها غَيْرَ اَهْلِها.
قالَ عُمَيْرٌ: قالَ أبي: فَقُمْتُ اِلَيْهِ، فَقَبَّلْتُ رَاْسَهُ، وَقُلْتُ لهُ: واللهِ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ اِنّي لاََدينُ اللهَ بِحُبِّكُمْ وَطاعَتِكُمْ، وَإنّي لاََرْجُو اَنْ يُسْعِدَني في حياتي وَمَمَاتي بِوَلايَتِكُمْ. فَرَمى صَحيفَتي الَّتي دَفَعْتُها اِلَيْهِ اِلى غُلام كانَ معه، وَقالَ: اُكْتُبْ هذَا الدُّعاءَ بِخَطٍّ بَيِّن حَسَن وَاَعْرِضْهُ عَلَيَّ لَعَلّي أحْفَظُهُ، فَاِنّي كُنْتُ اَطْلُبُهُ مِنْ جَعْفَر حَفِظَهُ اللهُ فَيَمْنَعُنيهِ.
قالَ الْمُتَوَكِّلُ: فَنَدِمْتُ عَلى ما فَعَلْتُهُ وَلَمْ اَدْرِ ما اَصْنَعُ، وَلَمْ يَكُنْ اَبُو عَبْدِاللهِ(عليه السلام)تَقَدَّمَ إلَيَّ ألاّ أدْفَعَهُ اِلى اَحَد.
ثُمَّ دَعا بِعَيْبَة فَاسْتَخْرَجَ مِنْها صَحيفَةً مُقْفَلَةً مَخْتُومَةً، فَنَظَرَ الى الخَاتَمِ وَقَبَّلَهُ وَبَكى، ثُمَّ فَضَّهُ وَفَتَحَ الْقُفْلَ، ثُمَّ نَشَرَ الصَّحيفَةَ وَوَضَعَها عَلى عَيْنِه وَاَمَرَّها عَلى وَجْهِهِ. وَقالَ: يا مُتَوَكِّلُ وَاللهِ لَوْلا ما ذَكَرْتَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَمّي اِنّني اُقْتَلُ وَاُصْلَبُ لَما دَفَعْتُها اِلَيْكَ وَلَكُنْتُ بِها ضَنيناً. وَلكِنّي اَعْلَمُ اَنَّ قَوْلَهُ حَقٌ، أَخَذَهُ عَنْ آبائِهِ، وَأَنَّهُ سَيَصِحُّ، فَخِفْتُ اَنْ يَقَعَ مِثلُ هذَا الْعِلْمِ اِلى بَني اُمَيَّةَ فَيَكْتُمُوهُ وَيَدَّخِرُوهُ في خَزائِنِهِمْ بِها فَاِذا قَضَى اللهُ مِنْ اَمْري وَأمْرِ هؤلاءِ القَومِ ما هُوَ قاض، فَهِيَ اَمانَةٌ لِي عِنْدَكَ حَتّى تُوصِلَها اِلَى ابْنَيْ عَمّي مُحَمَّد وَاِبْراهيمَ ابْنَيْ عَبْدِاللهِ ابْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بن أبي طالب(عليهما السلام)فَاِنَّهُما الْقائِمانِ في هذا الأمْرِ بَعْدي.
قالَ الْمُتَوَكِّلُ: فَقَبَضْتُ الصَّحيفَةَ، فَلَمّا قُتِلَ يَحْيِى بن زيْد صِرْتُ اِلَى الْمَدينَةِ، فَلَقيتُ أبا عَبْدِاللهِ(عليه السلام)فَحَدَّثْتُهُ الْحَديثَ عَنْ يَحْيَى، فَبَكى واشْتَدَّ وَجْدَهُ بِهِ، وَقالَ: رَحِمَ اللهُ ابْنَ عَمِّي وَاَلْحَقَهُ بِآبآئِهِ وَأجْدادِهِ، وَاللهِ يا مُتَوَكِّلُ ما مَنَعَني مِنْ دَفْعِ الدُّعآءِ اِلَيْهِ اِلاَّ الَّذي خافَهُ عَلى صَحيفَةِ اَبيهِ، وَأَيْنَ الصَّحيفَةُ؟ قُلْتُ: هذِهِ، فِداكَ اَبي وَاُمّي، فَفَتَحَها فَقالَ: هذا ـ وَاللهِ ـ خَطُّ عَمّي زَيْد وَ دُعآءُ جَدّي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(عليهما السلام)، ثُمَّ قالَ لاِبْنِهِ: يا اِسْماعيلُ قُمْ فَاِتْني بِالدُّعآءِ الَّذي اَمَرْتُكَ بِحِفْظِهِ وَصَوْنِهِ. فَقامَ اِسْماعيلُ، فَاَخْرَجَ صَحيفَةً كَانَّهَا الصَّحيفَةُ الَّتي دَفَعَها اِلَيَّ يَحْيَى بنْ زَيْد، فَقَبَّلَها أبو عَبْدِاللهِ وَوَضَعَها عَلى عَيْنَيْهِ، وَقالَ: هذا خَطُّ اَبي وَاِمْلاءُ جَدّي(عليهما السلام)بِمَشهَد مَنّي. فَقُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ اِنْ رَاَيْتَ اَنْ اُعْرِضَها مَعَ صَحيفةِ زَيْد وَيحيى؟ فَاْذَنَ لي في ذلك، وَقالَ: قَدْ رَأيْتُكَ لِذلِكَ أهلاً. فَنَظَرْتُ وَاِذا هُما أمْرٌ واحِدٌ، وَلَمْ أجدْ حَرْفاً مِنْها يُخالِفُ ما في الصّحيفَةِ الأُخرى. ثُمَّ اَسْتَأْذَنْتُ اَبا عَبْدِاللهِ(عليه السلام)في دَفْعِ الصَّحيفَةِ اِلى اَبْنَيْ عَبْدِاللهِ بْنِ الْحَسَنِ. فَقالَ: (اِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ اَنْ تُؤَدُّو الاَْماناتِ اِلى اَهْلِها)( [15]) نَعَمْ إدْفَعْها إليهِما.
فَلَمّا نَهَضْتُ لِلِقآئِهِما، قالَ: لي مَكانَك. ثُمَّ وَجَّهَ اِلى مُحَمَّد وَاِبْراهيمَ فَجَآءا فَقالَ: هذا ميراثُ ابْنِ عَمِّكُما يَحْيى مِنْ اَبيهِ خَصَّكُما بِهِ دُونَ اِخْوَتِهِ وَنَحْنُ مُشْتَرِطُونَ عَلَيْكُما فيهِ شَرْطاً. فَقالا: رَحِمَكَ اللهُ، قُل فَقَوْلُكَ الْمَقْبُولُ، فَقالَ: لا تَخْرِجا بهذِهِ الصَّحيفَةِ مِنَ الْمَدينَةِ. قالا: وَلِمَ ذاكَ؟ قال: اِنَّ ابْنَ عَمِّكُما خافَ عَلَيْها اَمْراً اَخْافُهُ اَنَا عَلَيْكُما. قالا: اِنّما خافَ عَلَيْها حينَ عَلَِمَ أنّهُ يُقْتَلُ.
فَقالَ اَبُو عَبْدِاللهِ(عليه السلام): وَاَنْتُما فَلا تَأْمَنا، فَوَاللهِ اِنّي لاََعْلَمُ إنَّكُما سَتَخْرُجانِ كَما خَرَجَ وَسَتُقْتَلانِ كَما قُتِلَ. فَقاما وَهُما يَقُولانِ: لا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ اِلاّ بِاللهِ العَلِيَّ العَظيمِ.
فَلَمّا خَرَجا قالَ لي اَبُو عَبْدِاللهِ(عليه السلام): يا مُتَوَكِّلُ كَيْفَ قالَ لَكَ يَحْيى اِنَّ عَمّي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَابْنَهُ جَعْفَراً دَعَوَا النّاسَ اِلَى الْحَياةِ وَدَعَوْناهُمْ اِلَى الْمَوْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ اَصْلَحَكَ اللهُ، قَدْ قالَ لِي ابْنُ عَمِّكَ يَحْيى ذلِكَ. فَقالَ: يَرْحَمُ اللهُ يَحْيى اِنَّ اَبي حَدَّثَني، عَنْ اَبيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ(عليه السلام)اَنَّ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله)اَخَذَتْهُ نَعْسَةٌ، وَهُوَ عَلى مِنْبَرِهِ. فَرَأى في مَنامِهِ رِجالاً يَنْزُونَ عَلى مِنْبَرِهِ نَزْوَ الْقِرَدَةِ يَرُدُّونَ النّاسَ عَلى اَعْقابِهِمُ الْقَهْقَري. فَاسْتَوى رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله)جالِساً وَالْحُزْنُ يُعْرَفُ في وَجْهِهِ. فَاَتاهُ جِبْرئيلُ(عليه السلام)بِهذِهِ الاْيَةِ (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي اَرَيْناكَ اِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزيدُهُمْ اِلاّ طُغْياناً كَبيراً)( [16]) يَعْني: بَني اُمَيَّةَ. فقالَ: يا جِبْرئيلُ اَعَلى عَهْدي يَكُونُونَ وَ في زَمَني؟ قالَ: لا، وَلكِنْ تَدُورُ رَحَى الاِْسْلامِ مِنْ مُهاجَرِكَ، فَتَلْبَثُ بِذلِكَ عَشْراً، ثُمَّ تَدُورُ رَحَى الاِْسْلامِ عَلى رَاْسِ خَمْس وَثَلاثينَ مِنْ مُهاجَرِكَ فَتَلْبَثُ بِذلِكَ خَمْساً، ثُمَّ لابُدَّ مِنْ رَحى ضَلالَة هِيَ قائِمَةٌ عَلى قُطْبِها، ثُمَّ مُلْكُ الْفَراعِنَةِ.
قالَ: وَاَنْزَلَ اللهُ تَعالى في ذلِكَ: (اِنّا اَنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما اَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ اَلْفِ شَهْر)( [17]) تَمْلِكُها بَنُو اُمَيَّةَ لَيْسَ فيها لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
قالَ: فَاَطْلَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ(عليه السلام) اَنَّ بَني اُمَيَّةَ تَمْلِكُ سُلْطانَ هذِهِ الاُْمَّةِ، وَمُلْكُهَا طُولُ هذِهِ الْمُدَّةِ، فَلَوْ طاوَلَتْهُمُ الْجِبالُ لَطالُوا عَلَيْها حَتّى يَاْذَنَ اللهُ تَعالى بِزَوالِ مُلْكِهِمْ، وَهُمْ في ذلِكَ يَسْتَشْعِرُونَ عَداوَتَنا اَهْلَ الْبَيْتِ وَبُغْضَنا. اَخْبَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِما يَلْقى اَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّد وَاَهْلُ مَوَدَّتِهِمْ وَشيعَتُهُمْ مِنْهُمْ في اَيّامِهِمْ وَمُلْكِهِمْ.
قالَ: وَاَنْزَلَ اللهُ تَعالى فيهِمْ: (اَ لَمْ تَرَ اِلَى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَاَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ)( [18]). وَنِعْمَةُ اللهِ «مُحَمَّدٌ وَاَهْلُ بَيْتِهِ» حُبُّهُمْ ايمانٌ يُدْخِلُ الْجَنَّةَ، وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ وَنِفاقٌ يُدْخِلُ النّارَ. فَاَسَرَّ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله)ذلِكَ اِلى عَلِيٍّ وَاَهْلِ بَيْتِهِ.
قالَ: ثُمَّ قالَ اَبُو عَبْدِاللهِ(عليه السلام): «ما خَرَجَ وَلا يَخْرُجُ مِنّا اَهْلِ الْبَيْتِ اِلى قِيامِ قائِمِنا اَحَدٌ لِيَدْفَعَ ظُلْماً اَوْ يَنْعَشَ حَقّاً، اِلاَّ اصْطَلَمَتْهُ الْبَلِيَّةُ، وَكانَ قِيامُهُ زِيادَةً في مَكْرُوهِنا وَشيعَتَنا».
قالَ الْمُتَوَكِّلُ بْنُ هارُونَ: ثُمَّ اَمْلى عَلَيَّ اَبُو عَبْدِاللهِ(عليه السلام)الاَْدْعِيَةَ وَهِيَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ باباً، سَقَطَ عَنّي مِنْها اَحَدَ عَشَرَ باباً، وَحَفِظْتُ مِنْها نَيِّفاً وَسِتّينَ باباً.
وَحَدَّثَنا اَبُو الْمُفَضَّلِ قالَ: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ رُوزْبِهْ اَبُو بَكْر الْمَدائِنيُّ الْكاتِبُ نَزيلُ الرَّحْبَة في دارِهِ، قالَ: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ اَحْمَدَ بْنِ مُسْلِم الْمُطَهَّرِيُّ، قالَ حَدَّثَني اَبي، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ مُتَوَكِّل الْبَلْخِي، عَنْ اَبيهِ الْمُتَوَكِّلِ بْنِ هارُونَ، قالَ: لَقيتُ يَحْيَى بْنَ زَيْد بْنِ عَلِيٍّ(عليهما السلام).
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمامِهِ اِلى رُؤْيَا النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله)الَّتي ذَكَرَها جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّد، عَنْ آبائِهِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
وَفي رِوايَةِ الْمُطَهَّرِيِّ ذِكْرُ الاَْبْوابِ ]وهي «54» باباً تؤلّف بِمجموعها الصحيفة السّجادية الكاملة[.
