سلسلة الفقه المعاصر 3
مساواة الدية بين الرجل والمرأة والمسلم والكافر

طبقاً لنظريات المرجع الديني سماحة آية الله العظمي الشيخ يوسف الصانعي دام ظله
الناشر: منشورات ميثم التمّار
تحقيق: مؤسسة فقه الثقلين الثقافية
الطبعة: الاولى / 1427







من أكبر ما يقلق الفقهاء الملتزمين العارفين خلوص الفقه الإسلامي و إنتاجيّته، فمن جهة على الفقيه أن يراقب حركة الفقه أن لا تنزاح عن الإطار القواعدي الاجتهادي و المصادر الوحيانية المقدسة، و من جهة اُخرى عليه أن يحمي الاستنباطات و الاجتهادات عن أن تغدو مظهراً لعجز الفقه عن إدارة الحياة البشرية.
و بحق يقال: إن بلوغ سبيل الوسط والصواب، كالصراط المستقيم، أرقّ من الشعرة وأحدّ من السيف، فقد أفرط فريق في تمسّكه بخلوص الفقه و صفائه، فلم يولِ أية عناية بالجانب التنفيذي و الإنتاجي للاجتهادات و الآراء، و عندما لا تقدر فتوى معينة على أن تضمن لنفسها إجراءها عملياً، ولا تدخل حيّزالتنفيذ، فإنّهم يتّهمون الناس بعدم الاعتناء بالدين ولا الاهتمام به.
و قد أفرط فريق آخر على الخط الثاني، فلم يهتموا سوى بعملانية الفقه و أدائه الميداني، و قد تضاعف إفراط هذا الفريق عندما صار ينظر لهذا الموضوع على مستوى الفرق والمذاهب و الأديان كلّها، بل بلغ بهم الحال أن اعتبروا الفقه أقلّ من مستوى القوانين الوضعية.
والحق أن هذين السبيلين خاطئان; فالمطلوب أن يكون صفاء الفقه و قداسته حاضرين في فكرنا دوماً، و أن نأخذ بعين الاعتبار مكانته المعنوية و منزلته الوحيانية، كما أن من المطلوب أيضاً أن نحمل همّ إنتاجية الفقه و دخوله حيّز التنفيذ، أفلم ينزل الله الدين للإنسان، كما خلق العالم له.
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَْرْضَ فِرَاشاً وَالْسَّمَاءَ بِنَاءً)([1]).
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الاَْرْضِ جَمِيعاً)([2]).
(وَسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ)([3]).
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ)([4]).
(شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً)([5]).
أفلم يخلق البشر على فطرة البحث عن الله والتدين له؟ ألا يصبح النظام الأحسن قيد التساؤل إذا لم يحكم الخير نظامي التكوين والتشريع؟! فيخدش ذلك بحكمة الخلقة والوجود.
إذن، فلا يمكن على الدوام اتهام الناس بعدم التدين أو عدم الاهتمام بالدين، بل يمكننا عبر معرفة طبيعة ردّة الفعل العامة على رأي فقهي، أن نكتشف في هذا الرأي خللاً على مستوى مراحل استنباطه، و على الفقيه الناضج الواعي في حالات من هذا النوع أن يعيد النظر في الخطوات الاجتهادية التي قام بها، فيبذل جهوداً مضاعفة في تنقيب المصادر و تقليبها.
إن مجموعة «الفقه و الحياة» تنبني فلسفتها على همّي: نقاء الفقه و خلوصه، و فعاليته الميدانية و إنتاجيّته العملية، و هي تسعى بجدّ إلى الجمع بين الأصالة و الواقعية، من هنا فهي ترصد الموضوعات و المسائل الجديدة و المستجدّة.
و هذا هو الكتاب الثالث في هذه السلسلة، يحمل عنوان «مساواة الدية بين الرجل والمرأة و المسلم و الكافر»، نقدّمه إلى أصحاب الفكر و رجال المعرفة، آملين أن ينفتح بذلك السبيل إلى دراسات جادة و جديدة للفقه الإسلامي.
والحمدالله.

تحدّثنا ـ بداية الكتاب الثاني من هذه السلسلة ـ عن حرمة النفس الإنسانية و احترامها في الإسلام، و قد أشرنا هناك إلى أن القرآن الكريم اعتبر أن قتل إنسان واحد هو بمثابة قتل البشر جميعاً، و في هذا المجال قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من أعان على قتل مسلم و لو بشطر كلمة جاء يوم القيامة و هو آيس من رحمة الله».([6])
و على هذا الأساس، ليس ثمة هدف من وراء تحريم قتل النفس و تشديد العقوبات الأخروية ـ إلى جانب الدنيوية ـ سوى الحيلولة دون هذا السلوك البشع و العمل الشنيع.
فإذا كان قتل النفس عن عمد فحكمه القصاص، اللهم إلاَّ إذا صرف أولياء المجني عليه (المقتول) النظر عن القصاص، راضين بقبض الدية، أما في القتل الخطأ أو شبه العمد فلم يحكم الشارع بالقصاص، مكتفياً بالحكم بدفع الدية لأسرة المقتول، نعم، جاء في القرآن الكريم في صورة القتل الخطأ الحكمُ على القاتل بلزوم تحرير رقبة مؤمنة، إلى جانب دفع الدية.
قال تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا)([7]).
و من الاستفهامات الجادّة في الفقه الإسلامي حول موضوع الدية عدمُ تساويها بين الرجل و المرأة، و بين المسلم و غيره، فقد ذهب مشهور الفقهاء، بل يمكن القول: تمام فقهاء الإسلام، عدا نزر يسير، إلى أن دية المرأة تقع على النصف من دية الرجل، وأن دية غير المسلم تقلّ عن دية المسلم، على خلاف بين الفقهاء الشيعة و السنّة في مقدارها، كما ذهبوا في الجراحات إلى أن دية المرأة تساوي دية الرجل إلى الثلث، فإذا تجاوزت الثلث غدت دية المرأة نصف دية الرجل.
إننا نعتقد بأن الروايات الواردة في مقام بيان الدية و مقدارها تدلّ على تساوي قيمة الدم، كما أنه ليس هناك شواهد في القرآن الكريم تدلّ على مبدأ عدم التساوي، بل إن الأصول العامة والقواعد الكلّية الإسلامية تشهد على التساوي المذكور.
في هذه الحلقة من هذه السلسلة، سوف ندرس هذا الموضوع، و ندافع عن وجهة نظرنا المشار إليها، كما سنركّز على نقد نظرية المشهور، في هذا الإطار.
و نبحث ذلك هنا ضمن فصول ثلاثة:
الفصل الأول: تساوي دية المرأة والرجل، والمسلم و الكافر.
الفصل الثاني: دراسة نظرية عدم التساوي في الدية بين الرجل و المرأة، و نقدها.
الفصل الثالث: دراسة نظرية عدم التساوي في الدية بين المسلم و غيره، و نقدها.

ظلّ القرآن الكريم ملتزماً الصمت إزاء مقدار دية الرجل و المرأة و المسلم و غيره، وما يمكن أن يجعل مستنداً لتعيين مقدارها ليس سوى الأصول والقواعد الإسلامية العامة، إلى جانب الروايات الخاصة و الإجماع.
وقد جرى التركيز في المصنّفات الفقهية التي درست الموضوع على الإجماع والروايات الخاصة; لتأكيد عدم التساوي في الدية بين الرجل والمرأة والمسلم و غيره. بدورنا، سوف نرصد هذه الأدلة «الروايات والإجماع» في الفصلين الثاني و الثالث إن شاءالله تعالى. و ندّعي فعلاً أن الأدلّة الدالّة على تشريع مبدأ الدية، أو تلك التي تبيّن الأصول الإسلامية و القواعد العامة تدلّ برمّتها على تساوي الدية بين الرجل والمرأة والمسلم و غيره، و هذه الأدلّة هي ما سيكون محور بحثنا في هذا الفصل.

لم ينصّ القرآن الكريم على أمرالدية إلاَّ في آية واحدة، بيّن فيها أصل تشريعها، دون تعرّض لمقدارها.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْم عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَإِن كَانَ مِن قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً)([8]).
إن هذه الآية رغم سكوتها عن بيان مقدار الدية، إلاَّ أنَّها ـ في الوقت عينه ـ لا تضع فرقاً أو تمييزاً بين قتل الإنسان المؤمن و غيره ممّن هو محترم الدم، أما الروايات التي تتحدّث عن مقدار الدية و حجمها فهي تدلّ أيضاً و بوضوح على تساويها في الرجل و المرأة، والمسلم و الكافر، ولا يُرى فيها أيّ تمييز أو تفاوت([9]).
و هذه الروايات ذكرها الشيخ الحرالعاملي في بداية كتاب الديات من «وسائل الشيعة»، و عددها أربعة عشرة رواية([10])، و من بينها عدّة روايات معتبرة، و هذه بعضها:
الرواية الأولى: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، و عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعاً، عن ابن محبوب، عن عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: «كانت الدية في الجاهلية مائةً من الإبل، فأقرّها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ثم إنه فرض على أهل البقر مائتي بقرة، و فرض على أهل الشاة ألف شاة ثنية، و على أهل الذهب ألف دينار، و على أهل الورق عشرة آلاف درهم، و على أهل اليمن الحلل، مائتي حلّة»([11]).
الرواية الثانية: محمد بن علي بن الحسين بإسناده، عن حماد بن عمرو و أنس بن محمد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، في وصيّة النبي(صلى الله عليه وآله)لعليّ(عليه السلام) قال: «يا علي! إنّ عبدالمطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن، أجراها الله له في الإسلام، إلى أن قال: و سنّ في القتل مائة من الإبل، فأجرى الله ذلك في الإسلام»([12]).
و هذه الرواية صحيحةٌ، و قد نقلها المشايخ الثلاثة في كتبهم.
و تجدر الإشارة إلى أنه من بين هذه الروايات الأربعة عشرة، ثمة حديثان يمكن أن يستفاد منهما أن مقدار الدية مختصّ بالرجل أو المسلم، فقد ورد التعبير بـ «دية الرجل» في الحديث الثاني عشر، فيما جاء التعبيربـ «دية المسلم» في الحديث الثاني، من الباب الاول و نسعى هنا لدراسة هذين الحديثين على الشكل التالي:

