سنّ تحمُّل العقوبات الجزائية
سماحة آية اللّه العظمى الصانعي (دامت بركاته)
سلام عليكم
سؤال: يتطلع قسم الفقه و الحقوق من وكالة أنباء طلاب الجامعات الإيرانية إلى معرفة رأي سماحتكم في الاُمور التالية:
وفقاً للمادة 49 من قانون الجزاء الإسلامي يعفى الطفل من تحمُّل مسؤولية الجريمة إذا ارتكبها، وفي اللاحقة 1 من نفس المادة فسِّر الطفل بالذي لم يبلغ شرعاً، ووفقاً للاحقة 1 المعدلة بتاريخ 14/ 8 / 70 من المادة 1210 من القانون المدني عدّت الخامسة عشرة (قمرياً) سناً لبلوغ الذكر، والتاسعة (قمرياً) سناً لبلوغ الاُنثى.
هذا مع أن معاهدة حقوق الطفل، التي انضمت إيران إليها، حددت سن الطفل بما دون الثامنة عشرة، ولأجل ذلك يتَّخذ بعض القضاة البلوغ الشرعي أساساً لأحكامهم، وبعضهم الآخر يتَّخذ بلوغ الثامنة عشرة أساساً لأحكامهم، فتصدر أحكام متفاوتة في جرائم وسنين متشابهة.
- هل يمكن للمقنِّن أن يحدد ـ عوضاً عن حد البلوغ الشرعي ـ سناً قانونياً لإصدار الأحكام القانونية؟
ـ هل يمكن للمقنِّن أن يحدد سناً معيناً لتحمُّل مسؤولية الجريمة لكلا الجنسين؟
سلام عليكم
سؤال: يتطلع قسم الفقه و الحقوق من وكالة أنباء طلاب الجامعات الإيرانية إلى معرفة رأي سماحتكم في الاُمور التالية:
وفقاً للمادة 49 من قانون الجزاء الإسلامي يعفى الطفل من تحمُّل مسؤولية الجريمة إذا ارتكبها، وفي اللاحقة 1 من نفس المادة فسِّر الطفل بالذي لم يبلغ شرعاً، ووفقاً للاحقة 1 المعدلة بتاريخ 14/ 8 / 70 من المادة 1210 من القانون المدني عدّت الخامسة عشرة (قمرياً) سناً لبلوغ الذكر، والتاسعة (قمرياً) سناً لبلوغ الاُنثى.
هذا مع أن معاهدة حقوق الطفل، التي انضمت إيران إليها، حددت سن الطفل بما دون الثامنة عشرة، ولأجل ذلك يتَّخذ بعض القضاة البلوغ الشرعي أساساً لأحكامهم، وبعضهم الآخر يتَّخذ بلوغ الثامنة عشرة أساساً لأحكامهم، فتصدر أحكام متفاوتة في جرائم وسنين متشابهة.
- هل يمكن للمقنِّن أن يحدد ـ عوضاً عن حد البلوغ الشرعي ـ سناً قانونياً لإصدار الأحكام القانونية؟
ـ هل يمكن للمقنِّن أن يحدد سناً معيناً لتحمُّل مسؤولية الجريمة لكلا الجنسين؟
الجواب: بما أنَّ قوانين العقوبات الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أقسام (التعزير و الحد والقصاص) فيحدد سن تحمُّل العقوبة ومسؤولية الجريمة وفقاً لمقتضيات كل قسم.
الف: التعزيرات
القسم الأكبر من قوانين الجزاء في الإسلام تدخل في باب التعزيرات، وبما أن 95 % من الجرائم تدخل تحت هذا العنوان فتكون هذه النسبة كلها بيد الحكومة والقانون، ولهذا لامانع لدي من تدوين نظام قضائي خاص للأشبال دون الثامنة عشر يتكفل بتعزيرهم و منعهم من الجرائم بما يتناسب مع أعمارهم، هذا إذا لم نقل بوجوب التعزير بالنسبة إلى بعض الأفراد، حيث ينحصر به طريق المنع عن الجريمة.
ينبغي البحث عن وجه الجواز في حقيقة التعزير وعلته; لأن التعزير ـ لغة وعرفاً وشرعاً ـ عبارة عن منع المجرم من تكرار الجريمة ومنع غيره من ارتكابها حيثما كان مقدوراً، أي القيام بعمل يمكنه أن يكون رادعاً بحسب المتعارف والطبع، وهذا مايُدعى تعزيراً. وهو يعني المنع، كما هو حال الحدّ، ويطلق التعزير على المانع كذلك بل حتى على نفس الجزاء باعتباره مانعاً.
الاختلاف الأساسي بينهما في تعيين حجمه وكيفيته من قبل الشارع، فالتعزير يتبع رأي الحكومة والحاكم وما يحدده الخبراء من عقوبة، وبحاجة إلى لائحة يصادق عليها نوّاب مجلس الشورى الإسلامي، وكلّما كانت مراجعة الكتب الفقهية في مجال التعزير أكثر كلّما اتضحت حقيقة التعزير أكثر في كونه مانعاً وكونه من مهام الحكومة وبيدها أمره.
يقول العلامة الحلي في (التحرير) في المبحث 13 من مباحث أحكام القذف: «وهو (أي التعزير) يكون بالضرب والحبس والتوبيح» وهذا صريح في أن العلامة يعتبر التوبيح كافياً في التعزير، ومن الواضح أن لاخصوصية للتوبيخ، فإنّه لم يرد في النصوص الشرعية كحد مثل الحبس والضرب بحيث نقول بمجيئه هنا من باب المشابهة، بل ذكر هنا كأحد الطرق المانعة.