اَلْحَمْدُ للهِ الاَْوَّلِ بِلا اَوَّل كانَ قَبْلَهُ، وَالاْخِرِ بِلا آخِر يَكُونُ بَعْدَهُ، اَلَّذي قَصُرَتْ عَنْ رُؤْيَتِهِ اَبْصارُ النّاظِرينَ، وَعَجَزَتْ عَنْ نَعْتِهِ اَوْهامُ الْواصِفينَ.
ابْتَدَعَ بِقُدْرَتِهِ الْخَلْقَ ابْتِداعاً، وَاخْتَرَعَهُمْ عَلى مَشِيَّتِهِ اخْتِراعاً، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمْ طَريقَ اِرادَتِهِ، وَبَعَثَهُمْ في سَبيلِ مَحَبَّتِهِ، لا يَمْلِكُونَ تَاْخيراً عَمّا قَدَّمَهُمْ اِلَيْهِ، وَلا يَسْتَطيعُونَ تَقَدُّماً اِلى ما اَخَّرَهُمْ عَنْهُ. وَ جَعَلَ لِكُلِّ رُوح مِنْهُمْ قُوتاً مَعْلُوماً مَقْسُوماً مِنْ رِزْقِهِ، لا يَنْقُصُ مَنْ زادَهُ ناقِصٌ، وَلا يَزيدُ مَنْ نَقَصَ مِنْهُمْ زائِدٌ.
ثُمَّ ضَرَبَ لَهُ فِي الْحَياةِ اَجَلاً مَوْقُوتاً، وَنَصَبَ لَهُ اَمَداً مَحْدُوداً، يَتَخَطّى اِلَيْهِ بِاَيّامِ عُمُرِهِ، وَيَرْهَقُهُ بِاَعْوامِ دَهْرِهِ، حَتّى اِذا بَلَغَ اَقْصى اَثَرِهِ، وَاسْتَوْعَبَ حِسابَ عُمُرِهِ، قَبَضَهُ اِلى ما نَدَبَهُ اِلَيْهِ مِنْ مَوْفُورِ ثَوابِهِ، اَوْ مَحْذُورِ عِقابِهِ «لِيَجْزِيَ الَّذينَ اَسآؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذينَ اَحْسَنوا بِالْحُسْنى»( [19]) عَدْلاً مِنْهُ، تَقَدَّسَتْ اَسْمآؤُهُ وَتَظاهَرَتْ آلآؤُهُ «لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ»( [20]).
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي لَوْ حَبَسَ عَنْ عِبادِهِ مَعْرِفَةَ حَمْدِهِ عَلى ما اَبْلاهُمْ مِنْ مِنَنِهِ الْمُتَتابِعَةِ، وَاَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الْمُتَظاهِرَةِ، لَتَصَرَّفُوا في مِنَنِه فَلَمْ يَحْمَدُوُه، وَتَوَسَّعُوا في رِزْقِهِ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ. وَلَوْ كانُوا كَذلِكَ لَخَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الاِْنْسانِيَّةِ اِلى حَدِّ الْبَهيمِيَّةِ فَكانُوا كَما وَصَفَ في مُحْكَمِ كِتابِهِ: «اِنْ هُمْ اِلاّ كَالاَْنْعامِ بَلْ هُمْ اَضَلُّ سَبيلاً»( [21]).
وَالْحَمْدُ للهِ عَلى ما عَرَّفَنا مِنْ نَفْسِهِ، وَاَلْهَمَنا مِنْ شُكْرِهِ، وَفَتَحَ لَنا مِنْ اَبْوابِ الْعِلْمِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَدَلَّنا عَلَيْهِ مِنَ الاِْخْلاصِ لَهُ في تَوْحيدِهِ، وَجَنَّبَنا مِنَ الاِْلْحادِ وَالشَّكِّ في اَمْرِهِ. حَمْداً نُعَمَّرُ بِهِ فيمَنْ حَمِدَهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَنَسْبِقُ بِهِ مَنْ سَبَقَ اِلى رِضاهُ وَعَفْوِهِ. حَمْداً يُضيءُ لَنا بِهِ ظُلُماتِ الْبَرْزَخِ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْنا بِهِ سَبيلَ الْمَبْعَثِ، وَ يُشَرِّفُ بِهِ مَنازِلَنا عِنْدَ مَواقِفِ الاَْشْهادِ، يَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ «يَوْمَ لا يُغْني مَولَىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلاهُمْ يُنْصَرُونَ»( [22]). حَمْداً يَرْتَفِعُ مِنّا اِلى اَعْلى عِلِّييّنَ في «كِتاب مَرْقُوم يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ»( [23]). حَمْداً تَقَرُّ بِهِ عُيُونُنا اِذا بَرِقَتِ الاَْبْصارُ، وَتَبْيَضُّ بِهِ وُجُوهُنا اِذَا اسْوَدَّتِ الاَْبْشارُ. حَمْداً نُعْتَقُ بِهِ مِنْ اَليمِ نارِ اللهِ اِلى كَريمِ جِوارِ اللهِ، حَمْداً نُزاحِمُ بِهِ مَلائِكَتَهُ الْمُقَرَّبينَ، وَنُضامُّ بِهِ اَنِبْيآءَهُ الْمُرْسَلينَ في دارِ الْمُقامَةِ الَّتي لا تَزُولُ، وَمَحَلِّ كَرامَتِهِ الَّتي لا تَحُولُ.
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي اخْتارَ لَنا مَحاسِنَ الْخَلْقِ، وَاَجْرى عَلَيْنا طَيِّباتِ الرِّزْقِ، وَجَعَلَ لَنا الْفَضيلَةَ بِالْمَلَكَةِ عَلى جَميعِ الْخَلْقِ، فَكُلُّ خَليقَتِهِ مُنْقادَةٌ لَنا بِقُدْرَتِهِ، وَصآئِرَةٌ اِلى طاعَتِنا بِعِزَّتِهِ.
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي اَغْلَقَ عَنّا بابَ الْحاجَةِ اِلاّ اِلَيْهِ، فَكَيْفَ نُطيقُ حَمْدَهُ؟ اَمْ مَتى نُؤَدّي شُكْرَهُ؟ لا، مَتى؟
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي رَكَّبَ فينا آلاتِ الْبَسْطِ، وَجَعَلَ لَنا اَدَواتِ الْقَبْضِ، وَ مَتَّعَنا بِاَرْواحِ الْحَياةِ، وَاَثْبَتَ فينا جَوارِحَ الاَْعْمالِ، وَغَذّانا بِطَيِّباتِ الرِّزْقِ، وَاَغْنانا بِفَضْلِهِ، وَاَقْنانا بِمَنِّهِ. ثُمَّ اَمَرَنا لِيَخْتَبِرَ طاعَتَنا، وَنَهانا لِيَبْتَلِيَ شُكْرَنا، فَخالَفْنا عَنْ طَريقِ اَمْرِهِ، وَرَكِبْنا مُتُونَ زَجْرِهِ، فَلَمْ يَبْتَدِرْنا بِعُقُوبَتِهِ، وَلَمْ يُعاجِلْنا بِنِقْمَتِهِ، بَلْ تَاَنّانا بِرَحْمَتِهِ تَكَرُّماً، وَانْتَظَرَ مُراجَعَتَنا بِرَاْفَتِهِ حِلْماً.
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي دَلَّنا عَلى التَّوْبَةِ الِّتي لَمْ نُفِدْها اِلاّ مِنْ فَضْلِهِ، فَلَوْ لَمْ نَعْتَدِدْ مِنْ فَضْلِهِ اِلاّ بِها لَقَدْ حَسُنَ بَلاؤُهُ عِنْدَنا، وَجَلَّ اِحْسانُه اِلَيْنا، وَجَسُمَ فَضْلُهُ عَلَيْنا. فَما هكَذا كانَتْ سُنَّتُهُ فِي التَّوْبَةِ لِمَنْ كانَ قَبْلَنا، لَقَدْ وَضَعَ عَنّا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْنا اِلاّ وُسْعاً، وَلَمْ يُحَشِّمْنا اِلاّ يُسْراً، وَلَمْ يَدَعْ لاَِحَد مِنّا حُجَّةً وَلا عُذْراً، فَالْهالِكُ مِنّا مَنْ هَلَكَ عَلَيْهِ، وَالسَّعيدُ مِنّا مَنْ رَغِبَ اِلَيْهِ.
وَالْحَمْدُللهِ بِكُلِّ ما حَمِدَهُ بِهِ اَدْنى مَلائِكَتِهِ اِلَيْهِ، وَاَكْرمُ خَليقَتِه عَلَيْهِ، وَاَرْضى حامِديهِ لَدَِيْهِ، حَمْداً يَفْضُلُ سآئِرَ الْحَمْدِ كَفَضْلِ رَبِّنا عَلى جَميعِ خَلْقِهِ.
ثُمَّ لَهُ الْحَمْدُ مَكانَ كُلِّ نِعْمَة لَهُ عَلَيْنا وَ عَلى جَميعِ عِبادِهِ الْماضينَ وَالْباقينَ عَدَدَ ما اَحاطَ بِهِ عِلْمُهُ مِنْ جَميعِ الاَْشْياءِ، وَ مَكانَ كُلِّ واحِدَة مِنْها عَدَدُها اَضْعافاً مُضاعَفَةً اَبَداً سَرْمَداً اِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ. حَمْداً لا مُنْتَهى لِحَدِّهِ، وَلا حِسابَ لِعَدَدِهِ، وَلا مَبْلَغَ لِغايَتِه، وَلاَ انْقِطاعَ لاَِمَدِهِ، حَمْداً يَكُونُ وُصْلَةً اِلى طاعَتِه وَعَفْوِهِ، وَسَبَباً اِلى رِضْوانِهِ، وَذَريعَةً اِلى مَغْفِرَتِهِ، وَطَريقاً اِلى جَنَّتِهِ، وَخَفيراً مِنْ نِقْمَتِهِ، وَاَمْناً مِنْ غَضَبِهِ، وَظَهيراً عَلى طاعَتِهِ، وَحاجِزاً عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَعَوْناً عَلى تأدِيَةِ حَقِّهِ وَوَظائِفِهِ. حَمْداً نَسْعَدُ بِهِ فِي السُّعَداءِ مِنْ اَوْلِيائِهِ، وَنَصيرُ بِهِ في نَظْمِ الشُّهَدآءِ بِسُيُوفِ اَعْدآئِهِ، اِنَّهُ وَلِيٌّ حَميدٌ.
وَالْحَمْدُللهِ الَّذي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّد نَبِيِّهِ(صلى الله عليه وآله)دُونَ الاُْمَمِ الْماضِيَةِ وَالْقُرُونِ السّالِفَةِ، بِقُدْرَتِهِ الَّتي لا تَعْجِزُ عَنْ شَيْء وَاِنْ عَظُمَ، وَلا يَفُوتُها شَيءٌ وَاِنْ لَطُفَ، فَخَتَمَ بِنا عَلى جَميعِ مَنْ ذَرَاَ، وَجَعَلَنا شُهَداءَ عَلى مَنْ جَحَدَ، وَكَثَّرَنا بِمَنِّهِ عَلى مَنْ قَلَّ.
اَللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد اَمينِكَ عَلى وَحْيِكَ، وَنَجيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَصَفِيِّكِ مِنْ عِبادِكَ، اِمامِ الرَّحْمَةِ، وَقآئِدِ الْخَيْرِ وَمِفْتاحِ الْبَرَكَةِ، كَما نَصَبَ لاَِمْرِكَ نَفْسَهُ، وَعَرَّضَ فيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ، وَكاشَفَ فِي الدُّعآءِ اِلَيْكَ حامَّتَهُ، وَحارَبَ في رِضاكَ اُسْرَتَهُ، وَقَطَعَ في اِحْياءِ دينِكَ رَحِمَهُ، وَاَقْصَى الاَْدْنَيْنَ عَلى جُحُودِهِمْ، وَقَرَّبَ الاَْقْصَيْنَ عَلَى اسْتِجابَتِهِمْ لَكَ، وَوالى فيكَ الاَْبْعَدينَ، وَعادى فيكَ الاَْقْرَبينَ.
وَاَدْاَبَ نَفْسَهُ في تَبْليغِ رِسالَتِكَ، وَاَتْعَبَها بِالدُّعآءِ اِلى مِلَّتِكَ، وَشَغَلَها بِالنُّصْحِ لاَِهْلِ دَعْوَتِكَ، وَهاجَرَ اِلى بِلادِ الْغُرْبَةِ، وَمَحَلِّ النَّاْي عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ، وَمَوْضِعِ رِجْلِهِ، وَمَسْقِطِ رَأْسِهِ، وَمَأْنَسِ نَفْسِهِ، اِرادَةً مِنْهُ لاِِعْزازِ دينِكَ، وَاسْتِنْصاراً عَلى اَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ، حَتَّى اسْتَتَبَّ لَهُ ما حاوَلَ في اَعْدآئِكَ، وَاسْتَتَمَّ لَهُ ما دَبَّرَ في اَوْلِيآئِكَ. فَنَهَدَ اِلَيْهِمْ مُسْتَفْتِحاً بِعَوْنِكَ، وَمُتَقَوِّياً عَلى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ، فَغَزاهُمْ في عُقْرِ دِيارِهِمْ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ في بُحْبُوحَةِ قَرارِهِمْ، حَتّى ظَهَرَ اَمْرُكَ، وَ عَلَتْ كَلِمَتُكَ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
اَللّهُمَّ فَارْفَعْهُ بِما كَدَحَ فيكَ اِلَى الدَّرَجَةِ الْعُلْيا مِنْ جَنَّتِكَ. حَتّى لا يُساوى في مَنْزِلَة، وَلا يُكافَأَ في مَرْتَبَة، وَلا يُوازِيَهُ لَدَيْكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَعَرِّفْهُ في اَهْلِهِ الطّاهِرينَ وَاُمَّتِهِ الْمُؤْمِنينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفاعَةِ اَجَلَّ ما وَعَدْتَهُ، يا نافِذَ الْعِدَةِ، يا وافِيَ الْقَوْلِ، يا مُبَدِّلَ السَّيِّئاتِ بِاَضْعافِها مِنَ الْحَسَناتِ اِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ، الجَوادُ الكَريمُ.