و هذا نصّه: و بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن إبراهيم، عن أبي جعفر، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: «دية الرجل ماءة من الإبل، فإن لم يكن فمن البقر بقيمة ذلك، فإن لم يكن فألف كبش، هذا في العمد، و في الخطأ مثل العمد ألف شاة مخلطة»([13]).
قديقال: إن التعبير بـ «دية الرجل» يدلّ على اختصاص هذا المقدار للدية بالرجال، وليس شاملاً للنساء.
إلاّ أنه لابدّ من القول: إنّه لا يمكن الاستناد إلى هذه الرواية، و إثبات اختصاص هذا المقدار من الدية بالرجل، و ذلك:
أولاً: لا دلالة لمفردة «رجل» على الاختصاص; ذلك أن ماكان من قبيلها يكثر استعماله لبيان الأحكام العامة و المشتركة، و هو أمر شائع و متداول.
ثانياً: لم يتّضح لنا صدور هذا الحديث عن المعصوم(عليه السلام)، ذلك أنّ أبا بصير لم ينقله عن شخص آخر، حتى نتأكّد أنّه الإمام أو غيره.
ثالثاً: إنَّ هذه الرواية غير معتبرة، ذلك أن أبا بصير مشترك بين الثقة و الضعيف، ولا توجد قرينة في البين تساعد على تحديده هنا، كما أنَّ إبراهيم، و أبا جعفر، الواردين قبل علي بن أبي حمزة، كلاهما ضعيفان.
رابعاً: إنَّ هذا الحديث يدلّ على الترتيب بين موارد الدية، أي أنّه يجعلها في البداية مائةً من الإبل، و عند عدم توفرها يُنتقل إلى ما يساويها من البقر، و مع عدم توفرها ينتقل إلى ألف شاة، و الحال أنَّ الترتيب المذكور بين موارد الدية يتنافى مع جملة من الروايات الأخرى، كما أنَّ الفقهاء أنفسهم أعرضوا عن مضمون هذه الرواية; و عليه، فمفادها مرفوض عند الفقهاء.

و هذا نصّه: و عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عليّ بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير ـ في حديث ـ قال: سألت أباعبدالله(عليه السلام)عن الدية، فقال: «دية المسلم عشرة آلاف من الفضّة، و ألف مثقال من الذهب، و ألف من الشاة على أسنانها أثلاثاً، و من الإبل ماءة على أسنانها، و من البقر مائتان»([14]).
و من الممكن أن يستفاد هنا من كلمة «المسلم» ليدّعى أنّ هذا المقدار الذي ذكرته الرواية للدية مختصّ به، لايشمل غيره، إلاَّ أنَّ الحق أنَّه لا يمكن أن يستفاد من هذه الرواية ذلك، لأسباب عدّة:
أولاً: لا مفهوم للّقب، فإثبات حكم للمسلم لا ينفيه عن غيره، و أما عدم بيان حكم غير المسلم فهو لعدم الابتلاء به.
ثانياً: ولنفرض أننا سلّمنا بأنّ للحديث مفهوماً، و أنها تنفي هذا المقدار للدية عن غير المسلم، إلاَّ أنَّه مع ذلك لا إطلاق في المفهوم، فالمتكلّم بالمنطوق إنَّما هو في مقام بيان المنطوق لا المفهوم، حتى يتمسك بالإطلاق في الثاني، و معنى ذلك أنّ افتراضه في مقام بيان المفهوم، و التمسك بالإطلاق في مورده يحتاج إلى قرينة و دليل، وهوما لا نجده في هذه الرواية، ولا في أكثر الروايات ذات المفهوم.
و بناءً عليه، فلا دلالة في الرواية على أزيد من التفاوت في الدية مع غير المسلم في الجملة، مثل الكافر غير المؤتمن و غيرالمحترم و المعاهد، و معه فلا تشمل غير المسلمين جميعاً.
ثالثاً: لو سلّمنا بدلالة الحديث على الإطلاق، و إن كان خلاف التحقيق، إلاَّ أنَّ هذا الإطلاق مقيّد في مورد الذمّي بالفعل و بالقوّة، و ذلك لورود الروايات في تساوي دية هذا الذمّي مع المسلم.
و هذه هي الروايات:
1 ـ محمد بن الحسن بإسناده عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن سماعة، قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام)عن مسلم قتل ذمياً؟ فقال: «هذا شي شديد لا يحتمله الناس، فليعط أهله دية المسلم حتى ينكل عن قتل أهل السواد، و عن قتل الذمي»، ثم قال: «لو أنَّ مسلماً غضب على ذمي، فأراد أن يقتله و يأخذ أرضه و يؤدي إلى أهله ثما نمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذميين»([15]).
2 ـ و بإسناده عن إسماعيل بن مهران، عن ابن المغيرة، عن منصور، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «دية اليهودي و النصراني و المجوسي دية المسلم»([16]).
ولا بدّ هنا من الالتفات إلى أنّ الذمي في هذه الروايات لا خصوصية له بعد إلغاء الخصوصية و تنقيح المناط، بل يتعدّى منه إلى مطلق غير المسلم ممّن يكون محترم النفس والمال، ذلك أنَّ مناط الدية في الذمىّ هو الاحترام، و هو أمر عقلائي، أمضاه الشرع، فالعقلاء يقبلون الدية عندما يكون الدم محترماً، بوصفها جبراناً للخسارات الواردة، دون أن يميّزوا في ذلك طبقاً لديانة المقتول، و إذا ما جاء الحديث في هذه الرواية عن الذمي فإنما ذلك لكونه مورد ابتلاء المسلمين.

و إضافةً إلى الروايات المتقدّمة الدالّة على تساوي الدية، يمكن التمسك ببعض الآيات و الروايات التي تؤكد مفهوم مساواة الناس في الشخصية و الإمكانات، و سائر السمات و الخصائص الإنسانية، فكلّها شواهد دالّة هنا على ما نريد.
و بعبارة أخرى: إنّ الأصول و القواعد الإسلامية الأولية تدلّ أيضاً على التساوي هنا، ونذكرهنا بعض هذه الآيات و الرويات.
لقد اعتبر القرآن الكريم البشر جميعاً أولاد آدم و حواء، و لم يضع أيّ فرق بينهم في مبدأ الخلقة و الإمكانات و الطاقات البشرية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ)([17]).
وفي آية أخرى، اعتبر القرآن التقوى أساس التفاضل، فقال: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)([18]).
كما يمكن الإشارة هنا إلى بعض الروايات، مثل قول النبي(صلى الله عليه وآله): «أيها الناس! إنّ ربكم واحد، و إنَّ أباكم واحد، كلّكم لآدم، و آدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، و ليس لعربىّ على عجمي فضل إلاّ بالتقوى»([19]).
و قوله(صلى الله عليه وآله): «الناس سواء كأسنان المشط»([20]).
و قوله(صلى الله عليه وآله) أيضاً: «فالناس اليوم كلّهم، أبيضهم وأسودهم، و قرشيهّم و عربيّهم و عجميّهم من آدم، و إن آدم(عليه السلام)خلقه الله من طين، و إنَّ أحبَّ الناس إلى الله عزوجل يوم القيامة أطوعهم له و أتقاهم»([21]).
و عنه(صلى الله عليه وآله): «إنَّ الناس من آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي، و لا للأحمر على الأسود إلاَّ بالتقوى»([22]).
و عن الإمام علي(عليه السلام) أيضاً، أنه قال: «الناس إلى آدم شرع سواء»([23]).
و خلاصة القول: إن الروايات الدَّالة على أصل الدية و مقدارها تثبت ـ مع ضمّها إلى القواعد و الأصول الإسلامية العامة المستقاة من الآيات و الروايات ـ تساوي دية الرجل و المرأة، و المسلم و غيره.
و الآن، و لكي نكمل هذه النظرية، لابدّ لنا من دراسة الرأي المشهور عند الفقهاء في المسألة، و مستند هذا الرأي و مدركه، و هو ما يختصّ به كلٌّ من الفصل الثاني و الثالث.

يذهب مشهور الفقهاء إلى أن دية المرأة المسلمة الحرّة نصف دية الرجل المسلم، لا فرق في ذلك بين كونها صغيرةً أوكبيرة، عاقلةً أو مجنونة، سالمةً أو ناقصة العضو.
يكتب الشيخ النجفي في جواهر الكلام: «لاخلاف ولا إشكال ـ نصّاً و فتوى ـ في أنّ دية المرأة الحرّة المسلمة، صغيرةً كانت أو كبيرة، عاقلةً أو مجنونة، سليمة الأعضاء أو غير سليمتها، على النصف من جميع الأجناس المذكورة في العمد و شبهه و الخطأ، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أومتواتر كالنصوص، بل هوكذلك من المسلمين كافّة»([24]).
و ينصّ صاحب الرياض أيضاً: «و أما دية قتل المرأة الحرّة المسلمة، فعلى النصف من دية الجميع، أي جميع التقادير الستّة المتقدّمة... إجماعاً محققاً و محكياً في كلام جماعة حدّ الاستفاضة، و هو الحجّة، مضافاً إلى الصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة التي كادت تكون متواترة...»([25]).
و قد استند الفقهاء في نظريّتهم هذه إلى أدلّة ثلاثة: أحدها: النصوص الروائية، و ثانيها: الإجماع، و ثالثها: بعض الوجوه الاستحسانية، و تفصيل هذه الأدلّة الثلاثة كما يلي:

يمكن تصنيف الروايات التي اعتُمد عليها في نظرية التفاضل في الدية إلى مجموعات ثلاث: الأولى منها تدلّ عليه بالدلالة المطابقية، فيما تدلّ الثانية عليه بالدلالة الالتزامية، أما الثالثة فهي الروايات الدالّة على أن دية أعضاء المرأة و الرجل تتساوى حتى الثلث، فإذا بلغته عادت إلى النصف.

