مباحث الدليل اللفظي
الإجزاء
درس 78
بسم الله الرحمن الرحيم
شبهات على صاحب الكفاية
ترد عدة شبهات على صاحب (الكفاية):
الشبهة الاُولى: الخلط الملحوظ في عبارته حيث قال: (فإن دليل حجيته حيث كان بلسان أنه واجد) فقد خلط بين دليل الحجية وبين نفس الأمارة، فلسان الأمارة مثل خبر زرارة نفي أو إثبات الجزئية أو الشرطية واقعاً، أمّا دليل الحجية فلا علاقة له بالشرط أو الجزء، فالذي يقوله خبر الثقة حجة.
الشبهة الثانية: لو سلّمنا أنّ لسان دليل الحجية لسان وجود الشرط واقعاً، رغم ذلك القاعدة تكون الإجزاء؛ وذلك لأنه لا مفرّ في مجال الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي إلاّ من رفع اليد عن فعلية الحكم الواقعي. وعلى هذا، يكون الإجزاء ثابتاً، كما حقّقناه.
لنفرض قيام الأمارة على أن الشيء الفلاني ليس شرطاً ولا جزءاً، فلم يأتِِ به في الصلاة، ثم انكشف شرطيته أو جزئيته، ففي زمن قيام الأمارة رفعنا اليد عن الفعلية، فلا قضاء عندئذٍ؛ لأنّ القضاء تابع للفعلية، وفي أدائه إجزاء؛ لأن مصداق المأمور به قد تحقق.
الشبهة الثالثة: إذا قلنا بالتصويب في الأمارات، بمعنى أن مودّى الأمارة حكم، وبقيام الأمارة توجد المصلحة في المتعلّق، ويُجعل الحكم طبقها، وينبغي القول بالإجزاء هنا.
نعم، هذا البناء تام على هذا المبنى، لكن هذا المبنى ليس هو مبنى الإمامة، فالإمامية لا تقول بالتصويب، وهو إمّا أن يرجع إلى تصويب المعتزلة، أو إلى تصويب الأشعرية، ولا تقبله الإمامية.
وقد أشكل صاحب (الكفاية)(1) بما يشبه هذا الإشكال على الشيخ(2) في مسألة الأقل والأكثر، فقد قال الشيخ بالبراءة في بحث الأقل والأكثر، فلا تكون الأحكام عندئذٍ تابعة للمصالح والمفاسد. فأشكل عليه صاحب (الكفاية) بأنّ الإمامية لا تقبل هذا المبنى، وإشكالنا نحن هو: لا ينبغي لمثل صاحب (الكفاية) أن يفصل في مطلب يعتمد أحد جوانبه على مبنى خاطئ.
نعم، كان ينبغي البحث عن الإجزاء عن المصلحة السلوكية؛ لأن جماعة من الإمامية قالوا بالمصلحة السلوكية، لكنّا نرفض أساس المصلحة السلوكية.
ولا يخفى أن عمدة الإشكالات والمحاذير الثلاثة هو الثاني.
كلام صاحب (تهذيب الاُصول)
جاء في (تهذيب الاُصول)(3): أن حجية الأمارات بأحد الأنحاء الثلاثة:
أحدها: حجيتها ببناء العقلاء وعدم ردع الشارع.
ثانيها: حجيتها ببناء العقلاء وامضاء الشارع.
ثالثها: أن الأمارات كلّها أو بعضها حجج تأسيسية أبدعها الشارع، ولا ارتباط لها بالعقلاء.
إذا كانت حجية الأمارات على النحوين الأوّلين فليس للشارع إلاّ ما عند العقلاء، وبما أنه لا إجزاء عند العقلاء، فالقاعدة هي: لا إجزاء في الأمارات.
أمّا إذا كانت الحجية بالنحو الثالث، أي أن الشارع جعل الحجية للحفاظ عن الواقع لا لقلب الواقع، وإذا لم يُمتثل الواقع فلا عمل مجزياً. أضف إلى ذلك بأن الأمارات لو أرادت قلب الواقع فلا تبقى أمارة عندئذٍ؛ لأن الأمارة لكشف الواقع.
فلنفرض أن خبر زرارة قال بعدم جزئية السورة في الصلاة، فتركت قراءة السورة لمدة، ثم تبين لي جزئيتها، فينبغي إعادة الصلوات الماضية وقضاؤها طبقاً لرأيه، هذا مع أنا لو رجعنا إلى العقلاء وسألنا: لو أمر مولى بأمرٍ مركب، ووجدنا عبده رجع ـ كباقي الناس ـ لتشخيص المركب إلى خبر الثقة، مع علمه بأن خبر الثقة هذا يتخلف أحياناً عن الواقع، رغم ذلك سكت المولى أو أمضى، فهذا السكوت والامضاء دليل رفع المولى يده عن الواقع في زمن التخلف، ولو لم يرفع يده لجعل الاحتياط، لكنه لم يجعل الاحتياط، فكان ذلك يعني رفع يده عن الواقع، وإذا ثبت رفع اليد من الفعلية، فالإجزاء محقق.
كلام النائيني قدس سره
بقي الكلام في ما قاله النائيني قدس سره(4) الذي يتلخص في أن الإجزاء يلازم التصويب، وعدم الإجزاء يلازم التخطئة، وبما أنا مخطّئون فعلينا القول بعدم الإجزاء. والقول بالتصويب يعني القول بأن حكم الله في الأحكام الأوّلية مفيد للعلم في البداية ثم يتبدل، وهذا إشارة إلى التصويب الأشعري والمعتزلي، وكلاهما باطلان؛ لأن شأن الأمارة المنجزية والمعذرية.
وبالجملة، حال الأمارات حال القطع مع فرق، وهو أن حجية القطع ذاتية، أمّا حجية الأمارة فمجعولة.
ثم قال: إذا توهم شخص بأن السببية على المصلحة السلوكية التي هي مذهب جماعة من الإمامية مقتضية للإجزاء، فهذا التوهم مدفوع بأن المصلحة السلوكية تبقى ما دام الخلاف لم ينكشف، فإذا انكشف فلا يبقى مجال للمصلحة السلوكية، وبهذا لا تنجبر مصلحة الواقع، وإذا لم تنجبر فيلزم على المكلف أن يأتي بالمأمور به ليتدارك المصلحة الواقعية.
وقد أضاف في موضع آخر: أنه إذا انكشف الخلاف في الوقت تدارك ذلك المقدار من المصلحة الفائتة، أي يتدارك مصلحة أوّل الوقت، أمّا مصلحة أصل العمل فلم يفقدها، هذا تمام كلامه في الأمارات.