اَللّهُمَّ وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذينَ لا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبيحِكَ، وَلا يَسْئَمُونَ مِنْ تَقْديسِكَ، وَلا يَسْتَحْسِرُونَ مِنْ عِبادَتِكَ، وَلا يُؤْثِرُونَ التَّقْصيرَ عَلَى الْجِدِّ في اَمْرِكَ، وَلا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ اِلَيْكَ.
وَاِسْرافيلُ صاحِبُ الصُّورِ، الشّاخِصُ الَّذي يَنْتَظِرُ مِنْكَ الاِْذْنَ، وَحُلُولَ الاَْمْرِ، فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعى رَهائِنَ الْقُبُورِ.
وَميكآئيلُ ذُو الْجاهِ عِنْدَكَ، وَالْمَكانِ الرَّفيعِ مِنْ طاعَتِكَ. وَجِبْريلُ الاَْمينُ عَلى وَحْيِكَ، الْمُطاعُ في اَهْلِ سَماواتِكَ، الْمَكينُ لَدَيْكَ، الْمُقَرَّبُ عِنْدَكَ. وَالرُّوحُ الَّذي هُوَ عَلى مَلائِكَةِ الْحُجُبِ، وَالرُّوحُ الَّذي هُوَ مِنْ اَمْرِكَ. اللّهُمَّ فَصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الْمَلائِكَةِ الَّذينَ مِنْ دُونِهِمْ، مِنْ سُكّانِ سَماواتِكَ، وَاَهْلِ الاَْمانَةِ عَلى رِسالاتِكَ.
وَالَّذينَ لا تَدْخُلُهُمْ سَأْمَةٌ مِنْ دُؤُب، وَلا اِعْياءٌ مِنْ لُغُوب وَلا فُتُورٌ، وَلا تَشْغَلُهُمْ عَنْ تَسْبيحِكَ الشَّهَواتُ، وَلا يَقْطَعُهُمْ عَنْ تَعْظيمِكَ سَهْوُ الْغَفَلاتِ الْخُشَّعُ الاَْبْصارِ فَلا يَرُومُونَ النَّظَرَ اِلَيْكَ، النَّواكِسُ الاَْذْقان، الَّذينَ قَدْ طالَتْ رَغْبَتُهُمْ فيما لَدَيْكَ، الْمُسْتَهْتَرُونَ بِذِكْرِ آلائِكَ، وَالْمُتَواضِعُونَ دُونَ عَظَمَتِكَ وَجَلالِ كِبْرِيآئِكَ. وَالَّذينَ يَقُولُونَ اِذا نَظَرُوا اِلى جَهَنَّمَ تَزْفِرُ عَلى اَهْلِ مَعْصِيَتِكَ: سُبْحانَكَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ.
فَصَلِّ عَلَيْهِمْ وَ عَلَى الرَّوْحانِيّينَ مِنْ مَلائِكَتِكَ، وَاَهْلِ الزُّلْفَةِ عِنْدَكَ، وَحُمّالِ الْغَيْبِ اِلى رُسُلِكَ، وَالْمُؤْتَمَنينَ عَلى وَحْيِكَ، وَقَبآئِلِ الْمَلائِكَةِ الَّذينَ اخْتَصَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ، وَاَغْنَيْتَهُمْ عَنِ الطَّعامِ وَالشَّرابِ بِتَقْديسِكَ، وَاَسْكَنْتَهُمْ بُطُونَ اَطْباقِ سَماواتِكَ، وَالَّذينَ عَلى اَرْجآئِها اِذا نَزَلَ الاَْمْرُ بِتَمامِ وَعْدِكَ، وَخُزّانِ الْمَطَرِ، وَزَواجِرِ السَّحابِ، وَالَّذي بِصَوْتِ زَجْرِهِ يُسْمَعُ زَجَلُ الرُّعُودِ، وَاِذا سَبَحَتْ بِهِ حَفيفَةُ السَّحابِ الَْتمَعَتْ صَواعِقُ الْبُرْوقِ، وَمُشَيِّعِي الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَالْهابِطينَ مَعَ قَطْرِ الْمَطَرِ اِذا نَزَلَ، وَالْقُوّامِ عَلى خَزائِنِ الرِّياحِ، وَالْمُوَكَّلينَ بِالْجِبالِ فَلا تَزُولُ. وَالَّذينَ عَرَّفْتَهُمْ مَثاقيلَ الْمِياهِ، وَكَيْلَ ما تَحْويهِ لَواعِجُ الاَْمْطارِ وَعَوالِجُها.
وَرُسُلِكَ مِنَ الْمَلائِكَةِ اِلى اَهْلِ الاَْرْضِ بِمَكْرُوهِ ما يَنْزِلُ مِنَ الْبَلاءِ وَمَحْبُوبِ الرَّخآءِ، وَالسَّفَرَةِ الْكِرامِ الْبَرَرَةِ، وَالْحَفَظَةِ الْكِرامِ الْكاتِبينَ، وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَاَعْوانِهِ، وَمُنْكَر وَ نَكير، وَرُومانَ فَتّانِ الْقُبُورِ، وَالطّائِفينَ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَمالِك، وَالْخَزَنَةِ، وَرِضْوانَ، وَسَدَنَةَ الْجِنانِ، وَالَّذينَ «لا يَعْصُونَ اللهَ ما اَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ»( [24]). وَالَّذينَ يَقُولُونَ: «سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبْرَتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ»( [25]). وَالزَّبانِيَةِ الَّذينَ اِذا قيلَ لَهُمْ: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحيمَ صَلُّوهُ»( [26]) ابْتَدَرُوهُ سِراعاً، وَلَمْ يُنْظِرُوهُ، وَمَنْ اَوْهَمْنا ذِكْرَهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ مَكانَهُ مِنْكَ، وَبِاَيِّ اَمْر وَكَّلْتَهُ، وَسُكّانِ الْهَوآءِ وَالاَْرْضِ وَالْمآءِ، وَمَنْ مِنْهُمْ عَلَى الْخَلْقِ. فَصَلِّ عَلَيْهِمْ يَوْمَ تَاْتي كُلُّ نَفْس مَعَها سائِقٌ وَشَهيدٌ. وَصَلِّ عَلَيْهِمْ صَلاةً تَزيدُهُمْ كَرامَةً عَلى كَرامَتِهِمْ وَطَهارَةً عَلى طَهارَتِهِمْ. اَللّهُمَّ وَاِذا صَلَّيْتَ عَلى مَلائِكَتِكَ وَرُسُلِكَ، وَبَلَّغْتَهُمْ صَلاتَنا عَلَيْهِمْ فَصَلِّ عَلَيْهِمْ بِما فَتَحْتَ لَنا مِنْ حُسْنِ الْقَوْلِ فيهِمْ، اِنَّكَ جَوادٌ كَريمٌ.
اَللّهُمَّ وَاَتْباعُ الرُّسُلِ وَمُصْدِّقُوهُمْ مِنْ اَهْلِ الاَْرْضِ بِالْغَيْبِ عِنْدَ مُعارَضَةِ الْمُعانِدينَ لَهُمْ بِالتَّكْذيبِ، وَالاِْشْتِياقِ اِلَى الْمُرْسَلينَ بِحَقائِقِ الاِْيمانِ، في كُلِّ دَهْر وَزَمان اَرْسَلْتَ فيهِ رَسُولاً وَاَقَمْتَ لاَِهْلِهِ دَليلاً، مِنْ لَدُنْ آدَمَ اِلى مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله)مِنْ اَئِمَّةِ الْهُدى، وَقادَةِ اَهْلِ التُّقى، عَلى جَميعِهِمُ السَّلامُ، فَاذْكُرْهُمْ مِنْكَ بِمَغْفِرَة وَرِضْوان.
اَللّهُمَّ وَاَصْحابُ مُحَمَّد خاصَّةً الَّذينَ اَحْسَنُوا الصَّحابَةَ، وَالَّذينَ اَبْلَوُا الْبَلآءَ الْحَسَنَ في نَصْرِهِ، وَكانَفُوهُ، وَاَسْرَعُوا اِلى وِفادَتِه، وَسابَقُوا اِلى دَعْوَتِهِ، وَاسْتَجابُوا لَهُ حَيْثُ اَسْمَعَهُمْ حُجَّةَ رِسالاتِهِ، وَفارَقُوا الاَْزْواجَ وَالاَْوْلادَ في اِظْهارِ كَلِمَتِهِ، وَقاتَلُوا الاْبآءَ وَالاَْبْنآءَ في تَثْبيتِ نُبُوَّتِهِ، وَانْتَصَرُوا بِهِ. وَمَنْ كانُوا مُنْطَوينَ عَلى مَحَبَّتِهِ، يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ في مَوَدَّتِه، وَالَّذينَ هَجَرَتْهُمُ الْعَشآئِرُ اِذْ تَعَلَّقُوا بِعُرْوَتِهِ، وَانْتَفَتْ مِنْهُمُ الْقَراباتُ اِذْ سَكَنُوا في ظِلِّ قَرابَتِهِ.
فَلا تَنْسَ لَهُمْ اللّهُمَّ ما تَرَكُوا لَكَ وَفيكَ، وَاَرْضِهِمْ مِنْ رِضْوانِكَ، وَبِما حاشُوا الْخَلْقَ عَلَيْكَ، وَكانُوا مَعَ رَسُولِكَ دُعاةً لَكَ اِلَيْكَ، وَاشْكُرْهُمْ عَلى هَجْرِهِمْ فيكَ دِيارَ قَوْمِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ مِنْ سَعَةِ الْمَعاشِ اِلى ضيقِهِ، وَمَنْ كَثَّرْتَ في اِعْزازِ دينِكَ مِنْ مَظْلُومِهِمْ.
اَللّهُمَّ وَاَوْصِلْ اِلَى التّابِعينَ لَهُمْ بِاِحْسان، الَّذينَ يَقُولُونَ: «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلاِِخْوانِنَا الَّذينَ سَبَقُونا بِالاِْيمانِ»( [27]) خَيْرَ جَزآئِكَ، الَّذينَ قَصَدُوا سَمْتَهُمْ، وَتَحَرَّوْا وِجْهَتَهُمْ، وَمَضَوْا عَلى شاكِلَتِهِمْ، لَمْ يَثْنِهِمْ رَيْبٌ في بَصيرَتِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِجْهُمْ شَكٌّ في قَفْوِ آثارِهِمْ، وَالاْئْتِمامِ بِهِدايَةِ مَنارِهِمْ، مُكانِفينَ وَمُوازِرينَ لَهُمْ، يَدينُونَ بِدينِهِمْ، وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِمْ، يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِمْ، وَلا يَتَّهِمُونَهُمْ فيما اَدَّوْا اِلَيْهِمْ.
اَللّهُمَّ وَصَلِّ عَلى التّابِعينَ مِنْ يَوْمِنا هذا اِلى يَوْمِ الدّينِ، وَعَلى اَزواجِهِمْ وَعَلى ذُرِّيّاتِهِمْ وَعَلى مَنْ اَطاعَكَ مِنْهُمْ، صَلاةً تَعْصِمُهُمْ بِها مِنْ مَعْصِيَتِكَ، وَتَفْسَحُ لَهُمْ في رِياضِ جَنَّتِكَ، وَ تَمْنَعُهُمْ بِها مِنْ كَيْدِ الشَّيْطانِ، وَتُعينُهُمْ بِها عَلى مَا اسْتَعانُوكَ عَلَيْهِ مِنْ بِرٍّ، وَتَقيهِمْ طَوارِقَ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ اِلاّ طارِقاً يَطْرُقُ بِخَيْر، وَتَبْعَثُهُمْ بِها عَلَى اعْتِقادِ حُسْنِ الرَّجآءِ لَكَ، وَالطَّمَعِ فيما عِنْدَكَ، وَتَرْكِ التُّهْمَةِ فيما تَحْويهِ اَيْدِي الْعِبادِ، لِتَرُدَّهُمْ اِلَى الرَّغْبَةِ اِلَيْكَ وَالرَّهْبَةِ مِنْكَ، وَتُزَهِّدَهُمْ في سَعَةِ الْعاجِلِ، وَتُحَبِّبَ اِلَيْهِمُ الْعَمَلَ لِلاْجِلِ، وَالاِْسْتِعْدادَ لِما بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ كُلَّ كَرْب يَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِ الاَْنْفُسِ مِنْ اَبْدانِها، وَتُعافِيَهُمْ مِمّا تَقَعُ بِهِ الْفِتْنَةُ مِنْ مَحْذُوراتِها، وَكَبَّةِ النّارِ وَطُولِ الْخُلُودِ فيها، وَتُصَيِّرَهُمْ اِلى اَمْن مِنْ مَقيلِ الْمُتَّقينَ.