والنصوص، الدالّة على عدم التساوي دلالةً مطابقية، ترجع إلى خمسة أحاديث هي:
1 ـ محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبدالله بن مسكان، عن أبي عبدالله(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «دية المرأة نصف دية الرجل»([26]).
2 ـ محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس أو غيره، عن ابن مسكان، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «دية الجنين خمسة أجزاء: خمسٌ للنطفة عشرون ديناراً، وللعلقة خمسان، أربعون ديناراً، و للمضغة ثلاثة أخماس ستون ديناراً، و للعظم أربعة أخماس ثمانون ديناراً، و إذا تمّ الجنين كانت له مائة دينار، فإذا أنشىء فيه الروح فديته ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم إن كان ذكراً، و إن كان أنثى فخمسمائة دينار، و إن قتلت المرأة و هي حبلى فلم يُدرأ ذكراً كان ولدها أم أنثى، فدية الولد نصف دية الذكر و نصف دية الأنثى، و ديتها كاملة»([27]).
3 ـ و بالإسناد، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن الحلبي، و أبي عبيدة، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: سُئل عن رجل قتل امرأةً خطأ، و هي على رأس الولد تمخض، قال: «عليه الدية خمسة آلاف درهم، و عليه للذي في بطنها غرّة وصيف أو وصيفة أو أربعون ديناراً»([28]).
4 ـ محمد بن يعقوب بأسانيده إلى كتاب ظريف، عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)قال: «...فإذا نشأ فيه خلق آخر، و هو الروح، فهو حينئذ نفس بألف دينار كاملة إن كان ذكراً، و إن كان أنثى فخمسمائة دينار، وإن قتلت امرأة و هي حُبلى متمّ فلم يسقط ولدها، و لم يعلم أذكرهو أو أنثى، ولم يُعلم أبعدها مات أم قبلها، فديته نصفان: نصف دية الذكر، و نصف دية الأنثى...»([29]).
5 ـ محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن العباس بن موسى الورّاق، عن يونس بن عبدالرحمن، عن أبي جرير القمي، قال: سألت العبد الصالح(عليه السلام) عن النطفة ما فيها من الدية، و ما في العلقة، و ما في المضغة، وما في المخلّقة، و ما يقرّ في الأرحام؟ فقال: «... فإذا اكتسى العظام لحماً ففيه مائة دينار، قال الله ـ عزوجل ـ : (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)([30])فإن كان ذكراً ففيه الدية، و إن كانت أنثى ففيها ديتها»([31]).
و بعد استعراض هذه الروايات، لابدّ من البحث حولها.
الرواية الأولى: هذه الرواية، و إن كانت تامةً من ناحية الدلالة، ولا خدشة فيها على هذا المستوى، إلاِّ أنَّها تواجه معضلةً على مستوى السند، فمن جهة يُسند هذا الحديث إلى محمد بن عيسى عن يونس، و قد عدّ محمد بن الحسن بن الوليد رواياته ـ عندما ينفرد بنقلها ـ ضعيفة و مردودة([32])، و من جهة أخرى، ثمة خلاف و ترديد في و ثاقة محمد بن عيسى بن عبيد، ذلك أن الشيخ الطوسي([33])، و السيد ابن طاووس([34])، و الشهيد الثاني([35])، و المحقق الحلي([36])، و جمعٌ آخر([37])، قد ضعّفوه، فيما وثّقه النجاشي([38])، والأقوى ترك العمل بهذه الرواية بعد تعارض الجرح و التعديل.
الرواية الثانية: و هذه الرواية، رغم أنَّ ظهورها ليس بتلك المثابة التي كان عليها ظهور الرواية الأولى، ذلك أنّها مرتبطة بدية الجنين و حكمه، و يتمّ تعميمها بعد إلغاء الخصوصية، إلاَّ أن العرف يقبل ظهورها.
أما سندها، فهو على غرار سند الرواية الأولى، يعاني من مشاكل، ذلك أنَّ «محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس» قد جاء فيه أيضاً، و من ثم ترد عليه الملاحظات النقدية التي أسلفنا ذكرها عندالحديث عن سند الرواية الأولى، و إضافةً إلى ذلك، ثمة احتمال في وجود إرسال في سندها، ذلك أنَّ محمد بن عيسى قد روى عن يونس أو غيره ممَّن لا نعرف اسمه، إذ جاء: «محمد بن عيسى، عن يونس أو غيره».
الرواية الثالثة: و هذه الرواية تعاني مشكلتين من جهتين:
الأولى: أنَّ جواب الإمام(عليه السلام) كان يدور حول سؤال متعلّق بمورد خاص، أي عندما يكون هناك امرأة حامل تُقتل عندما تهمّ بوضع حملها، و عليه فهناك احتمال أن تكون القضية شخصيةً اتَّفق و قوعها في الخارج فبيّن الإمام حكمها، و من الواضح أنَّه لا يمكن بتاتاً الاستدلال برواية على أساس قضايا شخصية و جزئية.
و حتى لولم تكن القضية شخصيةً، فهي تختصّ بمورد السؤال، و من ثم فلا يمكن تعميمها لتمام حالات دية النساء.
الثانية: أنّ دية الجنين الذي اكتملت خلقته هي دية الإنسان الكامل، و ما لم يبلغ الجنين هذا الحدّ تكون ديته مائة دينار و أقلّ أيضاً، وبناءً عليه، فالتخيير بين رجل عبد أوامرأة و أربعين ديناراً في دية الجنين مخالف لفتوى الأصحاب، بل هو ممَّا أعرضوا عنه، و مع سقوط حجية هذا القسم في الحديث، تسقط بالتالي حجية القسم الآخر منه، ذلك أنّهما ليسا حكمين مستقلّين حتى يمكن القول بتبعيض الحجية فيهما.
الروايتان الرابعة والخامسة: و هاتان الروايتان لا مشكلة فيهما من حيث السند و الدلالة، إلاَّ أنَّ الإيراد عليهما بمخالفة الكتاب والسنّة إيراد تامّ و جار، و هو ما سوف نتحدّث عنه في ختام هذا البحث إن شاءالله تعالى.

و تتضمّن روايات هذه المجموعة أنه لو اقتصّ من الرجل الحرِّ مقابل المرأة الحرّة فقُتل، لزم دفع نصف ديته لأوليائه، و معنى هذا الكلام أنَّ دية المرأة هي نصف دية الرجل، وإلاَّ فلا وجه للحكم بلزوم دفع نصف الدية لأوليائه.
و يصل عدد هذه الروايات في الكتب الحديثية المعتبرة إلى خمسة عشرة رواية، يبلغ المعتبر من بينها حوالي عشرة أحاديث.
و بعض هذه الروايات هو:
الرواية الأولى: محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، و عن علي بن إبراهيم، عن أبيه جميعاً، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول في رجل قتل امرأته متعمداً، قال: «إن شاء أهلها أن يقتلوه قتلوه و يؤدوا إلى أهله نصف الدية، و إن شاؤوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم»([39]).
الرواية الثانية: و عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبدالله بن مسكان، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إذا قتلت المرأة رجلا قُتلت به، و إذا قتل الرجل المرأة فإن أرادوا القود أدّوا فضل دية الرجل (على دية المرأة) و أقادوه بها، و إن لم يفعلوا قبلوا الدية، دية المرأة كاملةً، و دية المرأة نصف دية الرجل»([40]).
الرواية الثالثة: و عنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله(عليه السلام): قال: «في الرجل يقتل المرأة متعمداً فأراد أهل المرأة أن يقتلوه، قال: ذاك لهم إذا أدّوا إلى أهله نصف الدية، و إن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل، و إن قتلت المرأة الرجل، قتلت به، ليس لهم إلاَّ نفسها»([41]).
و هكذا تدلّ على الأمر عينه عدّة روايات فى الباب 33 المذكور في الهامش، و هي الروايات رقم 4، 5، 6، 7، 8، 9، 12، 13، 15، 19، 20 و 21.
إلا أنَّ الاستناد إلى هذه الروايات يواجه إشكالين جادّين هما:
الإشكال الأوّل: لا حجية لهذه الروايات في مدلولها المطابقي، كما أثبتنا ذلك عند الحديث عن مساواة الرجل و المرأة في القصاص([42])، و إذا ما كان هناك دليلٌ ما لا حجيّة له في مدلوله المطابقي، فلا حجية له بالتأكيد في مدلوله الالتزامي، ذلك أنَّ الدلالة الالتزامية تابعة في وجودها و حجيتها للدلالة المطابقية.
و بعبارة أخرى، عند ما يكون لفظ ما غير حجة في دلالته المطابقية و معناه الأصلي، و كأنه لادلالة له أبداً، فلايكون هناك ملزوم حتى يكون له لازم، و بعبارة ثالثة، عندما لايكون لنص ما حجية في ملزومه ـ و هو مدلوله الأصلي الرئيس ـ فلن يكون قهراً و تلقائياً للازمه ـ و هو الفرع ـ حجية و اعتبار.
الإشكال الثاني: إنَّ الاستدلال بالروايات الدالة على لزوم الدية في قتل العمد لإجرائها في موارد القتل الخطأ و حالاته، إنما يتسنّى عندما نعمد إلى إلغاء خصوصية القتل العمدي، بأن يقال: إنه لا تمايز و لا تفاوت بين القتل العمدي و قتل الخطأ.
إلاَّ أنَّ إلغاء الخصوصية هنا أمر صعب و عسير، ذلك أنَّه من الممكن أن يكون الحكم بتنصيف الدية في القتل العمد بملاك كون أولياء المقتول مختارين بين القصاص و أخذ الدية، أما في قتل الخطأ، و هو القتل الذي لايجوز فيه القود و القصاص بل ينحصر السبيل فيه بأخذ الدية، فلا يمكن الحكم بالتنصيف.
و على أيّة حال، فتعميم الحكم من خلال هذه الروايات إلى مسألة قتل الخطأ يواجه مشكلةً حقيقية.