ويقول المرحوم الفاضل الأصفهاني المعروف بالفاضل الهندي صاحب (كشف اللثام) في بحث التعزير وفي ذيل حدّ القذف: «ثم وجوب التعزير في كل محرّم من فعل أو ترك إن لم ينته بالنهي والتوبيخ ونحوهما فهو ظاهر لوجوب انكار المنكر، وأمّا إن انتهى بما دون الضرب فلا دليل عليه» إلى أن قال: «ويمكن تعميم التعزير في كلامه (اي كلام القواعد) وكلام غيره لما دون الضرب من مراتب الانكار»(كشف اللثام2 - 415 كتاب الحدود،ذيل بحث القذف)
وكأنّ هذا الفقيه الجليل تحدَّث ليومنا هذا، وبخاصة أن ذيل كلامه صريح لاتعتريه شبهة في عدم جواز التعزير بغير الضرب من مراتب الإنكار والمنع، وأجاب عن الموضوع إجابة فقهية عميقة.
وما يشبه هذه العبارة جاء في الكتاب الفقهي الجليل (الجواهر) والعبارة ـ مضافاً إلى أنها تعبِّر عن وجهة نظره ومقتضى القواعد ـ تبيِّن رأي الفقهاء كذلك، ومنها يتّضح دليل التعزير وسببه، وهو المنع عن المنكر، لكن ينبغي أن يكون بشيء غير الحدّ وأن يكون مانعاً ورادعاً، والمناط هو المنع والردع بأي نحو كان .
من الواضح اختلاف نوعية التعزير والمنع عن المحرم، المعتبر بالنسبة إلى من بلغ، واصلاح مرتكب الجريمة وتأديبه، المعتبر بالنسبة إلى المميِّز غير البالغ، إذا لم نقل بالتعزير هنا كذلك حسب الموارد والأشخاص والأماكن والأزمنة وغيرها من الخصوصيات المختلفة، وهذا هو رأي التربوبيين وخبراء التربية والجرائم وعلماء الحقوق والمقننين، وبالإمكان تحديد الضابطة والقاعدة حسب الموارد.
حاصل الكلام أنه بالإمكان استخدام أي طريقة حديثة ذات تأثير في عملية منع الشبل الذي يقلُّ عمره عن الثامنة عشرة من الجريمة، وبالإمكان ترتيب نظام خاص لعقوبة هؤلاء، وإذا انحصر التعزير بوسيلة وآلية جديدة خاصة وجب التعزير بها.
باء: الحدود
يشترط البلوغ في إجراء الحدود، وبرأيي سن البلوغ في الذكور هو الخامسة عشرة وفي الإناث هو الثالثة عشرة من السنوات القمرية أو حصول علائم البلوغ الاُخرى الواردة في الرسائل العملية، وغالباً لاتعرف هذه العلائم إلاَّ من قبل المكلّف نفسه.
يذكر أن الحدود محدودة جداً ومواردها ـ كما جاء في القواعد ـ لا تتجاوز الستة، وما يناسب الإجابة عمّا ورد في السؤال عبارة عن أمرين:
الأول: فيما يخص إجراء الحدود في عصرالغيبة يمكن العمل بفتوى بعض العلماء والمحققين من قبيل الميرزا القمي في (جامع الشتات)(جامع الشتات،2 : 713و731)ويرى لزوم التعزير في موارد الحدود، كما مضى في قسم التعزيرات.
الثاني: برأيي ينحصر اثبات الحد بطريقين:
الطريق الأول: الاقرار الناشىء عن الوجدان الديني، ويفرض أن يتم في بعض الموارد أربع مرات وفي موارد اُخرى مرتين .
الطريق الثاني: أربعة شهود في باب الزنا وتوابعه برؤية العملية كالميل في المحكمة أو شاهدين عدلين في باقي الموارد. ومن الواضح أن الحصول على هذا العدد من الشهود وبهذه الشروط صعب جداً في هذا الزمان بل عادة مايكون مستحيلاً. وحتى شهادة شاهدين عدلين على عملية السرقة أصبحت صعبة جداً هذا الزمان، وذلك باعتبار الحيل التي يستخدمها السُرّاق.
يبدولي ـ تبعاً لغير واحد من الفقهاء ـ انحصار اثبات الحدود بهذين الطريقين، ولا يمكن للامارات والشواهد أن تثبت الحد، نعم يمكنها أن توجب التعزير على الذنب وعلى مقدمات الحدود، فإن في المقدمات قرائن وشواهد وهي حجة.
جيم: القصاص
يبدو لي أن الإدراك والتمييز يكفيان لإجراء القصاص، بل يستفاد من بعض الروايات كفاية التمييز قبل البلوغ الشرعي لإجراء القصاص، ولذلك لايمكن تحديد الثامنة عشرة كسن لموارد القصاص الذي هو حق الناس وقد جاء فيه: (ولكم في القصاص حياة يا اولي الألباب) وما يمكنه أن يقلِّل من تنفيذ حكم القصاص هو ترويج ثقافة العفو في المجتمع، فقد جاء في القرآن: (فمن عفى وأصلح فأجره على اللّه)(الشورى40)(فمن عفى له من أخيه شيءٌ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بالاحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة)(البقر? 178)ممَّا دعى إليه الخالق الحكيم.