يا مَنْ لا تَنْقَضي عَجآئِبُ عَظَمِتِهِ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاحْجُبْنا عَنِ الاِْلْحادِ في عَظَمَتِكَ، وَيا مَنْ لا تَنْتَهي مُدَّةُ مُلْكِهِ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاَعْتِقْ رِقابَنا مِنْ نَقِمَتِكَ، وَيا مَنْ لا تَفْنى خَزائِنُ رَحْمَتِهِ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاجْعَلْ لَنا نَصيباً في رَحْمَتِكَ.
وَيا مَنْ تَنْقَطِعُ دُونَ رُؤْيَتِهِ الاَْبْصارُ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَ اَدْنِنا اِلى قُرْبِكَ، وَيا مَنْ تَصْغُرُ عِنْدَ خَطَرِهِ الاَْخْطارُ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَكَرِّمْنا عَلَيْكَ، وَيا مَنْ تَظْهَرُ عِنْدَهُ بَواطِنُ الاَْخْبارِ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وآلِهِ، وَلا تَفْضَحْنا لَدَيْكَ.
اَللّهُمَّ اَغْنِنا عَنْ هِبَةِ الْوَهّابينَ بِهِبَتِكَ، وَاكْفِنا وَحْشَةَ الْقاطِعينَ بِصِلَتِكَ، حَتّى لا نَرْغَبَ اِلى اَحَد مَعَ بَذْلِكَ، وَلا نَسْتَوْحِشَ مِنْ اَحَد مَعَ فَضْلِكَ.
اَللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وآلِهِ، وَكِدْ لَنا وَلا تَكِدْ عَلَيْنا، وَامْكُرْ لَنا وَلا تَمْكُرْ بِنا، وَاَدِلْ لَنا وَلا تُدِلْ مِنّا.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَقِنا مِنْكَ، وَاحْفَظْنا بِكَ، وَاهْدِنا اِلَيْكَ، وَلا تُباعِدْنا عَنْكَ، اِنَّ مَنْ تَقِهِ يَسْلَمْ، وَمَنْ تَهْدِهِ يَعْلَمْ، وَمَنْ تُقَرِّبْهُ اِلَيْكَ يَغْنَمْ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاكْفِنا حَدَّ نَوائِبِ الزَّمانِ، وَشَرَّ مَصائِدِ الشَّيْطانِ، وَمَرارَةَ صَوْلَةِ السُّلْطانِ.
اَللّهُمَّ اِنَّما يَكْتَفِي الْمُكْتَفُونَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاكْفِنا، وَاِنَّما يُعْطِي الْمُعْطُونَ مِنْ فَضْلِ جِدَتِكَ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاَعْطِنا، وَاِنَّما يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بِنُورِ وَجْهِكَ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاهْدِنا.
اَللّهُمَّ اِنَّكَ مَنْ والَيْتَ لَمْ يَضْرُرْهُ خِذْلانُ الْخاذِلينَ، وَمَنْ اَعْطَيْتَ لَمْ يَنْقُصْهُ مَنْعُ الْمانِعينَ، وَمَنْ هَدَيْتَ لَمْ يُغْوِهِ اِضْلالُ الْمُضِلّينَ. فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَامْنَعْنا بِعِزِّكَ مِنْ عِبادِكَ، وَاَغْنِنا عَنْ غَيْرِكَ بِاِرْفادِكَ، وَاسْلُكْ بِنا سَبيلَ الْحَقِّ بِاِرْشادِكَ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاجْعَلْ سَلامَةَ قُلُوبِنا في ذِكْرِ عَظَمَتِكَ، وَفَراغَ اَبْدانِنا في شُكْرِ نِعْمَتِكَ، وَانْطِلاقَ اَلْسِنَتِنا في وَصْفِ مِنَّتِكَ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاجْعَلْنا مِنْ دُعاتِكَ الدّاعينَ اِلَيْكَ، وَهُداتِكَ الدّالّينَ عَلَيْكَ، وَمِنْ خاصَّتِكَ الْخاصّينَ لَدَيْكَ، يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ.
اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بِقُوَّتِهِ، وَمَيَّزَ بَيْنَهُما بِقُدْرَتِهِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ واحِد مِنْهُما حَدّاً مَحْدُوداً، وَاَمَداً مَمْدُوداً، يُولِجُ كُلَّ واحِد مِنْهُما في صاحِبِهِ، وَيُولِجُ صاحِبَهُ فيهِ بِتَقْدير مِنْهُ لِلْعِبادِ فيما يَغْذُوهُمْ بِهِ، وَيُنْشِئُهُمْ عَلَيْهِ، فَخَلَقَ لَهُمْ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فيهِ مِنْ حَرَكاتِ التَّعَبِ، وَنَهَضاتِ النَّصَبِ، وَجَعَلَهُ لِباساً لِيَلْبَسُوا مِنْ راحَتِهِ وَمَنامِهِ، فَيَكُونَ ذلِكَ لَهُمْ جَماماً وَقُوَّةً، وَلِيَنالُوا بِهِ لَذَّةً وَ شَهْوَةً، وَخَلَقَ لَهُمُ النَّهارَ مُبْصِراً لِيَبْتَغُوا فيهِ مِنْ فَضْلِه، وَلِيَتَسَبَّبُوا اِلى رِزْقِهِ، وَيَسْرَحُوا في اَرْضِهِ، طَلَباً لِما فيهِ نَيْلُ الْعاجِلِ مِنْ دُنْياهُمْ، وَدَرَكُ الاْجِلِ في اُخْراهُمْ، بِكُلِّ ذلِكَ يُصْلِحُ شَاَنَهُمْ، وَيَبْلُو اَخْبارَهُمْ، وَيَنْظُرُ كَيْفَ هُمْ في اَوْقاتِ طاعَتِهِ، وَمَنازِلِ فُرُوضِهِ، وَمَواقِعِ اَحْكامِهِ، «لِيَجْزِيَ الَّذينَ اَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذينَ اَحْسَنُوا بِالْحُسْنى»( [28]).
اَللّهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ما فَلَقْتَ لَنا مِنَ الاِْصْباحِ، وَمَتَّعْتَنا بِهِ مِنْ ضَوْءِ النَّهارِ، وَبَصَّرْتَنا مِنْ مَطالِبِ الاَْقْواتِ، وَوَقَيْتَنا فيهِ مِنْ طَوارِقِ الاْفاتِ.
اَصْبَحْنا وَاَصْبَحَتِ الاَْشْيآءُ كُلُّها بِجُمْلَتِها لَكَ، سَمآؤُها وَاَرْضُها، وَما بَثَثْتَ في كُلِّ واحِد مِنْهُما، ساكِنُهُ وَمُتَحَرِّكُهُ، وَمُقيمُهُ وَشاخِصُهُ، وَما عَلا في الْهَواءِ، وَما كَنَّ تَحْتَ الثَّرى.
اَصْبَحْنا في قَبْضَتِكَ، يَحْوينا مُلْكُكَ وَسُلْطانُكَ، وَتَضُمُّنا مَشِيَّتُكَ، وَنَتَصَرَّفُ عَنْ اَمْرِكَ، وَنَتَقَلَّبُ في تَدْبيرِكَ، لَيْسَ لَنا مِنَ الاَْمْرِ اِلاّ ما قَضَيْتَ، وَلا مِنَ الْخَيْرِ اِلاّ ما اَعْطَيْتَ، وَهذا يَوْمٌ حادِثٌ جَديدٌ، وَهُوَ عَلَيْنا شاهِدٌ عَتيدٌ، اِنْ اَحْسَنّا وَدَّعَنا بِحَمْد، وَاِنْ اَسَاْنا فارَقَنا بِذَمٍّ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَارْزُقْنا حُسْنَ مُصاحَبَتِهِ، وَاعْصِمْنا مِنْ سُوءِ مُفارَقَتِهِ، بِارْتِكابِ جَريرَة، اَوِ اقْتِرافِ صَغيرَة اَوْ كَبيرَة، وَاَجْزِلْ لَنا فيهِ مِنَ الْحَسَناتِ، وَاَخْلِنا فيهِ مِنَ السَّيِّئاتِ، وَامْلاَْ لَنا ما بَيْنَ طَرَفيهِ حمْداً وَشُكْراً، وَاَجْراً وَذُخْراً، وَفَضْلاً وَاِحْساناً.
اَللّهُمَّ يَسِّرْ عَلَى الْكِرامِ الْكاتِبينَ مَؤُونَتَنا، وَامْلاَْ لَنا مِنْ حَسَناتِنا صَحائفَنا، وَلا تُخْزِنا عِنْدَهُمْ بِسُوءِ اَعْمالِنا. اَللّهُمَّ اجْعَلْ لَنا في كُلِّ ساعَة مِنْ ساعاتِهِ حَظّاً مِنْ عِبادِكَ، وَ نَصيباً مِنْ شُكْرِكَ، وَشاهِدَ صِدْق مِنْ مَلائِكَتِكَ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاحْفَظْنا مِنْ بَيْنَ اَيْدِينا، وَمِنْ خَلْفِنا وَعَنْ اَيْمانِنا وَعَنْ شَمآئِلِنا وَمِنْ جَميعِ نَواحينا، حِفْظاً عاصِماً مِنْ مَعْصِيَتِكَ، هادِياً اِلى طاعَتِكَ، مُسْتَعْمِلاً لِمَحَبَّتِكَ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَوَفِّقْنا في يَوْمِنا هذا وَلَيْلَتِنا هذِهِ وَفي جَميعِ اَيّامِنا لاِِسْتِعْمالِ الْخَيْرِ، وَهِجْرانِ الشَّرِّ، وَشُكْرِ النِّعَمِ، وَ اِتِّباعِ السُّنَنِ، وَمُجانَبَةِ الْبِدَعِ، وَالاَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحِياطَةِ الاِْسْلامِ، وَانْتِقاصِ الْباطِلِ وَاِذْلالِهِ، وَنُصْرَةِ الْحَقِّ وَاِعْزازِهِ، وَاِرْشادِ الضّالِّ، وَمُعاوَنَةِ الضَّعيفِ، وَاِدْراكِ اللَّهيفِ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاجْعَلْهُ اَيْمَنَ يَوْم عَهِدْناهُ، وَاَفْضَلَ صاحِب صَحِبْناهُ، وَخَيْرَ وَقْت ظَلِلْنا فيهِ. وَاجْعَلْنا مِنْ اَرْضى مَنْ مَرَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِك، اَشْكَرَهُمْ لِما اَوْلَيْتَ مِنْ نِعَمِكَ، وَاَقْوَمَهُمْ بِما شَرَعْتَ مِنْ شَرآئِعِكَ، وَاَوْقَفَهُمْ عَمّا حَذَّرْتَ مِنْ نَهْيِكَ.
اَللّهُمَّ اِنّي اُشْهِدُكَ وَكَفى بِكَ شَهيداً، وَاُشْهِدُ سَمآءَكَ وَاَرْضَكَ وَمَنْ اَسْكَنْتَهُما مِنْ مَلآئِكَتِكَ وَسآئِرِ خَلْقِكَ في يَوْمي هذا وَساعَتي هذِهِ وَلَيْلَتي هذِهِ وَمُسْتَقَرّي هذا، اَنّي اَشْهَدُ اَنَّكَ اَنْتَ اللهُ الَّذي لا اِلهَ اِلاّ اَنْتَ، قآئِمٌ بِالْقِسْطِ، عَدْلٌ فِي الْحُكْمِ، رَؤُوفٌ بِالْعِبادِ، مالِكُ الْمُلْكِ، رَحيمٌ بِالْخَلْقِ. وَاَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَخِيَرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ، حَمَّلْتَهُ رِسالَتَكَ فَاَدّاها، وَاَمَرْتَهُ بِالنُّصْحِ لاُِمَّتِهِ فَنَصَحَ لَها.
اَللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، اَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ عَلى اَحَد مِنْ خَلْقِكَ، وَآتِهِ عَنّا اَفْضَلَ ما آتَيْتَ اَحَداً مِنْ عِبادِكَ، وَاجْزِهِ عَنّا اَفْضَلَ وَاَكْرَمَ ما جَزَيْتَ اَحَداً مِنْ اَنْبِيائِكَ عَنْ اُمَّتِهِ، اِنَّكَ اَنْتَ الْمَنّانُ بِالْجَسيمِ، الْغافِرُ لِلْعَظيمِ، وَاَنْتَ اَرْحَمُ مِنْ كُلِّ رَحيم، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ الاَْخْيارِ الاَْنْجَبينَ.
يا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ الْمَكارِهِ، وَيا مَنْ يُفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدائِدِ، وَيا مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ الْمَخْرَجُ اِلى رَوْحِ الْفَرَجِ، ذَلَّتْ لِقُدْرَتِكَ الصِّعابُ، وَتَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الاَْسْبابُ، وَجَرى بِقُدْرَتِكَ الْقَضآءُ، وَمَضَتْ عَلى اِرادَتِكَ الاَْشْياءُ، فَهِيَ بِمَشِيَّتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ، وَبِاِرادَتِكَ دُوَنَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌ.