و تدلّ هذه الروايات على تساوي دية قطع أعضاء المرأة مع الرجل إلى أن يبلغ الأمر ثلث الدية، و عندما يبلغ الثلث تنقلب دية المرأة إلى النصف من دية الرجل، و إضافةً إلى الثلث تشمل هذه الروايات دية النفس أيضاً، و عليه فلابدّ من التنصيف.
و ثمّة على هذا الرأي المشهور خمس روايات تؤيّده و تدعمه هي:
الرواية الأولى: صحيحة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنتين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، و نقول: الذي جاء به شيطان، فقال: «مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، إن المرأة تعاقل الرجل ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان! إنك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين»([43]).
الرواية الثانية: مضمرة سماعة، قال: سألته عن جراحة النساء؟ فقال: «الرجال و النساء في الدية سواء حتى تبلغ الثلث، فإذا جازت الثلث فإنها مثل نصف دية الرجل»([44]).
الرواية الثالثة: صحيح جميل بن درّاج، قال: سألت أباعبدالله(عليه السلام) عن المرأة بينها و بين الرجل قصاص؟ قال: «نعم في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث سواء، ارتفع الرجل و سفلت المرأة»([45]).
الرواية الرابعة: خبر أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الجراحات؟ فقال: «جراحة المرأة مثل جراحة الرجل حتى تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية سواء، أضعفت جراحة الرجل ضعفين على جراحة المرأة، و سنّ الرجل الرجل و سنّ المرأة سواء»([46]).
الرواية الخامسة: صحيح الحلبي، عن أبي عبدالله(عليه السلام): «و إصبع المرأة بإصبع الرجل حتى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية ضعّفت دية الرجل على دية المرأة»([47]).
ولدى دراسة هذه الروايات يجدر بنا ذكر نوعين من الإيراد عليها:
أحدهما: الإيراد الذي يجري على بعض هذه الروايات بصورة خاصة.
وثانيهما: مجموعة الإيرادات الواردة على مجموع هذه الطائفة من الروايات.

الرواية الأولى: رغم أنَّ المشهور يعتبرون رواية أبان بن تغلب صحيحةً، إلاَّ أنَّ ثمَّة إشكالات في سندها و متنها، تخدش باعتبارها في نظر العقلاء، و هذه الإشكالات هي:
أولاً: يتحدَّث المحقق الأردبيلي عن سندها فيقول: «ثم اعلم أنَّ في رواية أبان، عبدالرحمن بن الحجاج، و فيه شي، و هو أنه نقل في مشيخة الفقيه أنَّ أبا الحسن(عليه السلام) قال: إنَّه لثقيل على الفؤاد، و قيل: إنَّه رمي بالكيسانية ثم رجع، و إن قيل: إنه ثقة ثقة»([48]).
ثانياً: إنَّ أبان بن تغلب من الفقهاء البارزين المحترمين عند الإمامين الباقر، و الصادق(عليهما السلام)، فقد قال له الإمام الباقر(عليه السلام): «إجلس في مسجد المدينة و أفت»، و عندما سمع الإمام الصادق(عليه السلام) بخبر وفاته قال: «أما و الله لقد أوجع قلبي موت أبان»([49])، إنه فقيه، و محدّث كبير، روى ثلاثين ألف حديثاً، و قد كان صاحب رأي و نظر في القرآن، و الحديث، و الفقه، و الأدب و اللغة([50]).
هل يمكن لشخص بهذه المكانة من العلم و المعرفة و الفضل أن يتكلّم مع إمامه بهذه الطريقة، و الرواة والمحدّثون الأدنى منه منزلةً كانوا يتحدّثون في محضرهم(عليهم السلام) مع كمال الأدب و الاحترام مثل: جُعلت فداك؟! هل يمكن أن يقول له: إن هذا كان بلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، و نقول: الذي جاء به شيطان؟!
ثالثاً: إنَّ قول الإمام(عليه السلام) مجيباً أبان: «السنّة إذا قيست محق الدين» يدلّل على أنَّ أبان لم يكن على اطلاع على حرمة القياس و آثاره المضرّة، لكن هل يمكن لأبان مع ما له من المنزلة الرفيعة و المقام العلمي و الفقهي الشامخ أن يحتمل أمراً من هذا النوع؟!
رابعاً: إن تعجّب أبان من كون دية قطع أربعة أصابع عشرين من الإبل، فيما قطع ثلاثة فيها ثلاثون، تعجّب طبيعي و عقلائي، ذلك أنَّ فحوى الأجوبة السابقة للإمام(عليه السلام) كان على هذا المنوال، و إذا ما كان هذا التعجب ناشئاً عن فحوى كلام المتكلّم فلماذا اعترض الإمام عليه و اتَّهمه بالقياس؟!
إنَّ فحوى الأدلّة الشرعية في الفقه تعدّ من أعمدة الاستنباط و أركان الاستدلال، بل حجر الزاوية في الاجتهاد و الفقاهة، و المقصود بفحوى الدليل إلغاء الخصوصية و تنقيح المناط، و هو أمر يحصل عليه العُرف عبر مناسبات الحكم و الموضوع و جهات أخرى أيضاً، بل إنَّ التمسّك بفحوى الخطاب إنما هو في الحقيقة تمسّك بالدليل اللفظي عينه.
خامساً: و بغض النظر عمّا أسلفناه، لا تناسب بين الجواب المذكور في الحديث و بين ذاك السؤال أو التعجب الصادرين من أبان، ذلك أنّ أبان يبدي تعجباً من مثل هذا التشريع في مقام الثبوت، فيما لايجيبه الإمام(عليه السلام) عن تساؤله هذا، طبقاً لنصّ الحديث، و إلاَّ فإنّ أبان لايشكّك في حجية كلام الإمام(عليه السلام).
و بعبارة أخرى، إنَّ نهج القرآن الكريم و النبي(صلى الله عليه وآله)، و أهل البيت(عليهم السلام) هو إقناع المخاطبين، لاسيما الفقهاء و الشخصيات العلمية منهم، فمع أنَّ القرآن الكريم يتحدّث عن أنه بيان: (هذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ)([51])، إلاَّ أنَّه يصدر أمره للنبي(صلى الله عليه وآله)لتبيين هذا القرآن للناس فيقول: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)([52]).
إنَّ بيان علل الأحكام في روايات أهل البيت(عليهم السلام)قد بلغ حداً من الكثرة أن ألّف الشيخ الصدوق (381 هـ) في هذا الصدد كتاب «علل الشرائع»، و مع هذا كلّه، هل يمكن القول: إنَّ الإمام اكتفى بجواب إسكاتي أمام تساؤل جدي يجول في ذهن فقيه مثل أبان بن تغلب؟!
سادساً: هذا المضمون الوارد في رواية أبان مرويّ أيضاً في أحاديث أهل السنّة، في حوار بين ربيعة وسعيد بن المسيّب، أحد فقهاء أهل السّنة([53])، و معه، يمكن أن تكون رواية أبان قد صدرت عن الإمام على نحو التقية، و مثل هذه الحالات كثير جداً في أخبار المعصومين(عليهم السلام) و أحاديثهم.
يروي المحدّث الكليني يقول: عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبدالله(عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزوجل، فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر ]به [الأول، فدخلني من ذلك ماشاء الله حتى كأن قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لايخطئ في الواو و شبهه، و جئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كلّه، فبينا أنا كذلك، إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني و أخبر صاحبيّ، فسكنت نفسي، فعلمت أن ذلك منه تقية، قال: ثم التفت إليّ، فقال لي: «يا ابن أشيم! إنَّ الله عزوجل فوّض إلى سليمان بن داوود فقال: (هذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب)ص: 39، و فوّض إلى نبيّه(صلى الله عليه وآله)فقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) الحشر: 7; فما فوّض إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقد فوّضه إلينا»([54]).
و خلاصة القول: إنَّ رواية أبان لا حجية عقلائية فيها بعد هذه الملاحظات الواردة عليها و ألوان الخلل الموجود فيها، و من ثم فلايصحّ جعلها مستنداً للفتوى.
الرواية الثانية: و هذه الرواية يرد عليها عدّة إشكالات من ناحيتي السند و المتن:
أولا: إنَّهما مضمرة.
ثانياً: إنَّ حسن الوارد في هذا الحديث رجل غير معروف([55]).
ثالثاً: ذهب بعضهم إلى تضعيف عثمان بن عيسى الواقع في سند هذه الرواية، فيما اعتبره بعض آخر مجهولا([56]).
رابعاً: إنّ متن الرواية يعاني من إشكال، و ذلك أنَّه ذكر ـ أولاً ـ نهاية التساوي في الدية بلوغ الثلث، ثم جعل الغاية العبور عن الثلث و تجاوزه، قال: «متى تبلغ الثلث»، «فإذا جازت الثلث»، مع أنَّ المفترض أن يقال: فإذا بلغت الثلث، تماماً كما جاء ذلك في روايات أخرى.
الرواية الثالثة و الرابعة و الخامسة: و تختصّ هذه الروايات الثلاث بالدية في مورد العمد و القصاص، و لاتشمل دية الخطأ، و لايمكن التعدّي من موارد العمد و القصاص إلى موارد الخطأ و إلغاء الخصوصية، ذلك أنَّ حق القصاص موجود في صورة العمد، و من الممكن أن يكون إنقاص الدية بسبب وجود حق القصاص.