اَنْتَ الْمَدْعُوُّ لِلْمُهِمّاتِ، وَاَنْتَ الْمَفْزَعُ فِي الْمُلِمّاتِ، لا يَنْدَفِعُ مِنْها اِلاّ ما دَفَعْتَ، وَلا يَنْكَشِفُ مِنْها اِلاّ ما كَشَفْتَ، وَقَدْ نَزَلَ بي يا رَبِّ ما قَدْ تَكَأَّدَني ثِقْلُهُ، وَا َلَمَّ بي ما قَدْ بَهَظَني حَمْلُهُ، وَبِقُدْرَتِكَ اَوْرَدْتَهُ عَلَيَّ، وَبِسُلْطانِكَ وَجَّهْتَهُ اِلَيَّ، فَلا مُصْدِرَ لِما اَوْرَدْتَ، وَلا صارِفَ لِما وَجَّهْتَ، وَلا فاتِحَ لِما اَغْلَقْتَ، وَلا مُغْلِقَ لِما فَتَحْتَ، وَلا مُيَسِّرَ لِما عَسَّرْتَ، وَلا ناصِرَ لِمَنْ خَذَلْتَ.
فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَافْتَحْ لي يا رَبِّ بابَ الْفَرَجِ بِطَوْلِكَ، وَاكْسِرْ عَنّي سُلْطانَ الْهَمِّ بِحَوْلِكَ، وَاَنِلْني حُسْنَ النَّظَرِ فيما شَكَوْتُ، وَاَذِقْني حَلاوَةَ الصُّنْعِ فيما سَاَلْتُ، وَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَفَرَجاً هَنيئاً، وَاجْعَلْ لي مِنْ عِنْدِكَ مَخْرَجاً وَحِيّاً، وَلا تَشْغَلْني بِالاِهْتِمامِ عَنْ تَعاهُدِ فُرُوضِكَ، وَاسْتِعْمالِ سُنَّتِكَ، فَقَدْ ضِقْتُ لِما نَزَلَ بي يا رَبِّ ذَرْعاً، وَامْتَلاَْتُ بِحَمْلِ ما حَدَثَ عَلَيَّ هَمّاً، وَاَنْتَ الْقادِرُ عَلى كَشْفِ ما مُنيتُ بِهِ، وَدَفْعِ ما وَقَعْتُ فيهِ، فَافْعَلْ بي ذلِكَ وَاِنْ لَمْ اَسْتَوْجِبْهُ مِنْكَ، يا ذَا الْعَرْشِ الْعَظيمِ.
اَللّهُمَّ اِنّي اَعُوذُ بِكَ مِنْ هَيَجانِ الْحِرْصِ، وَسَوْرَةِ الْغَضَبِ، وَغَلَبَةِ الْحَسَدِ، وَضَعْفِ الصَّبْرِ، وَقِلَّةِ الْقَناعَةِ، وَشَكاسَةِ الْخُلُقِ، وَاِلْحاحِ الشَّهْوَةِ، وَمَلَكَةِ الْحَمِيَّةِ، وَمُتابَعَةِ الْهَوى، وَمُخالَفَةِ الْهُدى، وَسِنَةِ الْغَفْلَةِ، وَتَعاطِي الْكُلْفَةِ، وَايثارِ الْباطِلِ عَلَى الْحَقِّ، وَالاِْصْرارِ عَلَى الْمَأْثَمِ، وَاسْتِصْغارِ الْمَعْصِيَةِ، وَاسْتِكْبارِ الطّاعَةِ، وَمُباهاةِ الْمُكْثِرينَ، وَالاِْزْراءِ بِالْمُقِلّينَ، وَسُوءِ الْوِلايَةِ لِمَنْ تَحْتَ اَيْدينا، وَتَرْكِ الشُّكْرِ لِمَنْ اصْطَنَعَ الْعارِفَةَ عِنْدَنا، اَوْ اَنْ نَعْضُدَ ظالِماً، اَوْ نَخْذُلَ مَلْهُوفاً، اَوْ نَرُومَ ما لَيْسَ لَنا بِحَقٍّ، اَوْ نَقُولَ فِي الْعِلْمِ بِغَيْرِ عِلْم.
وَنَعُوذُ بِكَ اَنْ نَنْطَوِيَ عَلى غِشِّ اَحَد، وَاَنْ نُعْجِبَ بِاَعْمالِنا، وَنَمُدَّ في آمالِنا. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ سُوءِ السَّريرَةِ، وَاحْتِقارِ الصَّغيرَةِ، وَاَنْ يَسْتَحْوِذَ عَلَيْنا الشَّيْطانُ، اَوْ يَنْكُبَنَا الزَّمانُ، اَوْ يَتَهَضَّمَنَا السُّلْطانُ.
وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ تَناوُلِ الاِْسْرافِ، وَمِنْ فِقْدانِ الْكَفافِ. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَماتَةِ الاَْعْدآءِ، وَمِنَ الْفَقْرِ اِلَى الاَْكْفاءِ، وَمِنْ مَعيشَة في شِدَّة، وَ ميتَة عَلى غَيْرِ عُدَّة. وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الْحَسْرَةِ الْعُظْمى، وَالْمُصيبَةِ الْكُبْرى، وَاَشْقَى الشَّقاءِ، وَسُوءِ الْمَآبِ، وَحِرْمانِ الثَّوابِ، وَحُلُولِ الْعِقابِ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاَعِذْني مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِرَحْمَتِكَ وَجَميعَ الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ، يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَصَيِّرْنا اِلى مَحْبُوبِكَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَاَزِلْنا عَنْ مَكْرُوهِكَ مِنَ الاِْصْرارِ.
اَللّهُمَّ وَمَتى وَقَفْنا بَيْنَ نَقْصَيْنِ في دِين اَوْدُنْيا، فَاَوْقِعِ النَّقْصَ بِاَسْرَعِهِما فَنآءً، وَاجْعَلِ التَّوْبَةَ في اَطْوَلِهِما بَقآءً، وَاِذا هَمَمْنا بِهَمَّيْنِ يُرْضيكَ اَحَدُهُما عَنّا، وَيُسْخِطُكَ الاْخَرُ عَلَيْنا، فَمِلْ بِنا اِلى ما يُرْضيكَ عَنّا، وَاَوْهِنْ قُوَّتَنا عَمّا يُسْخِطُكَ عَلَيْنا. وَلا تُخَلِّ في ذلِكَ بَيْنَ نُفُوسِنا وَاخْتِيارِها، فَاِنَّها مُخْتارَةٌ لِلْباطِلِ اِلاّ ما وَفَّقْتَ، اَمّارَةٌ بِالسُّوءِ اِلاّ ما رَحِمْتَ.
اَللّهُمَّ وَاِنَّكَ مِنَ الضُّعْفِ خَلَقْتَنا، وَعَلَى الْوَهْنِ بَنَيْتَنا، وَمِنْ ماء مَهين ابْتَدَأْتَنا، فَلا حَوْلَ لَنا اِلاّ بِقُوَّتِكَ، وَلا قُوَّةَ لَنا اِلاّ بِعَوْنِكَ. فَاَيِّدْنا بِتَوْفيقِكَ، وَسَدِّدْنا بِتَسْديدِكَ، وَاَعْمِ اَبْصارَ قُلُوبِنا عَمّا خالَفَ مَحَبَّتَكَ، وَلا تَجْعَلْ لِشَيْء مِنْ جَوارِحِنا نُفُوذاً في مَعْصِيَتِكَ.
اَللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاَجْعَلْ هَمَساتِ قُلُوبِنا، وَحَرَكاتِ اَعْضآئِنا، وَلَمحاتِ اَعْيُنِنا، وَلَهَجاتِ اَلْسِنَتِنا في مُوجِباتِ ثَوابِكَ حَتّى لا تَفُوتَنا حَسَنَةٌ نَسْتَحِقُّ بِها جَزآءَكَ، وَلا تَبْقى لَنا سَيِّئَةٌ نَسْتَوْجِبُ بِها عِقابَكَ.
اَللّهُمَّ اِنْ تَشَأْ تَعْفُ عَنّا فَبِفْضْلِكَ، وَاِنْ تَشَأْ تُعَذِّبْنا فَبِعَدْلِكَ، فَسَهِّلْ لَنا عَفْوَكَ بِمَنِّكَ، وَاَجِرْنا مِنْ عَذابِكَ بِتَجاوُزِكَ، فَاِنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِعَدْلِكَ، وَلا نَجاةَ لاَِحَد مِنّا دُونَ عَفْوِكَ.
يا غَنِيَّ الاَْغْنِيآءِ، ها، نَحْنُ عِبادُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاَنَا اَفْقَرُ الْفُقَراءِ اِلَيْكَ، فَاجْبُرْ فاقَتَنا بِوُسْعِكَ، وَلا تَقْطَعْ رَجآءَنا بِمَنْعِكَ، فَتَكُونَ قَدْ اَشْقَيْتَ مَنِ اسْتَسْعَدَ بِكَ، وَحَرَمْتَ مَنِ اسْتَرْفَدَ فَضْلَكَ، فِاِلى مَنْ حينَئِذ مُنْقَلَبُنا عَنْكَ؟ وَاِلى اَيْنَ مَذْهَبُنا عَنْ بابِكَ؟
سُبْحانَكَ نَحْنُ الْمُضْطَرُّونَ الَّذينَ اَوْجَبْتَ اِجابَتَهُمْ، وَاَهْلُ السُّوءِ الَّذينَ وَعَدْتَ الْكَشْفَ عَنْهُمْ.
وَاَشْبَهُ الاَْشْياءِ بِمَشِيَّتِكَ، وَاَوْلَى الاُْمُورِ بِكَ في عَظَمَتِكَ، رَحْمَةُ مَنِ اسْتَرْحَمَكَ، وَغَوْثُ مَنِ اسْتَغاثَ بِكَ، فَارْحَمْ تَضَرُّعَنا اِلَيْكَ، وَ اَغْنِنا اِذْ طَرَحْنا اَنْفُسَنا بَيْنَ يَدَيْكَ.
اَللّهُمَّ اِنَّ الشَّيْطانَ قَدْ شَمِتَ بِنا اِذْ شايَعْناهُ عَلى مَعْصِيَتِكَ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَلا تُشْمِتْهُ بِنا بَعْدَ تَرْكِنا اِيّاهُ لَكَ، وَرَغْبَتِنا عَنْهُ اِلَيْكَ.
يا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذّاكِرينَ، وَ يا مَنْ شُكْرُهُ فَوْزٌ لِلشّاكِرينَ، وَيا مَنْ طاعَتُهُ نَجاةٌ لِلْمُطيعينَ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاشْغَلْ قُلُوبَنا بِذِكْرِكَ عَنْ كُلِّ ذِكْر، وَاَلْسِنَتَنا بِشُكْرِكَ عَنْ كُلِّ شُكْر، وَجَوارِحَنا بِطاعَتِكَ عَنْ كُلِ طاعَة، فَاِنْ قَدَّرْتَ لَنا فَراغاً مِنْ شُغْل فَاجْعَلْهُ فَراغَ سَلامَة لا تُدْرِكُنا فيهِ تَبِعَةٌ، وَلا تَلْحَقُنا فيهِ سَأْمَةٌ، حَتّى يَنْصَرِفَ عَنّا كُتّابُ السِّيِّئاتِ بِصحيفة خالِيَة مِنْ ذِكْرِ سَيِّئاتِنا، وَيَتَوَلّى كُتّابُ الْحَسَناتِ عَنّا مَسْرُورينَ بِما كَتَبُوا مِنْ حَسَناتِنا.
وَاِذَا انْقَضَتْ اَيّامُ حَياتِنا، وَتَصَرَّمَتْ مُدَدُ اَعْمارِنا، وَاسْتَحْضَرَتْنا دَعْوَتُكَ الَّتي لابُدَّ مِنْها وَمِنْ اِجابَتِها، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاجْعَلْ خِتامَ ما تُحْصي عَلَيْنا كَتَبَةُ اَعْمالِنا تَوْبَةً مَقْبُولَةً لا تُوقِفُنا بَعْدَها عَلى ذَنْب اجْتَرَحْناهُ، وَلا مَعْصِيَة اقْتَرَفْناها، وَلا تَكْشِفُ عَنّا سِتْراً سَتَرْتَهُ عَلى رُؤُوسِ الاَْشْهادِ، يَوْمَ تَبْلُو اَخْبارَ عِبادِكَ. اِنَّكَ رَحيمٌ بِمَنْ دَعاكَ، وَمُسْتَجيبٌ لِمَنْ ناداكَ.
اَللّهُمَّ اِنَّهُ يَحْجُبُني عَنْ مَسْأَلَتِكَ خِلالٌ ثَلاثٌ، وَتَحْدُوني عَلَيْها خِلَّةٌ واحِدَةٌ، يَحْجُبُني اَمْرٌ اَمَرْتَ بِهِ فَاَبْطَأْتُ عَنْهُ، وَ نَهْيٌ نَهَيْتَني عَنْهُ فَاَسْرَعْتُ اِلَيْهِ، وَنِعْمَةٌ اَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ فَقَصَّرْتُ في شُكْرِها. وَيَحْدُوني عَلى مَسْأَلَتِكَ تَفَضُّلُكَ عَلى مَنْ اَقْبَلَ بِوَجْهِهِ اِلَيْكَ، وَوَفَدَ بِحُسْنِ ظَنِّهِ اِلَيْكَ، اِذْ جَميعُ اِحْسانِكَ تَفَضُّلٌ، وِاِذْ كُلُّ نِعَمِكَ ابْتِدآءٌ.