و إضافةً إلى الملاحظات الخاصة الواردة على هذه الأحاديث، هناك ملاحظات عامة لمجموعها هي:
الملاحظة الأولى: إنَّ ظاهر هذه الأخبار اختصاصها بدية الأعضاء، بل يمكن القول: إنها كالنصّ في هذه الدلالة، من هنا فتعميمها إلى دية النفس لايمكن القبول به بعد الأهمية الفائقة للنفس البشريّة في الكتاب و السنّة و العقل و المجتمع البشري.
الملاحظة الثانية: إنَّ هذه الروايات لاحجّية لها حتى في مورد دية الأعضاء; انطلاقاً من مخالفتها للكتاب والسنّة([57])، و معه كيف يمكن تعميم حكمها إلى مورد النفس؟!
و من الجدير معرفة ما يعلّقه المحقق الأردبيلي نهاية هذا البحث حين يقول: «هذا الحكم مشهور، و هو خلاف بعض القواعد المنقولة... و المعقولة أيضاً» ثم يقول: إنَّ الدال هنا روايتان: صحيحة أبان و مضمرة سماعة، و في كلتيهما خدشة([58]).

استعرضنا ـ إجمالا ـ الطوائف الثلاث من الروايات التي اعتمد عليها المشهور هنا، و قد ذكرنا أثناء نقل هذه الروايات بعض الإشكالات الواردة على الاستدلال بها، و ما نهدفه نهاية هذا البحث هو أن نسلّط الضوء على الملاحظة الرئيسية الواردة على هذا النوع من الروايات، بقطع النظر عما تقدّم.
و هذه الملاحظة الأساسية على هذه الروايات هي مخالفتها للكتاب و السنّة، فهناك العديد من الآيات والروايات الكثيرة جداً تدلّ على نفي الظلم و الحيف عن الله تعالى، كما أن هناك الكثير من الآيات و الروايات التي تدلّ على تساوي الرجل و المرأة في الهويّة الإنسانية.
إنَّ وضع هاتين المجموعتين من الآيات و الروايات يقتضي عدم وجود أيّ تفاوت في دفع الدية بين الرجل و المرأة، فإذا كان الرجل و المرأة متساويين في الحقيقة الإنسانية، و في الإمكانات و الطاقات و القدرات، فلا يمكن وضع تفاوت بينهما في مقابل الدم، من هنا يصرّح القرآن الكريم بعدم وجود أيّ امتياز في تحرير العبد بين المرأة و الرجل.
أمّا ما ذكر من فلسفة تشريع التفاوت في الدية و حكمته في بعض البحوث و الدراسات، و الإشارة إلى المكانة الاقتصادية المختلفة التي يحتلّها كلٌّ من الرجل و المرأة، كما تقدّم من قبل، فلا وجود له في النصوص الدينية و لا في الروايات بتاتاً، إضافةً إلى عدم تساوي إنتاج الرجل و المرأة اقتصادياً في المجتمعات المختلفة، بل إنّنا نسأل القائلين بهذه الفلسفة: لماذا لايطبّقون فلسفتهم هذه على الأطفال الذكور و الإناث و العجزة من الرجال و النساء، و على الذين يجنون أرباحاً عالية في نشاطهم الاقتصادي، رغم أنَّ هؤلاء جميعاً ليس لديهم معدّل إنتاج اقتصادي واحد؟!
و نورد هنا بعض الآيات و الروايات التي ذكرناها و هي:
هناك الكثير من الآيات الدالّة على أنَّ كلام الله و حكمه يقومان على أساس الحقيقة و العدالة، و أنّه لايظلم عباده البتّة، لا في ميدان التكوين ولا في ميدان التشريع مثل: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً...)([59])، و (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِِ يَقُصُّ الْحَقَّ)([60])، و (...وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ...)([61])، و (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)([62])، و (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة)([63])، و (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ)([64])، و (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)([65]).
إنَّ هذه الآيات تنفي الظلم و الجور عن الله تعالى، و تنزّه ساحته عنهما، كما أنَّ وضع اختلاف بين دية المرأة و الرجل هو ظلم عند الناس، بعيد عن العدالة و الحقيقة، ذلك أنَّ النساء مشتركات مع الرجال في الهوية الإنسانية، و الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية، كما أنَّ العقل نفسه يشهد على هذا التساوي أيضاً، و هو ما يؤيّده الكتاب و السنّة.
فالله سبحانه يتحدّث في كتابه عن تساوي المرأة و الرجل فيقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً)([66]).
و في هذه الآية ذكرت التقوى للربّ و المدبّر و المربّي للناس، على خلاف سائر الآيات التي ذكرت فيها التقوى بصورة مطلقة، مثل: (اتقوا)البقرة: 103، 123 و... و الذي يبدو لنا أن هذه النسبة و الإضافة للربّ تريد إيصال أمر إلينا، و هو أنَّ الناس متساوون في الحقيقة الإنسانية، و أنَّه لافرق بين المرأة و الرجل و الكبير و الصغير و القوي و الضعيف، و عقب ذلك تصدر الآية حكمها بالقول: أيُّها الناس، اتقوا، و لايظلم أحدكم الآخر في حق غيره، لا الرجل بالنسبة للمرأة، و لا الكبير بالنسبة للصغير، و لا القويّ بالنسبة للضعيف، و لا المولى بالنسبة للعبد..
إنَّ دائرة هذه التقوى واسعة أيضاً، فهي تشمل تمام المجالات الاقتصادية و السياسية، و القانونية و...
و عليه يؤمر الناس ـ بدلالة هذه الآية ـ بتجنّب كل ما هو بنظر العرف و العقلاء ظلم، و الله أولى بأن لايفعل ذلك، من هنا لا شك في دلالة هذه الآية على تساوي الناس، و رفع أشكال التمييز بينهم في الأحكام والقوانين.
و ثمَّة آيات أخرى دالّة على هذا التساوي و التكافؤ مثل: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)([67])، و (...ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)([68]).
كما أنَّ عدداً من الروايات يدلّ على المطلوب عينه، سبق أن أوردناها.

الإجماع هو الدليل الثاني للفقهاء على عدم تساوي الدية، أي إجماع آراء الفقهاء و اتفاقهم، بل إجماع المسلمين، و هذا الإجماع يمكنه أن يكون كاشفاً عن صدور هذا الحكم عن أئمة الدين(عليهم السلام)، و قد كنا نقلنا قبل هذا كلمات فقيهين بارزين في هذ المضمار.
إلاَّ أنَّه ـ مع ذلك كلّه ـ يواجه الاستناد إلى الإجماع إشكالين حقيقيّين هما:
الإشكال الأول: يستوحى من عبارات بعض الفقهاء ـ مثل المحقق الأردبيلي ـ أنَّ هناك تشكيكاً في تحقُّق هذا الإجماع، فقد استخدم المحقق الأردبيلي في موضعين من كتابه، في مقام الاستدلال على هذه المسألة، التعبير التالي: «فكأنَّه إجماع»، «و كأنَّ دليله الإجماع»([69])، و هذا التعبير يدلّل على شكّه في هذا الإجماع، و عليه فلا يمكن الاعتماد على مثل هذا الإجماع.
الإشكال الثاني: و مع وجود روايات عدّة ـ نقلناها قبل ذلك ـ سوف يكون هذا الإجماع مدركياً، ولن يغدو ـ بعد ذلك ـ دليلاً مستقلاً; فإنَّ الإجماع إنَّما يكون مدركاً للحكم الشرعي عندما لايكون هناك مستند قرآني و روائي للموضوع، إذ هذا الإجماع يغدو متأثراً بهذه الروايات عند وجودها، و حيث لم تكن هذه الروايات منسجمةً مع القرآن و القواعد الدينية العامة، و كانت خارجة عن دائرة الاستناد إليها، كان الإجماع ـ بالتبع ـ على هذه الحالة أيضاً.

يذهب بعضهم إلى أنَّ التفاوت في الدية راجع إلى الفعالية الاقتصادية للرجل و المرأة، ذلك أنَّ الدية مرتبطة بالجانب البدني، و حيث كان بدن الرجل أكثر قوّةً و قدرة في مجال إنجاز الأعمال المادية من المرأة، كان للرجال مردود عملي أكبر من النساء، و من هنا كانت ديتهم أكثر.
إلا أنَّ هذا التبرير غير تام، و ذلك:
أولا: إنَّه مجرّد استحسان، و لاتوجد له أيُّ إشارة في النصوص الدينية.
ثانياً: إنَّ تفاوت الأداء الاقتصادي و النشاط الإنتاجي بين الرجل و المرأة أمر متغيّر ليس بقارّ، و ليس له شكل ثابت في المجتمعات المختلفة و الثقافات المتنوّعة، فنحن نرى اليوم أنَّ النظام الأسري قد اتَّخذ لنفسه شكلا آخر، بل في بعض المجتمعات تساهم المرأة في اقتصاد الأسرة بإنتاج أكبر أو مساو لإنتاج الرجل نفسه، أليست هذه هي الحال في إيران في المناطق الزراعية، و في القرى و الأرياف، و كذلك المنطقة الشمالية و بلاد الأرز و...؟

و خلاصة القول: إنَّ القرآن الكريم دالّ على لزوم دفع أصل الدية، دون أن يضع امتيازاً بين الرجل والمرأة، كما أنَّ الروايات الدالَّة على تشريع الدية في الديانة الإسلامية تدلّ ـ كالقرآن ـ على المبدأ، و لاتضع تمييزاً بين الطرفين، و الأمر عينه يجري في الأصول العامة و القواعد الكلية للإسلام، حيث تستدعي مساواة الدية بين الرجل و المرأة أيضاً.
و على هذا الأساس، فإنَّ الروايات المخالفة لهذه الأدلّة و الشواهد لايمكن اعتبارها مدركاً لتأسيس رأي فقهي.