فَها اَنَاذا، يا اِلهي، واقِفٌ بِبابِ عِزِّكَ وُقُوفَ الْمُسْتَسْلِمِ الذَّليلِ، و سائِلُكَ عَلَى الْحَيآءِ مِنّي سُؤالَ الْبآئسِ الْمُعيل مُقِرٌّ لَكَ بِاَنّي لَمْ اَسْتَسْلِمْ وَقْتَ اِحْسانِكَ اِلاّ بِالاِْقْلاعِ عَنْ عِصْيانِكَ، وَلَمْ اَخْلُ فِي الْحالاتِ كُلِّها مِنِ امْتِنانِكَ. فَهَلْ يَنْفَعُني، يا اِلهي، اِقْراري عِنْدَكَ بِسُوءِ مَا اكْتَسَبْتُ؟ وَهَلْ يُنْجِيني مِنْكَ اعْتِرافي لَكَ بِقَبيحِ مَا ارْتَكَبْتُ؟ اَمْ اَوْجَبْتَ لي في مَقامي هذا سُخْطَكَ؟ اَمْ لَزِمَني في وَقْتِ دُعآئي مَقْتُكَ؟
سُبْحانَكَ، لا اَيْأَسُ مِنْكَ وَقَدْ فَتَحْتَ لي بابَ التَّوْبَةِ اِلَيْكَ، بَلْ اَقْوُلُ مَقالَ الْعَبْدِ الذَّليلِ الظّالِمِ لِنَفْسِهِ الْمُسْتَخِفِّ بِحُرْمَةِ رَبِّهِ، الَّذي عَظُمَتْ ذُنُوبُهُ فَجَلَّتْ، وَاَدْبَرَتْ اَيّامُهُ فَوَلَّتْ، حَتّى اِذا رَاى مُدَّةَ الْعَمَلِ قَدِ انْقَضَتْ، وَغايَةَ الْعُمُرِ قَدِ انْتَهَتْ، وَاَيْقَنَ اَنَّهُ لا مَحيصَ لَهُ مِنْكَ، وَلا مَهْرَبَ لَهُ عَنْكَ، تَلَقّاكَ بِالاِْنابَةِ، وَاَخْلَصَ لَكَ التَّوْبَةَ، فَقامَ اِلَيْكَ بِقَلْب طاهِر نَقِيٍّ، ثُمَّ دَعاكَ بِصَوْت حآئِل خَفِيٍّ، قَدْ تَطَأْطَاَ لَكَ فَانْحَنى، وَنَكَّسَ رَأْسَهُ فَانْثَنى، قَدْ اَرْعَشَتْ خَشْيَتُهُ رِجْلَيْهِ، وَغَرَّقَتْ دُمُوعُهُ خَدَّيْهِ، يَدْعُوكَ بِيا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ، وَيا اَرْحَمَ مَنِ انْتابَهُ الْمُسْتَرْحِمُونَ، وَيا اَعْطَفَ مَنْ اَطافَ بِهِ الْمُسْتَغْفِرُونَ، وَيا مَنْ عَفْوُهُ اَكْثَرُ مِنْ نَقْمَتِهِ، وَيا مَنْ رِضاهُ اَوْفَرُ مِنْ سَخَطِهِ. وَيا مَنْ تَحَمَّدَ اِلى خَلْقِهِ بِحُسْنِ التَّجاوُزِ، وَيا مَنْ عَوَّدَ عِبادَهُ قَبُولَ الاِْنابَةِ، وَيا مَنِ اسْتَصْلَحَ فاسِدَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَيا مَنْ رَضِىَ مِنْ فِعْلِهِمْ بِالْيَسيرِ، وَ يا مَنْ كافأَ قَليلَهُمْ بِالْكَثيرِ، وَيا مَنْ ضَمِنَ لَهُمْ اِجابَةَ الدُّعاءِ، وَيا مَنْ وَعَدَهُمْ عَلى نَفْسِهِ بِتَفَضُّلِهِ حُسْنَ الْجَزآءِ.
ما اَنَا بِاَعْصى مَنْ عَصاكَ فَغَفَرْتَ لَهُ، وَما اَنَا بِاَلْوَمِ مَنِ اعْتَذَرَ اِلَيْكَ فَقَبِلْتَ مِنْهُ، وَما اَنَا بِاَظْلَمِ مَنْ تابَ اِلَيْكَ فَعُدْتَ عَلَيْهِ.
اَتُوبُ اِلَيْكَ في مَقامي هذا تَوْبَةَ نادِم عَلى ما فَرَطَ مِنْهُ، مُشْفِق مِمّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ، خالِصِ الْحَياءِ مِمّا وَقَعَ فيهِ، عالِم بِاَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ الْعَظيمِ لا يَتَعاظَمُكَ، وَاَنَّ التَّجاوُزَ عَنِ الاِْثْمِ الْجَليلِ لا يَسْتَصْعِبُكَ، وَاَنَّ احْتِمالَ الْجِناياتِ الْفاحِشَةِ لا يَتَكَأَّدُكَ، وَاَنَّ اَحَبَّ عِبادِكَ اِلَيْكَ مَنْ تَرَكَ الاِْسْتِكْبارَ عَلَيْكَ، وَجانَبَ الاِْصْرارَ، وَلَزِمَ الاِْسْتِغْفارَ.
وَاَنَا اَبْرَءُ اِلَيْكَ مِنْ اَنْ اَسْتَكْبِرَ، وَاَعُوذُ بِكَ مِنْ اَنْ اُصِرَّ، وَاَسْتَغْفِرُكَ لِما قَصَّرْتُ فيهِ، وَاَسْتَعينُ بِكَ عَلى ما عَجَزْتُ عَنْهُ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَهَبْ لي ما يَجِبُ عَلَيَّ لَكَ، وَعافِني مِمّا اَسْتَوْجِبُهُ مِنْكَ، وَاَجِرْني مِمّا يَخافُهُ اَهْلُ الاِْسآءَةِ، فَاِنَّكَ مَليءٌ بِالْعَفْوِ، مَرْجُوٌّ لِلْمَغْفِرَةِ، مَعْرُوفٌ بِالتَّجاوُزِ، لَيْسَ لِحاجَتي مَطْلَبٌ سِواكَ، وَلا لِذَنْبي غافِرٌ غَيْرُكَ، حاشاكَ، وَلا اَخافُ عَلى نَفْسي اِلاّ اِيّاكَ، اِنَّكَ اَهْلُ التَّقْوى وَاَهْلُ الْمَغْفِرَةِ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَاقْضِ حاجَتي، وَاَنْجِحْ طَلِبَتي، وَاغْفِرْ ذَنْبي، وَآمِنْ خَوْفَ نَفْسي، اِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ، وَذلِكَ عَلَيْكَ يَسيرٌ، آمينَ رَبَّ الْعالَمينَ.
اَللّهُمَّ يا مُنْتَهى مَطْلَبِ الْحاجاتِ، وَيا مَنْ عِنْدَهُ نَيْلُ الطَّلِباتِ، وَيا مَنْ لا يَبيعُ نِعَمَهُ بِالاَْثْمانِ، وَيا مَنْ لا يُكَدِّرُ عَطاياهُ بِالاِْمْتِنانِ، وَيا مَنْ يُسْتَغْنى بِهِ وَلا يُسْتَغْنى عَنْهُ، وَيا مَنْ يُرْغَبُ اِلَيْهِ وَلا يُرْغَبُ عَنْهُ، وَيا مَنْ لا تُفْني خَزآئِنَهُ الْمَسائِلُ، وَيا مَنْ لا تُبَدِّلُ حِكْمَتَهُ الْوَسآئِلُ، وَيا مَنْ لا تَنْقَطِعُ عَنْهُ حَوآئِجُ الْمُحْتَاجينَ، وَيا مَنْ لا يُعَنِّيهِ دُعآءُ الدّاعينَ.
تَمَدَّحْتَ بِالْغَنآءِ عَنْ خَلْقِكَ وَاَنْتَ اَهْلُ الْغِنى عَنْهُمْ، وَنَسَبْتَهُمْ اِلَى الْفَقْرِ وَهُمْ اَهْلُ الْفَقْرِ اِلَيْكَ، فَمَنْ حاوَلَ سَدَّ خَلَّتِهِ مِنْ عِنْدِكَ، وَرامَ صَرْفَ الْفَقْرِ عَنْ نَفْسِهِ بِكَ فَقَدْ طَلَبَ حاجَتَهُ في مَظانِّها، وَاَتى طَلِبَتَهُ مِنْ وَجْهِها، وَمَنْ تَوَجَّهَ بِحاجَتِهِ اِلى اَحَد مِنْ خَلْقِكَ، اَوْ جَعَلَهُ سَبَبَ نُجْحِها دُونَكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْحِرْمانِ، وَاسْتَحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَوْتَ الاِْحْسانِ.
اَللّهُمَّ وَلي اِلَيْكَ حاجَةٌ قَدْ قَصَّرَ عَنْها جُهْدي، وَتَقَطَّعَتْ دُونَها حِيَلي، وَسَوَّلَتْ لي نَفْسي رَفْعَها اِلى مَنْ يَرْفَعُ حَوائِجَهُ اِلَيْكَ، وَلا يَسْتَغْني في طَلِباتِهِ عَنْكَ، وَهِيَ زَلَّةٌ مِنْ زَلَلِ الْخاطِئينَ، وَعَثْرَةٌ مِنْ عَثَراتِ الْمُذْنِبينَ. ثُمَّ انْتَهَبْتُ بِتَذْكيرِكَ لي مِنْ غَفْلَتي، وَنَهَضْتُ بِتَوْفيقِكَ مِنْ زَلَّتي، وَرَجَعْتُ وَنَكَصْتُ بِتَسْديدِكَ عَنْ عَثْرَتي، وَقُلْتُ: سُبْحانَ رَبّي، كَيْفَ يَسْأَلُ مُحْتاجٌ مُحْتاجاً؟! وَاَ نّى يَرْغَبُ مُعْدِمٌ اِلى مُعْدِم؟!
فَقَصَدْتُكَ، يا اِلهي، بِالرَّغْبَةِ، وَاَوْفَدْتُ عَلَيْكَ رَجائي بِالثِّقَةِ بِكَ. وَعَلِمْتُ اَنَّ كَثيرَ ما اَسْألُكَ يَسيرٌ في وُجْدِكَ، وَاَنَّ خَطيرَما اَسْتَوْهِبُكَ حَقيرٌ في وُسْعِكَ، وَ اَنَّ كَرَمَكَ لا يَضيقُ عَنْ سُؤالِ اَحَد، وَاَنَّ يَدَكَ بِالْعَطايا اَعْلى مِنْ كُلِّ يَد.
اَللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاحْمِلْني بِكَرَمِكَ عَلَى التَّفَضُّلِ، وَلا تَحْمِلْني بِعَدْلِكَ عَلَى الاِْسْتِحْقاقِ، فَما اَنَا بِاَوَّلِ راغِب رَغِبَ اِلَيْكَ فَاَعْطَيْتَهُ وَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْمَنْعَ، وَلا بِاَوَّلِ سآئِل سَأَ لَكَ فَاَفْضَلْتَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْتَوْجِبُ الْحِرْمانَ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَكُنْ لِدُعآئى مُجيباً، وَمِنْ نِدائي قَريباً، وَلِتَضَرُّعي راحِماً، وَلِصَوْتي سامِعاً، وَلا تَقْطَعْ رَجآئي عَنْكَ، وَلا تَبُتَّ سَبَبي مِنْكَ، وَلا تُوَجِّهْني في حاجَتي هذِهِ وَغَيْرِها اِلى سِواكَ، وَتَوَلَّني بِنُجْحِ طَلِبَتي وَقَضاءِ حاجَتي وَنَيْلِ سُؤْلي قَبْلَ زَوالي عَنْ مَوْقِفي هذا بِتَيْسيرِكَ لِيَ الْعَسيرَ وَحُسْنِ تَقْديرِكَ لي في جَميعِ الاُْمُورِ.
وَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، صَلاةً دآئِمَةً نامِيَةً لاَ انْقِطاعَ لاَِبَدِها وَلا مُنْتَهى لاَِمَدِها، وَاجْعَلْ ذلِكَ عَوْناً لي وَسَبَباً لِنَجاحِ طَلِبَتي، اِنَّكَ واسِعٌ كَريمٌ. وَمِنْ حاجَتي، يا رَبِّ: كَذا وَكَذا.
وتَذْكُرُ حاجَتَكَ ثُمَّ تَسْجُدُ وَتَقُولُ في سُجُودِكَ:
فَضْلُكَ آنَسَني، وَاِحْسانُكَ دَلَّني، فَاَسْأَلُكَ بِكَ وَبِمُحَمَّد وآلِهِ، صَلَواتُكَ عَلَيْهِمْ، اَن لا تَرُدَّني خآئِباً.
يا مَنْ لا يَخْفى عَلَيْهِ اَنْبآءُ الْمُتَظَلِّمينَ، وَيا مَنْ لا يَحْتاجُ في قَصَصِهِمْ اِلى شَهاداتِ الشّاهِدينَ، وَيا مَنْ قَرُبَتْ نُصْرَتُهُ مِنَ الْمَظْلُومينَ، وَيا مَنْ بَعُدَ عَوْنُهُ عَنِ الظّالِمينَ، قَدْ عَلِمْتَ، يا اِلهي، ما نالَني مِنْ «فُلانِ ابْنِ فُلان» مِمّا حَظَرْتَ وانْتَهَكَهُ مِنّي مِمّا حَجَزْتَ عَلَيْهِ، بَطَراً في نِعْمَتِكَ عِنْدَهُ، وَاغْتِراراً بِنَكيرِكَ عَلَيْهِ.
اَللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَخُذْ ظالِمي وَعَدُوّي عَنْ ظُلْمي بِقُوَّتِكَ، وَافْلُلْ حَدَّهُ عَنّي بِقُدْرَتِكَ، وَاجْعَلْ لَهُ شُغْلاً فيما يَليهِ، وَعَجْزاً عَمّا يُناويهِ.
اَللّهُمَّ وَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَلا تُسَوِّغْ لَهُ ظُلْمي، وَاَحْسِنْ عَلَيْهِ عَوْني، وَاعْصِمْني مِنْ مِثْلِ اَفْعالِهِ، وَلا تَجْعَلْني في مِثْلِ حالِهِ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاَعِدْني عَلَيْهِ عَدْوىً حاضِرَةً، تَكُونُ مِنْ غَيْظي بِهِ شِفآءً، وَمِنْ حَنَقي عَلَيْهِ وَفاءً.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَعَوِّضْني مِنْ ظُلْمِهِ لي عَفْوَكَ، وَاَبْدِلْني بِسُوءِ صَنيعِهِ بي رَحْمَتَكَ، فَكُلُّ مَكْرُوه جَلَلٌ دُونَ سَخَطِكَ، وَكُلُّ مَرْزِئَة سَوآءٌ مَعَ مَوْجِدَتِكَ.
اَللّهُمَّ فَكَما كَرَّهْتَ اِلَيَّ اَنْ اُظْلَمَ فَقِني مِنْ اَنْ اَظْلِمَ.
اَللّهُمَّ لا اَشْكُو اِلى اَحَد سِواكَ، وَلا اَسْتَعينُ بِحاكِم غَيْرِكَ، حاشاك، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَصِلْ دُعائي بِالاِْجابَةِ، وَاقْرِنْ شِكايَتي بِالتَّغْييرِ.
اَللّهُمَّ لا تَفْتِنّي بِالْقُنُوطِ مِنْ اِنْصافِكَ، وَلا تَفْتِنْهُ بِالاَْمْنِ مِنْ اِنْكارِكَ، فَيُصِرَّ عَلى ظُلْمي، وَيُحاضِرَني بِحَقّي، وَعَرِّفْهُ عَمّا قَليل ما اَوْعَدْتَ الظّالِمينَ، وَعَرِّفْني ما وَعَدْتَ مِنْ اِجابَةِ الْمُضْطَرّينَ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَوَفِّقْني لِقَبُولِ ما قَضَيْتَ لي وَعَلَيَّ، وَرَضِّني بِما اَخَذْتَ لي وَمِنّي، وَاهْدِني لِلَّتي هِيَ اَقْوَمُ، وَاسْتَعْمِلْني بِما هُوَ اَسْلَمُ.
اَللّهُمَّ وَاِنْ كانَتِ الْخِيَرةُ لي عِنْدَكَ في تَأْخيرِ الاَْخْذِ لي وَتَرْكِ الاِْنْتِقامِ مِمَّنْ ظَلَمَني اِلى يَوْمِ الْفَصْلِ وَمَجْمَعِ الْخَصْمِ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاَيِّدْني مِنْكَ بِنِيَّة صادِقَة وَصَبْر دآئِم، وَاَعِذْني مِنْ سُوءِ الرَّغْبَةِ وَهَلَعِ اَهْلِ الْحِرْصِ، وَصَوِّرْ في قَلْبي مِثالَ مَا ادَّخَرْتَ لي مِنْ ثَوابِكَ، وَاَعْدَدْتَ لِخَصْمي مِنْ جَزآئِكَ وَعِقابِكَ، وَاجْعَلْ ذلِكَ سَبَباً لِقَناعَتي بِما قَضَيْتَ، وَثِقَتي بِما تَخَيَّرْتَ. آمينَ رَبَّ الْعالَمينَ، اِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ، وَاَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ.
اَللّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى ما لَمْ اَزَلْ اَتَصَرَّفُ فيهِ مِنْ سَلامَةِ بَدَني، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ما اَحْدَثْتَ بي مِنْ عِلَّة في جَسَدي. فَما اَدْري، يا اِلهي، اَيُّ الْحالَيْنِ اَحَقُّ بِالشُّكْرِ لَكَ؟ وَاَيُّ الْوَقْتَيْنِ اَوْلى بِالْحَمْدِ لَكَ؟ اَوَقْتُ الصِّحْةِ الَّتي هَنَّأْتَني فيها طَيِّباتِ رِزْقِكَ، وَنَشَّطْتَني بِها لاِبْتِغآءِ مَرْضاتِكَ وَفَضْلِكَ، وَقَوَّيْتَني مَعَها عَلى ما وَفَّقْتَني لَهُ مِنْ طاعَتِكَ؟ اَمْ وَقْتُ الْعِلَّةِ الَّتي مَحَّصْتَني بِها، وَالنِّعَمِ الَّتي اَتْحَفْتَني بِها، تَخْفيفاً لِما ثَقُلَ عَلَى ظَهْري مِنَ الْخَطيئاتِ، وَتَطْهيراً لِمَا انْغَمَسْتُ فيهِ مِنَ السَّيِّئاتِ، وَتَنْبيهاً لِتَناوُلِ التَّوْبَةِ، وَتَذْكيراً لِمَحْوِ الْحَوْبَةِ بِقَديمِ النِّعْمَةِ؟ وَفي خِلالِ ذلِكَ ما كَتَبَ لِيَ الْكاتِبانِ مِنْ زَكِّيِ الاَْعْمالِ، ما لا قَلْبٌ فَكَّرَ فيهِ، وَلا لِسانٌ نَطَقَ بِه، وَلا جارِحَةٌ تكَلَّفَتْهُ، بَلْ اِفْضالاً مِنْكَ عَلَيَّ، وَاِحْساناً مِنْ صَنيعِكَ اِلَيَّ.
اَللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَحَبِّبْ اِلَيَّ ما رَضيتَ لي، وَ يَسِّرْ لي ما اَحْلَلْتَ بي، وَطَهِّرْني مِنْ دَنَسِ ما اَسْلَفْتُ، وَامْحُ عَنّي شَرَّ ما قَدَّمْتُ، وَاَوْجِدْني حَلاوَةَ الْعافِيَةِ، وَاَذِقْني بَرْدَ السَّلامَةِ، وَاجْعَلْ مَخْرَجي عَنْ عِلَّتي اِلى عَفْوِكَ، وَمُتَحَوَّلي عَنْ صَرْعَتي اِلى تَجاوُزِكَ، وَ خَلاصي مِنْ كَرْبي اِلى رَوْحِكَ، وَسَلامَتي مِنْ هذِهِ الشِّدَّةِ اِلى فَرَجِكَ، اِنَّكَ الْمُتَفَضِّلُ بِالاِْحْسانِ، الْمُتَطَوِّلُ بِالاِْمْتِنانِ، الْوَهّابُ الْكَريمُ، ذُو الْجَلالِ وَالاِْكْرامِ.
اَللّهُمَّ يا مَنْ بِرَحْمَتِهِ يَسْتَغيثُ الْمُذْنِبُونَ، وَيا مَنْ اِلى ذِكْرِ اِحْسانِهِ يَفْزَعُ الْمُضْطَرُّونَ، وَيا مَنْ لِخيفَتِهِ يَنْتَحِبُ الْخاطِئوُنَ، يا اُنْسَ كُلِّ مُسْتَوْحِش غَريب، وَيا فَرَجَ كُلِّ مَكْرُوب كَئيب، وَيا غَوْثَ كُلِّ مَخْذُول فَريد، وَيا عَضُدَ كُلِّ مُحْتاج طَريد.
اَنْتَ الَّذي وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَ عِلْماً، وَاَنْتَ الَّذي جَعَلْتَ لِكُلِّ مَخْلُوق في نِعَمِكَ سَهْماً، وَاَنْتَ الَّذي عَفْوُهُ اَعْلى مِنْ عِقابِه، وَاَنْتَ الَّذي تَسْعى رَحْمَتُهُ اَمامَ غَضَبِه. وَاَنْتَ الَّذي عَطاؤُهُ اَكْثَرُ مِنْ مَنْعِه، وَاَنْتَ الَّذي اتَّسَعَ الْخَلآئِقُ كُلُّهُمْ في وُسْعِهِ. وَاَنْتَ الَّذي لا يَرْغَبُ في جَزآءِ مَنْ اَعْطاهُ، وَاَنْتَ الَّذي لا يُفْرِطُ في عِقابِ مَنْ عَصاهُ.
وَاَنَا، يا اِلهي عَبْدُكَ الَّذي اَمَرْتَهُ بِالدُّعآءِ فَقالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، ها اَنَا ذا، يا رَبِّ مَطْرُوحٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، اَنَا الَّذي اَوْقَرَتِ الْخَطايا ظَهْرَهُ، وَاَنَا الَّذي اَفْنَتِ الذُّنُوبُ عُمُرَهُ، وَاَنَا الَّذي بِجَهْلِهِ عَصاكَ وَلَمْ تَكُنْ اَهْلاً مِنْهُ لِذاكَ.
هَلْ اَنْتَ، يا اِلهي، راحِمٌ مَنْ دَعاكَ فَاُبلِغَ فِي الدُّعآءِ؟ اَمْ اَنْتَ غافِرٌ لِمَنْ بَكاكَ فَاُسرِعَ فِي الْبُكآءِ؟ اَمْ اَنْتَ مُتَجاوِزٌ عَمَّنْ عَفَّرَ لَكَ وَجْهَهُ تَذَلُّلاً؟ اَمْ اَنْتَ مُغْن مَنْ شَكا اِلَيْكَ فَقْرَهُ تَوَكُّلاً؟
اِلهي لا تُخَيِّبُ مَنْ لا يَجِدُ مُعْطِياً غَيْرَكَ، وَلا تَخْذُلْ مَنْ لا يَسْتَغْني عَنْكَ بِاَحَد دُونَكَ.
اِلهي فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَلا تُعْرِضْ عَنّي وَقَدْ اَقْبَلْتُ عَلَيْكَ، وَلا تَحْرِمْني وَقَدْ رَغِبْتُ اِلَيْكَ، وَلا تَجْبَهْني بِالرَّدِّ وَقَدِ انْتَصَبْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ، اَنْتَ الَّذي وَصَفْتَ نَفْسَكَ بِالرَّحْمَةِ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَارْحَمْني، وَاَنْتَ الَّذي سَمَّيْتَ نَفْسَكَ بِالْعَفْوِّ فَاعْفُ عَنّي.
قَدْ تَرى يا اِلهي، فَيْضَ دَمْعي مِنْ خيفَتِكَ، وَوَجيبَ قَلْبي مِنْ خَشْيَتِكَ، وَانْتِقاضَ جَوارِحي مِنْ هَيْبَتِكَ، كُلُّ ذلِكَ حَيآءً مِنْكَ بِسُوءِ عَمَلي، وَلِذلِكَ خَمَدَ صَوْتي عَنِ الْجَأْرِ اِلَيْكَ، وَكَلَّ لِساني عَنْ مُناجاتِكَ.
يا اِلهي فَلَكَ الْحَمْدُ فَكَمْ مِنْ عائِبَة سَتَرْتَها عَلَيَّ فَلَمْ تَفْضَحْني، وَكَمْ مِنْ ذَنْب غَطَّيْتَهُ عَلَيَّ فَلَمْ تَشْهَرْني، وَكَمْ مِنْ شآئِبَة اَلْمَمْتُ بِها فَلَمْ تَهْتِكْ عَنّي سِتْرَها، وَلَمْ تُقَلِّدْني مَكْرُوهَ شَنارِها، وَلَمْ تُبْدِ سَوْءاتِها لِمَنْ يَلْتَمِسُ مَعايبي مِنْ جيرَتي، وَحَسَدَةِ نِعْمَتِكَ عِنْدي. ثُمَّ لَمْ يَنْهَني ذلِكَ عَنْ اَنْ جَرَيْتُ اِلى سُوءِ ما عَهِدْتَ مِنّي.
فَمَنْ اَجْهَلُ مِنّي، يا اِلهي، بِرُشْدِهِ؟! وَمَنْ اَغْفَلُ مِنّي عَنْ حَظِّهِ! وَمَنْ اَبْعَدُ مِنّي مِنِ اسْتِصْلاحِ نَفْسِهِ حينَ اُنْفِقُ ما اَجْرَيْتَ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ فيما نَهَيْتَني عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِكَ؟! وَمَنْ اَبْعَدُ غَوْراً فِي الْباطِلِ، وَاَشَدُّ اِقْداماً عَلَى السُّوءِ مِنّي حينَ اَقِفُ بَيْنَ دَعْوَتِكَ وَدَعْوَةِ الشَّيْطانِ، فَاَتَّبِعُ دَعْوَتَهُ عَلى غَيْرِ عَمىً مِنّي في مَعْرِفَة بِهِ وَلا نِسْيان مِنْ حِفْظي لَهُ؟! وَاَنَا حينَئِذ مُوقِنٌ بِاَنَّ مُنْتَهى دَعْوَتِكَ اِلَى الْجَنَّةِ، وَمُنْتَهى دَعْوَتِهِ اِلَى النّارِ.