يذهب مشهور الفقهاء إلى أنَّ دية غير المسلم أقلّ من دية المسلم، و في هذه المضمار، يذهب الفقهاء الشيعة إلى أنَّ مقدار دية غير المسلم ثمانمائة درهم، فيما يتبنّى بعض فقهاء أهل السنّة أنَّ ديتهم تقع على النصف من دية المسلم، و يذهب بعض آخر إلى أنَّها ثلث دية المسلم.
فريق آخر يذهب إلى أنَّ دية الذمي غير المجوسي مساويةٌ لدية المسلم، فيما يفصّل فريق في دية المعاهد، فلو قُتل عمداً كانت له دية المسلم، و لو كان القتل خطأ فديته نصف دية المسلم([70]).
يكتب صاحب مفتاح الكرامة فيقول: «أما الذمي الحرّ فديته ثمانمائة درهم إجماعاً، كما في الانتصار و الخلاف و الغنية و كنز العرفان، و هو المشهور روايةً و فتوى، كما في كشف اللثام، و أشهر فيهما كما في الروضة، و المشهور في عمل الأصحاب، كما في المقتصر، و المشهور، كما في النافع، و كشف الرموز، و المهذب البارع، و التنقيح، و ملاذ الأخيار، و عليه عامة أصحابنا إلاَّ النادر، كما في الرياض»([71]).

إنّ أهم مدرك يعتمد عليه المشهور في نظريّتهم هو الروايات الدالّة على هذا القول، فقد اعتبرها صاحب مفتاح الكرامة سبعة أحاديث([72])، إلا أنَّ التحقيق أنَّها تبلغ الثمانية، تفصيلها كما يلي:
الرواية الأولى: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «دية اليهودي و النصراني و المجوسي ثمانمائة درهم»، و رواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن عيسى، و الذي قبله بإسناده عن أبي علي الإشعري مثله([73]).
الرواية الثانية:...عن أبي أيوب، و ابن بكير جميعاً، عن ليث المرادي، قال: سألته عن دية اليهودي و النصراني و المجوسي، فقال: «ديتهم جميعاً سواء، ثمانمائة درهم»، و رواه الشيخ بإسناده عن ابن محبوب، و كذا الحديثان قبله([74]).
الرواية الثالثة: عبدالله بن جعفر في (قرب الإسناد) عن عبدالله بن الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه، قال: سألته عن دية اليهودي و النصراني و المجوسي، كم هي؟ سواء؟ قال: «ثمانمائة ثمانمائة، كل رجل منهم»([75]).
الرواية الرابعة: محمد بن الحسن بإسناده عن ابن أبي عمير، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «بعث النبي(صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد إلى البحرين، فأصاب بها دماء قوم من اليهود و النصارى و المجوس، فكتب إلى النبي(صلى الله عليه وآله)إنّي أصبت دماء قوم من اليهود و النصارى فوديتهم ثمانمائة درهم ثمانمائة، و أصبت دماء قوم من المجوس، و لم تكن عهدت إليّ فيهم عهداً، فكتب رسول الله(صلى الله عليه وآله): إنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، و قال: إنّهم أهل الكتاب»([76]).
الرواية الخامسة: و بإسناده عن إسماعيل بن مهران، عن درست، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن دية اليهود و النصارى و المجوس، قال: «هم سواء ثمانمائة درهم»، قلت: إن أخذوا في بلاد المسلمين و هم يعملون الفاحشة أيُقام عليهم الحدّ؟ قال: «نعم، يحكم فيهم بأحكام المسلمين»، و رواه الصدوق بإسناده عن ابن مسكان، و الذي قبله بإسناده عن ابن أبي عمير مثله([77]).
الرواية السادسة: و بإسناده عن صفوان، عن ابن مسكان، عن ليث المرادي، و عبدالأعلى بن أعين جميعاً، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «دية اليهودي و النصراني ثمانمائة درهم»([78]).
الرواية السابعة: محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن عبدالرحمن بن حماد، عن عبدالرحمن بن عبدالحميد، عن بعض مواليه، قال: قال لي أبوالحسن(عليه السلام): «دية ولد الزنا دية اليهودي ثمانمائة درهم»([79]).
الرواية الثامنة: و عنه، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن بعض رجاله، قال: سألت أباعبدالله(عليه السلام)عن دية ولد الزنا؟ قال: «ثمانمائة درهم، مثل دية اليهودي و النصراني و المجوسي».
و رواه الصدوق بإسناده عن جعفر بن بشير مثله([80]).

إنَّ دلالة هذه الروايات الثمانى على الرأي المشهور واضحة، و لامجال للارتياب فيها، كما أنَّ من بينها روايات معتبرة([81])، و عليه فإذا قصرنا النظر على هذه الروايات فإنَّ النظرية المشهورة يمكن تبنّيها و الدفاع عنها حينئذ.
إلاَّ أنَّ في مقابل هذه الروايات أحاديث أخرى تختلف عنها في المضمون، و من بينها أيضاً ما هو معتبر سنداً، و هذا ما يقدح بالاستدلال بالروايات الثماني المذكورة.
هذا، بعيداً عن أنَّ الأصول و القواعد الإسلامية العامة و أدلّة تشريع الدية تقتضي هي الأخرى ما يعاكس هذه الروايات المشار إليها.
و بناءً عليه، يمكن القول: إنَّ هذه الروايات الثماني تواجه مشكلتين رئيستين هما:
أ ـ التعارض مع طائفة أخرى من الروايات الخاصّة.
ب ـ التعارض مع الأصول و القواعد العامة الإسلامية و أدلّة تشريع الدية.
و نحاول هنا الإفاضة في شرح هاتين المشكلتين المذكورتين.
في مقابل هذه الروايات الثماني، ثمَّة طوائف أربع أخرى من الأحاديث تختلف عنها في المضمون و هي:
1ـ الطائفة التي تدلّ على أنَّ دية الذمي ثمانمائة درهم.
2 ـ الطائفة التي تدلّ على أنَّ دية أهل الكتاب أربعة آلاف درهم.
3 ـ الطائفة التي تدلّ على أنَّ دية اليهودي، و المسيحي، و المجوسي مساوية لدية المسلم.
4 ـ الطائفة التي تدلّ على أنَّ دية الذمي مساوية لدية المسلم.
و تفصيل هذه الطوائف الأربع كما يلي:

و هناك روايات ثلاث في هذا المضمار:
الأولى: ... و عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعاً، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «دية الذمي ثمانمائة درهم»([82]).
الثانية: بإسناده عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): كم دية الذمي؟ قال: «ثمانمائة درهم»([83]).
الثالثة: و بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن ابراهيم بن هاشم، عن عبدالرحمن بن حماد، عن ابراهيم بن عبدالحميد، عن جعفر(عليه السلام) قال: قال: «دية ولدالزنا دية الذمى ثمانمائة درهم».([84])

و هناك روايتان بهذا المضمون هما:
الأولى: محمد بن علي بن الحسين، قال: «روي أن دية اليهودي و النصراني و المجوسي أربعة آلاف درهم، أربعة آلاف درهم; لأنَّهم أهل الكتاب»([85]).
الثانية: و بإسناده عن محمد بن خالد، عن القاسم بن محمد، عن علي، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «دية اليهودي و النصراني أربعة آلاف درهم، و دية المجوسي ثمانمائة درهم»([86]).

و ثمَّة حديث واحد هنا هو: و بإسناده عن إسماعيل بن مهران، عن ابن المغيرة، عن منصور، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «دية اليهودي، و النصراني، و المجوسي دية المسلم».
و رواه الصدوق بإسناده عن عبدالله بن المغيرة مثله([87]).

و في هذه الطائفة حديثان:
الحديث الأول: و بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان، عن زرارة، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «من أعطاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذمةً فديته كاملة»، قال زرارة: فهؤلاء؟ قال أبوعبدالله(عليه السلام): «وهؤلاء من أعطاهم ذمّة؟»([88]).
الحديث الثاني: محمد بن الحسن بإسناده عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن سماعة، قال: سألت أباعبدالله(عليه السلام)عن مسلم قتل ذمياً؟ فقال: «هذا شيء شديد لايحتمله الناس، فليعط أهله دية المسلم حتى ينكل عن قتل أهل السواد، و عن قتل الذمي»، ثم قال: «لو أنّ مسلماً غضب على ذمي، فأراد أن يقتله و يأخذ أرضه و يؤدي إلى أهله ثمانمائة درهم، إذاً يكثر القتل في الذميين»([89]).