سُبْحانَكَ!! ما اَعْجَبَ ما اَشْهَدُ بِهِ عَلى نَفْسي، وَاُعَدِّدُهُ مِنْ مَكْتُومِ اَمْري. وَاَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ اَناتُكَ عَنّي، وَاِبْطآؤُكَ عَنْ مُعاجَلَتي، وَلَيْسَ ذلِكَ مِنْ كَرَمي عَلَيْكَ، بَلْ تَاَنِّياً مِنْكَ لي، وَتَفَضُّلاً مِنْكَ عَلَيَّ لاَِنْ اَرْتَدِعَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ الْمُسْخِطَةِ، وَاُقْلِعَ عَنْ سَيِّئاتِي الْمُخْلِقَةِ، وَلاَِنَّ عَفْوَكَ عَنّي اَحَبُّ اِلَيْكَ مِنْ عُقُوبَتي.
بَلْ اَنَا، يا اِلهي، اَكْثَرُ ذُنُوباً، وَاَقْبَحُ آثاراً، وَاَشْنَعُ اَفْعالاً، وَاَشَدُّ فِي الْباطِلِ تَهَوُّراً، وَاَضْعَفُ عِنْدَ طاعَتِكَ تَيَقُّظاً، وَاَقَلُّ لِوَعيدِكَ انْتِباهاً وَارْتِقاباً مِنْ اَنْ اُحْصِيَ لَكَ عُيُوبي، اَوْ اَقْدِرَ عَلى ذِكْرِ ذُنُوبي، وَاِنَّما اُوَبِّخُ بِهذا نَفْسي طَمَعاً في رَأْفَتِكَ الَّتي بِها صَلاحُ اَمْرِ الْمُذْنِبينَ، وَرَجآءً لِرَحْمَتِكَ الَّتي بِها فَكاكُ رِقابِ الْخاطِئينَ.
اَللّهُمَّ وَهذِهِ رَقَبَتي قَدْ اَرَقَّتْهَا الذُّنُوبُ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاَعْتِقْها بِعَفْوِكَ، وَهذا ظَهْري قَدْ اَثْقَلَتْهُ الْخَطايا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَخَفِّفْ عَنْهُ بِمَنِّكَ.
يا اِلهي لَوْ بَكَيْتُ اِلَيْكَ حَتّى تَسْقُطَ اَشْفارُ عَيْنَيَّ، وَانْتَحَبْتُ حَتّى يَنْقَطِعَ صَوْتي، وَقُمْتُ لَكَ حَتّى تَتَنَشَّرَ قَدَمايَ، وَرَكَعْتُ لَكَ حَتّى يَنْخَلِعَ صُلْبي، وَسَجَدْتُ لَكَ حَتّى تَتَفَقَّاَ حَدَقَتايَ، وَاَكَلْتُ تُرابَ الاَْرْضِ طُولَ عُمْري، وَشَرِبْتُ ماءَ الرَّمادِ آخِرَ دَهْري، وَذَكَرْتُكَ في خِلالِ ذلِكَ حَتّى يَكِلَّ لِساني، ثمَّ لَمْ اَرْفَعْ طَرْفي اِلى آفاقِ السَّمآءِ اسْتِحْياءً مِنْكَ مَا اسْتَوْجَبْتُ بِذلِكَ مَحْوَ سَيِّئَة واحِدَة مِنْ سَيِّئاتي.
وَاِنْ كُنْتَ تَغْفِرُ لي حينَ اَسْتَوْجِبُ مَغْفِرَتَكَ، وَتَعْفُو عَنّي حينَ اَسْتَحِقُّ عَفْوَكَ فَاِنَّ ذلِكَ غَيْرُ واجِب لي بِاسْتِحْقاق، وَلا اَنَا اَهْلٌ لَهُ بِاسْتيجاب، اِذْ كانَ جَزآئي مِنْكَ في اَوَّلِ ما عَصَيْتُكَ النّارَ، فَاِنْ تُعَذِّبْني فَاَنْتَ غَيْرُ ظالِم لي.
اِلهي، فَاِذْ قَدْ تَغَمَّدْتَني بِسِتْرِكَ فَلَمْ تَفْضَحْني، وَتَاَنَّيْتَني بِكَرَمِكَ فَلَمْ تُعاجِلْني، وَحَلُمْتَ عَنّي بِتَفَضُّلِكَ فَلَمْ تُغَيِّرْ نِعْمَتَكَ عَلَيَّ، وَلَمْ تُكَدِّرْ مَعْرُوفَكَ عِنْدي، فَارْحَمْ طُولَ تَضَرُّعي، وَشِدَّةَ مَسْكَنَتي، وَسُوءَ مَوْقِفي.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَقِني مِنَ الْمَعاصي، وَاسْتَعْمِلْني بِالطّاعَةِ، وَارْزُقْني حُسْنَ الاِْنابَةِ، وَطَهِّرْني بِالتَّوْبَةِ، وَاَيِّدْني بِالْعِصْمَةِ، وَاسْتَصْلِحْني بِالْعافِيَةِ، وَاَذِقْني حَلاوَةَ الْمَغْفِرَةِ، وَاجْعَلْني طَليقَ عَفْوِكَ، وَعَتيقَ رَحْمَتِكَ، وَاكْتُبْ لي اَماناً مِنْ سَخَطِكَ، وَبَشِّرْني بِذلِكَ فِي الْعاجِلِ دُونَ الاْجِلِ، بُشْرى اَعْرِفُها، وَعَرِّفْني فيهِ عَلامَةً اَتَبَيَّنُها، اِنَّ ذلِكَ لا يَضيقُ عَلَيْكَ في وُسْعِكَ، وَلا يَتَكَأَّدُكَ في قُدْرَتِكَ، وَلا يَتَصَعَّدُكَ في اَناتِكَ، وَلا يَؤُودُكَ في جَزيلِ هِباتِكَ الَّتي دَلَّتْ عَلَيْها آياتُكَ، اِنَّكَ تَفْعَلُ ما تَشآءُ، وَتَحْكُمُ ما تُريدُ، اِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ.
اَللّهُمَّ اِنّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ نَزَغاتِ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ وَكَيْدِهِ وَمَكائِدِهِ، وَمِنَ الثِّقَةِ بِاَمانِيِّهِ وَ مَواعيدِهِ وَغُرُورِهِ وَمَصائِدِهِ، وَاَنْ يُطْمِعَ نَفْسَهُ في اِضْلالِنا عَنْ طاعَتِكَ، وَامْتِهانِنا بِمَعْصِيَتِكَ، اَوْ اَنْ يَحْسُنَ عِنْدَنا ما حَسَّنَ لَنا، اَوْ اَنْ يَثْقُلَ عَلَيْنا ما كَرَّهَ اِلَيْنا.
اَللّهُمَّ اخْسَأْهُ عَنّا بِعِبادَتِكَ، وَاكْبِتْهُ بِدُؤُوبِنا في مَحَبَّتِكَ، وَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَهُ سِتْراً لا يَهْتِكُهُ، وَرَدْماً مُصْمَتا لا يَفْتُقُهُ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاشْغَلْهُ عَنّا بِبَعْضِ اَعْدآئِكَ، وَاعْصِمْنا مِنْهُ بِحُسْنِ رِعايَتِكَ، وَاكْفِنا خَتْرَهُ، وَوَلِّنا ظَهْرَهُ، وَاقْطَعْ عَنّا اِثْرَهُ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاَمْتِعْنا مِنَ الْهُدى بِمِثْلِ ضَلالَتِهِ، وَ زَوِّدْنا مِنَ التَّقْوى ضِدَّ غَوايَتِهِ، وَاسْلُكْ بِنا مِنَ التُّقى خِلافَ سَبيلِهِ مِنَ الرَّدى.
اَللّهُمَّ لا تَجْعَلْ لَهُ في قُلُوبِنا مَدْخَلاً، وَلا تُوطِنَنَّ لَهُ فيما لَدَيْنا مَنْزِلاً.
اَللّهُمَّ وَما سَوَّلَ لَنا مِنْ باطِل فَعَرِّفْناهُ، وَاِذا عَرَّفْتَناهُ فَقِناهُ، وَبَصِّرْنا ما نُكايِدُهُ بِه، وَاَلْهِمْنا ما نُعِدُّهُ لَهُ، وَاَيْقِظْنا عَنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ بِالرُّكُونِ اِلَيْهِ، وَاَحْسِنْ بِتَوْفيقِكَ عَوْنَنا عَلَيْهِ.
اَللّهُمَّ وَاَشْرِبْ قُلُوبَنا اِنْكارَ عَمَلِهِ، وَالْطُفْ لَنا في نَقْضِ حِيَلِهِ.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَحَوِّلْ سُلْطانَهُ عَنّا، وَاقْطَعْ رَجآءَهُ مِنّا، وَادْرَأْهُ عَنِ الْولُوعِ بِنا.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاجْعَلْ آبآءَنا وَاُمَّهاتِنا وَاَوْلادَنا وَاَهالِيَنا وَذَوي اَرْحامِنا وَقَراباتِنا وَجيرانَنا مِنَ الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ مِنْهُ في حِرْز حارِز، وَحِصْن حافِظ، وَكَهْف مانِع، وَاَلْبِسْهُمْ مِنْهُ جُنَناً واقِيَةً، وَاَعْطِهِمْ عَلَيْهِ اَسْلِحَةً ماضِيَةً.
اَللّهُمَّ وَاعْمُمْ بِذلِكَ مَنْ شَهِدَ لَكَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَاَخْلَصَ لَكَ بِالْوَحْدانِيَّةِ، وَعاداهُ لَكَ بِحَقيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ، وَاسْتَظْهَرَ بِكَ عَلَيْهِ في مَعْرِفَةِ الْعُلُومِ الرَّبّانِيَّةِ.
اَللّهُمَّ احْلُلْ ما عَقَدَ، وَافْتُقْ مارَتَقَ، وَافْسَخْ ما دَبَّرَ، وَثَبِّطْهُ اِذا عَزَمَ، وَانْقُضْ ما اَبْرَمَ.
اَللّهُمَّ وَاهْزِمْ جُنْدَهُ، وَاَبْطِلْ كَيْدَهُ، وَاهْدِمْ كَهْفَهُ، وَاَرْغِمْ اَنْفَهُ.
اَللّهُمَّ اجْعَلْنا في نَظْمِ اَعْدائِهِ، وَاعْزِلْنا عَنْ عِدادِ اَوْلِيآئِهِ، لا نُطيعُ لَهُ اِذَا اسْتَهْوانا، وَلا نَسْتَجيبُ لَهُ اِذا دَعانا، نَأْمُرُ بِمُناواتِه مَنْ اَطاعَ اَمْرَنا، وَنَعِظُ عَنْ مُتابَعَتِه مَنِ اتَّبَعَ زَجْرَنا.
اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد خاتِمِ النَّبِيّينَ وَسَيِّدِ الْمُرْسَلينَ وَعَلى اَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ، وَاَعِذْنا وَاَهالِينا وَاِخْوانَنا وَجَميعَ الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ مِمّا اسْتَعَذْنا مِنْهُ، وَاَجِرْنا مِمَّا اسْتَجَرْنا بِكَ مِنْ خَوْفِه. وَاسْمَعْ لَنا ما دَعَوْنا بِهِ، وَاَعْطِنا ما اَغْفَلْناهُ، وَاحْفَظْ لَنا ما نَسيناهُ، وَصَيِّرْنا بِذلِكَ في دَرَجاتِ الصّالِحينَ وَمَراتِبِ الْمُؤْمِنينَ، آمينَ رَبَّ الْعالَمينَ.
اَللّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى حُسْنِ قَضائِكَ، وَ بِما صَرَفْتَ عَنّي مِنْ بَلآئِكَ، فَلا تَجْعَلْ حَظّي مِنْ رَحْمَتِكَ ما عَجَّلْتَ لي مِنْ عافِيَتِكَ فَاَكُونَ قَدْ شَقيتُ بِما اَحْبَبْتُ وَسَعِدَ غَيْري بِما كَرِهْتُ، وَاِنْ يَكُنْ ما ظَلِلْتُ فيهِ اَوْ بِتُّ فيهِ مِنْ هذِهِ الْعافِيَةِ بَيْنَ يَدَيْ بَلآء لا يَنْقَطِعُ وَوِزْر لا يَرْتَفِعُ، فَقَدِّمْ لي ما اَخَّرْتَ، وَاَخِّرْ عَنّي ما قَدَّمْتَ. فَغَيْرُ كَثير ما عاقِبَتُهُ الْفَناءُ، وَغَيْرُ قَليل ما عاقِبَتُهُ الْبَقاءُ، وَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ.
[1] غافر: 60.
[2] البقرة: 186.
[3] الأعراف: 55، 56.
[4] سمعت هذا الكلام منه(رحمه الله) عندما كنت في معيته أثناء سفره إلى طهران.
[5] البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر: 40.
[6] صحيفة امام 21: 397.
[7] المصدر نفسه: 209.
[8] الذريعة 15: 18.
[9] المصدر نفسه 13: 345.
[10] المصدر نفسه: 435 ـ 459.
[11] المصدر نفسه.
[12] پيك مهر: 117.
[13] آية الله شهاب الدين المرعشي، الإجارة الكبيرة: 454.
[14]. الرعد: 39.
[15]. النساء: 58.
[16]. الاسراء: 60.
[17]. القدر: 1 ـ 3.
[18]. ابراهيم: 28.
[19]. النجم: 31.
[20]. الانبياء: 23.
[21]. الفرقان: 44.
[22]. الدخان: 41.
[23]. المطففين: 20 ـ 21.
[24]. التحريم: 6.
[25]. الرعد: 24.
[26]. الحاقة: 30 ـ 31.
[27]. الحشر: 10.
[28]. النجم: 31.