إنَّ تعارض هذه الطوائف الأربع و عدم انسجامها مع بعضها، و كذا مع الروايات الثماني السابقة، واضح لالُبس فيه، و قد اهتمّ الفقهاء و المحدّثون بدراسة سبل الخروج من هذا التنافي، فقد قسّم الشيخ الصدوق أهل الكتاب إلى فئات ثلاث، واضعاً لكلّ فئة منها دية خاصة به، فدية أولئك الذين وقعت بينهم و بين النبي(صلى الله عليه وآله) أو أحد الأئمة عهود و مواثيق ثم وفوا بها و التزموا بمضمونها تساوي دية المسلمين، أما دية أولئك الذين قبلوا الظروف و الشروط العامة للمجتمع الإسلامي فهي أربعة آلاف درهم، و هذا الفريق الأخير إذا ما خالف شرائط الذمة و تخلّف عنها تصبح ديته ثمانمائة درهم([90]).
إلاَّ أنَّ مشهور الفقهاء قدّموا الروايات الثماني الأوَل، فيما حملوا سائر الروايات على التقية; انطلاقاً من موافقتها لآراء أهل السنّة([91]).
إلاَّ أنّنا نرى أنَّ وجوه الجمع هذه ليس هناك شاهد مقبول عليها، لذا فهي لا تحسب جمعاً عرفياً، فالجمع الذي قام به الشيخ الصدوق بحمل الروايات على أقسام الكفار، و إن كان جمعاً لطيفاً و موافقاً للقواعد، ولنظام الجمع بين المطلق و المقيد، في جمعه بين مادلّ على أنَّ ديتهم دية المسلم، و ما دلّ على أنَّها ثمانمائة درهم أو أربعة آلاف درهم... كما سنبِّين ذلك لاحقاً بالتفصيل، إلاَّ أنَّ الجمع بين طائفتي الثمانمائة درهم والأربعة آلاف درهم هو نوع من الاستحسان، و لايتوفر في أيدينا أيُّ مستند عرفي و من داخل الروايات يساعد عليه.
و هكذا الحال في كلام المشهور، بحملهم هذه الروايات على التقية; انطلاقاً من موافقتها لآراء أهل السنّة، فيما تخالف روايات الثمانمائة درهم فتاواهم... إنَّ هذا الحمل لاشاهد عليه; ذلك أنَّ الطائفة الرابعة التي تساوي دية الذمي ـ سواء كان يهودياً أو مسيحياً أو مجوسياً، و سواء كان القتل عمدياً أو خطئياً ـ بدية المسلم تخالف هي الأخرى ما ذهب إليه الفقه السنّي، إذ لا نجد فى كلماتهم مثل هذا الإطلاق، بل نرى تفصيلا بين الخطأ و العمد، أو بين اليهودي و النصراني و المجوسي، كما أشرنا إلى آراء أهل السنّة بداية هذا الفصل من هذه الدراسة.
إنَّنا نعتقد أنَّه لابدّ ـ بدايةً ـ من رفع التعارض الموجود بين الطوائف الأربع الأخيرة; ليتبيّن حكمها من هذه الجهة، ثم نعمد ـ بعد ذلك ـ إلى رفع المعارضة الواقعة بينها و بين الطائفة الأولى السابقة.
و الذي نراه أنَّ رفع التعارض في الطوائف الأربع الأخيرة يكون بالقول: إنَّه لا تعارض بين صحيحة زرارة الدالّة على تساوي دية الذمي مع دية المسلم و سائر الروايات الأخرى، ذلك أنَّها بمثابة النصِّ على أنَّ الذّمي بالفعل متساوية ديته مع المسلم، من هنا، لا تعارض الروايتين الدالَّتين على أنَّ دية الذمي ثمانمائة درهم، و ذلك أنَّ في كلمة الذمي الواردة فيهما احتمالين هما: الأول: الذمي بالفعل، و الثاني: الذمي بالقوّة، ومع وجود هذا الاحتمال لايمكن حمل الذمي فيهما على الذمي بالفعل، كي يقع التعارض المذكور.
و إذا قيل: إنَّ الذمي في هاتين الروايتين ظاهر في الذمي بالفعل، مع ذلك نقول: إنَّ ظهور الصحيحة أقوى من غيرها، فهي بمثابة النصِّ; فتقدّم على الروايتين المشار إليهما، و هذا نحوٌ من الجمع العرفي عند الفقهاء، و عليه لا وجود للتعارض هنا.
أمَّا الروايتان الدالّتان على أنَّ أهل الكتاب، أو اليهودي و النصراني، كما جاء فيهما، ديتهما أربعة آلاف درهم، فيحملان ـ بقانون حمل المطلق على المقيد ـ على كونهم من غير أهل الذمة، ذلك أنَّ أهل الكتاب أعم من الذمي بالفعل، هذا إن لم نقل بأنَّ لسان صحيحة زرارة هو لسان الحكومة، و تقدّم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم ممَّا لا نقاش فيه.
أما الرواية الدالّة على أنَّ دية اليهودي و المجوسي و المسيحي هي دية المسلمين، فيجاب عنها بهذا الوجه أيضاً، حيث نعتقد أنَّ المنظور فيها ـ بقانون حمل المطلق على المقيد ـ أهل الذمّة من اليهود، و النصارى و المجوس لا مطلقاً; و بناءً عليه، لا تتعارض صحيحة زرارة التي تساوي بين دية الذمي و دية المسلم مع الطوائف الثلاث الأخرى.
و هكذا الحال في علاقة صحيحة زرارة مع الروايات الثماني المتقدمة سابقاً، و التي تحكم بأنَّ دية اليهودي و المسيحي و المجوسي ثمانمائة درهم، حيث يمكن الجمع بين الطرفين، ذلك أنَّ العنوان الأولي في روايات اليهودي و النصراني و المجوسي هو اليهودي بما هو يهودي و... أمَّا صحيحة زرارة فهي تجعل الدية عليهم بما هم مؤتمنون و من أعطاهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذمام، و نتيجة ذلك تحمل الروايات المطلقة على صحيحة زرارة المقيدة بقيد الذّمية، أو تكون الصحيحة نفسها حاكمةً عليهم.
و نستنتج من جملة ما تقدّم: أنه لا وجود للتعارض بين صحيحة زرارة و سائر الروايات الواردة في هذا الباب، انطلاقاً من تقدُّم الصحيحة عليها، و تكون النتيجة تساوي دية الذمي بالفعل مع دية المسلم.
و انطلاقاً من هذه النتيجة، و عبر استخدام مبدأ إلغاء الخصوصية و تنقيح المناط، نعمّم الحكم المذكور إلى كل مؤتمن أو معاهد للمسلمين، سواء كان عهده من العهود الخاصة أو العهود الدولية، و التي تتضمن الاحترام المتبادل و حفظ الطرفين أو الأطراف لحقوق بعضهم البعض، فيرى كلُّ واحد منهم الآخر مؤتمناً ومحترماً، و يكون المسلمون كذلك بالنسبة للآخرين، فتكون النتيجة تساوي دية هؤلاء جميعاً مع دية المسلم، سواء كانوا من أهل الكتاب أو لا، و سواء كانوا موحّدين أو لا.
و الجدير ذكره أنَّ القواعد و الأصول الكلّية العامة و ما يستفاد من الروايات الخاصة موافق كلّه لهذا الرأي، ذلك أنَّه كما كان مال غير المسلم محترماً، و كان ضمانه كضمان مال المسلم تماماً يمكن القول: إنَّ حياته كذلك، و على هذا الأساس يمكن التمسّك بالأولوية القطعيّة العرفية; انطلاقاً ممَّا تقدّم، لاستفادة تساوي دية المسلم و غيره.
و إذا ما رفض أحد هذا الوجه في الجمع و التقريب رغم كلّ وضوحه، إلاَّ أنَّه لايمكنه الاستناد إلى الروايات التي عدّت مدركاً للقول المشهور، ثم الإفتاء على وفقها; و ذلك:
أولا: إنَّ الروايات الدالّة على أنَّ دية اليهودي والمسيحي والمجوسي ثمانمائة درهم أو الروايات الدالّة على أنَّها أربعة آلاف درهم لابدّ من طرحها; لمخالفتها للكتاب، فيما تؤخذ الروايات الدالّة على تساوي دية الذمي مع دية المسلم لموافقتها له، والترجيح بموافقة الكتاب في مورد تعارض الخبرين سابق على تمام المرجحات المذكورة في باب التعارض.
أما بيان مخالفة أو موافقة هذه الروايات للقرآن، فيظهر بمراجعة الآية 92 من سورة النساء حيث جاء فيها: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْم عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَإِن كَانَ مِن قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً).
تقرّر هذه الآية أنَّ المقتول بالقتل الخطأ إذا كان مؤمناً بين المؤمنين لزم على القاتل دفع الدية إلى أهله، كما لزمه تحرير عبد مؤمن، أمَّا إذا كان المقتول مؤمناً لكنه كان بين الكافرين المعادين للمسلمين، و كان القتل خطئياً أيضاً فلايلزم القاتل سوى تحرير رقبة مؤمنة، و لو كان المقتول من أهل المواثيق المعاهدين للمسلمين لزم القاتل دفع الدية و تحرير الرقبة المؤمنة أيضاً.
و اللازم ذكره هنا أنَّه يستفاد من مفهوم (وَإِن كَانَ مِن قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ) و هو مفهوم وصف وقع في سياق بيان القاعدة... أنَّه لو لم يكن للمقتول عهد و ميثاق و احترام لا دية له، إضافةً إلى أنَّ نفس تقسيم الآية المقتولَ خطأ إلى أصناف ثلاثة ـ مع افتراض أنَّها في مقام البيان ـ دالّ دلالةً واضحة، بحكم سياق التفصيل و الإطلاق المقامي، على أنَّ من هو غير مؤمن و لا من أهل الميثاق فلا دية له.
و عليه، فالروايات الدالّة على أنَّ دية اليهودي و المسيحي و المجوسي مطلقاً ـ أي سواء كان معاهداً أم لم يكن ـ لا تساوي دية المسلم إن لم نقل: إنَّها ظاهرة في غير أهل العهد، فلا أقلّ من أنَّها شاملة لهم بإطلاقها، فتكون مخالفةً للكتاب، فيما الروايات التي تساوي بين دية المسلم و أهل الذمة موافقة للكتاب.
و لايفوتنا التذكير بأنَّ منشأ الإشكال و الخلاف مع الكتاب ليس مقدار الدية حتى يقال: إنَّها لم تبيّن في القرآن الكريم، و إنَّما أصل الدية، كما بيّناه آنفاً، و لابدَّ من الالتفات إلى أنَّ بعض المفسّرين جعل مرجع الضمير في (وَإِن كَانَ مِن قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ) هو المقتول المؤمن، و بطلانه واضح، ذلك أنَّ القرآن قد ذكر قيد المؤمن في حق المقتول بين الأعداء فقال: (فَإِن كَانَ مِن قَوْم عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، تماماً كما ذكر في صدر الآية القيد نفسه في المقتول، و إذا كان المراد من المقتول مع ميثاق هو المقتول المؤمن، أي المؤمن الذي هو من أهل الميثاق فلابد من ذكر قيد الإيمان، و معنى ذلك أنَّ عدم ذكر هذا القيد يمثِّل حجَّةً قطعيّة ودليلاً واضحاً على أنَّ المقصود من المقتول بين أهل الميثاق هو المقتول الذي يندرج فيهم لا المؤمن عندهم.
ثانياً: إنَّ روايات الثمانمائة درهم تعارض الطائفتين الأخيرتين من الطوائف الأربع التي ذكرناها سابقاً، وهي ما دلّ على أنَّ دية اليهودي و المسيحي و المجوسي أربعة آلاف درهم، و ما دلّ على أنَّها مساوية لدية المسلم، وحيث لا ترجيح لها على هاتين الطائفتين تغدو النتيجة تكافأهما، و كل متعارضين متكافئين لا ترجيح لأحدهما على الآخر يجري فيهما قانون التخيير، و عليه فروايات الطائفة الرابعة التي تتضمن تساوي دية المسلم و غيره هي التي نأخذها، كما جاء في الحديث: «بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك»([92]).
ثالثاً: إنَّ ما جُعل مستنداً للمشهور من أنَّ الروايات المخالفة لأهل السنّة منحصرة في الطائفة الدالّة على الثمانمائة درهم، فيما سائر الطوائف موافقة لهم، لايصحّ، حتى لو صرفنا النظر عن الجواب المتقدّم القائل بأنَّ مخالف أهل السنّة لاينحصر بهاتين الطائفتين، و ذلك أنَّ الترجيح بالمخالفة يأتي بعد الترجيح بموافقة الكتاب العزيز، و كما أسلفنا فإنَّ روايات الثمانمائة درهم، و تمام الروايات التي تدلّ بشكل مطلق على عدم تساوي الدية في اليهودي، و النصراني، و المجوسي كلّها تعارض القرآن الكريم، أما الروايات التي تدلّ على تساوي دية الذّمي مع المسلم فهي موافقة للقرآن، و عليه لا تصل النوبة إلى الترجيح بمخالفة أهل السنّة.

إنَّ العهد و الميثاق ـ على أساس المنطق القرآني ـ لهما من القيمة ما يساوي الإيمان نفسه، ذلك أنَّه في حالة القتل الخطأ للمؤمن أو لأهل الميثاق يصدر القرآن حكماً بتحرير رقبة مؤمنة، و كذلك دفع الدية إلى أولياء المقتول، و الدية ذات جانب ضماني يجبر الخسائر الواردة، أما تحرير الرقبة المؤمنة فذا جانب جبراني يقابل خسران حياة إنسان، وهو الإنسان المقتول.
كما أنَّ المؤتمنين أو المعاهدين للمسلمين، سواء كانت عهودهم خاصة أو كانت عهوداً دوليةً تتضمّن الاحترام المتبادل و حفظ كلّ طرف حقوق الطرف الآخر، و اعتباره محترماً (و هكذا الحال في المسلمين بالنسبة للآخرين) إنَّ هؤلاء جميعاً تساوي ديتهم دية المسلم، سواء كانوا من أهل الكتاب أم لا، و سواء كانوا موحّدين أم لا.
و قد سبق أنَّ الروايات دالّة على هذا الأمر، و هذا يعني أنَّ القرآن الكريم، و السنّة الشريفة متفقان، و معناه أنَّه يؤخذ هنا بالقرآن و العترة، و الأخذ بهما معاً مسؤولية لازمة و وظيفة ضرورية و بديهية.

1 ـ بحارالأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار(عليهم السلام)، محمدباقر المجلسي (1110 هـ)، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ / 1983 م.
2 ـ تحف العقول عن آل الرسول(صلى الله عليه وآله)، الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني (ق 4 هـ)، طهران، دارالكتب الإسلامية، 1376 هـ .
3 ـ تنقيح المقال في علم الرجال، عبدالله المامقاني (1351 هـ)، انتشارات جهان، رحلي.
4 ـ جواهرالكلام في شرح شرائع الإسلام، محمدحسن النجفي (1266 هـ)، بيروت، دارإحياء التراث العربي، 1981 م.
5 ـ خلاصة الأقوال، الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (648 ـ 726 هـ)، قم، مؤسسة نشر الفقاهة، 1417 هـ.
6 ـ رجال الطوسي، محمد بن الحسن الطوسي (460 هـ) تحقيق: جواد القيومي الإصفهاني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1415 هـ.
7 ـ رجال النجاشي، أبوالعباس أحمد بن علي النجاشي (450 هـ)، قم، مكتبة الداوري.
8 ـ رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، السيد علي الطباطبائي (1231 هـ)، قم، مؤسسة آل البيت.
9 ـ السنن الكبرى، أبوبكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (458 هـ)، بيروت، دارالمعرفة.
10 ـ فقه الثقلين (كتاب القصاص)، يوسف الصانعي، طهران، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني، 1426 هـ.
11 ـ الفقه على المذاهب الأربعة، عبدالرحمن الجزيري، بيروت، دارالفكر.
12 ـ فقه و زندگى (2)، برابرى قصاص (زن و مرد، مسلمان و غير مسلمان)، مؤسسه فرهنگى فقه الثقلين، قم، ميثم تمار، أول، 1383 ش / 2004 م.
13 ـ الفهرست، محمد بن الحسن الطوسي (460 هـ)، تحقيق جواد القيومي الإصفهاني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 هـ.
14 ـ الكافي، أبوجعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني (329 هـ)، طهران، دارالكتب الإسلامية، 1388 هـ.
15 ـ كنزالعمال في سنن الأقوال و الأفعال، علاءالدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي (975 هـ)، تصحيح: صفوة السقّا، بيروت، مكتبة التراث الإسلامي، 1397 هـ.
16 ـ مجمع الفائدة و البرهان، أحمد الأردبيلي (993 هـ)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1406 هـ.
17 ـ المعتبر، أبوالقاسم، جعفر بن الحسين الحلّي (676 هـ)، مؤسسة سيدالشهداء، 1364.
18 ـ معجم رجال الحديث، السيد أبوالقاسم الخوئي (1992 م)، الخامسة، 1413 هـ.
19 ـ مفتاح الكرامة، محمد جواد الحسيني العاملي (1226 هـ)، بيروت، دارالتراث، 1418 هـ، 1998م.
20 ـ وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحرّ العاملي (1104 هـ)، قم، مؤسسة آل البيت، 1421 هـ.




[1] البقرة: 22.
[2] البقرة: 29.
[3] الجاثية: 13.
[4] البقرة: 185.
[5] الشورى: 13.
[6] مستدرك، ج 18، ص 211، ح 4.
[7] النساء: 92.
[8] النساء: 92.
[9] سوف نتحدّث عن الروايات الدالّة على تفاوت مقدار الدية و نسبتها إلى هذه الروايات المذكورة هنا، و ذلك في الفصل الثاني القادم إن شاءالله تعالى.
[10] وسائل الشيعة 29: 193 ـ 199، باب 1.
[11] المصدر نفسه: 193، باب1، ح 1.
[12] المصدر نفسه: 198، باب 1، ح 14.
[13] المصدر نفسه: 197، باب 1، ح 12.
[14] المصدر نفسه: 194، باب 1، ح 2.
[15] المصدر نفسه: 221، باب 14، ح 1.
[16] المصدر نفسه: 221، باب 14، ح 2.
[17] النساء: 1.
[18] الحجرات: 13.
[19] تحف العقول: 34، خطبة في حجة الوداع; بحار الأنوار 73: 350، ح 13.
[20] كنزالعمال 9:38،ح24882،وبحارالأنوار75:215، ح108.
[21] بحارالأنوار 22: 118، ح 89.
[22] المصدر نفسه: 348، ح 64.
[23] المصدر نفسه 75: 57، ح 119.
[24] النجفي، جواهر الكلام 43: 32.
[25] الطباطبائي، رياض المسائل 14: 187.
[26] وسائل الشيعة 29: 205، باب 5، ح 1.
[27] المصدر نفسه: 229، باب 21، ح 1.
[28] المصدر نفسه: 206، باب 5، ح 3.
[29] المصدر نفسه: 312، باب 19، ح 1.
[30] المؤمنون: 14.
[31] وسائل الشيعة 29: 317، باب 19، ح 9.
[32] الطوسي، الفهرست: 216.
[33] رجال الطوسي: 391، 448، والفهرست: 216.
[34] المامقاني، تنقيح المقال 3: 167.
[35] المصدر نفسه.
[36] المعتبر: 81.
[37] راجع: تنقيح المقال 3: 160.
[38] رجال النجاشي: 333.
[39] وسائل الشيعة 29: 80، باب 33، ح 1.
[40] المصدر نفسه: 81، باب 33، ح 2.
[41] المصدر نفسه: 81، باب 33، ح 3.
[42] راجع: سلسلة الفقه المعاصر (2)، مساواة المرأة و الرجل و المسلم و الكافر في القصاص:
[43] وسائل الشيعة 29: 352، باب 44، ح 1.
[44] المصدر نفسه: 352، باب 44، ح 2.
[45] المصدر نفسه: 164، باب 1، ح 3.
[46] المصدر نفسه: 163، باب 1، ح 2.
[47] المصدر نفسه: 163، باب 1، ح 1.
[48] مجمع الفائدة و البرهان 14:470.
[49] الفهرست: 57; خلاصة الأقوال: 21.
[50] تنقيح المقال 1: 4.
[51] آل عمران: 138.
[52] النحل: 44.
[53] السنن الكبرى (البيهقى) 8: 96.
[54] الكافي 1: 265، ح 2.
[55] الأردبيلي، مجمع الفائدة و البرهان 14: 469.
[56] الخوئي، معجم رجال الحديث 12: 129 ـ 132.
[57] راجع: سلسلة الفقه المعاصر (2)، مساواة الرجل والمرأة والمسلم والكافر في القصاص:
[58] لمزيد من الاطلاع راجع: مجمع الفائدة والبرهان 14:467ـ 474.
[59] الأنعام: 115.
[60] الأنعام: 57.
[61] فصلت: 46، آل عمران: 182، الأنفال: 51، الحج: 10، ق: 29.
[62] يونس: 44.
[63] النساء، 40.
[64] غافر: 31.
[65] آل عمران: 57،140.
[66] النساء: 1.
[67] الحجرات: 13.
[68] المؤمنون: 14.
[69] مجمع الفائدة و البرهان 14: 313، 322.
[70] الفقه على المذاهب الأربعة 5: 370 ـ 372.
[71] مفتاح الكرامة 21: 176.
[72] المصدر نفسه.
[73] وسائل الشيعة 29: 217، باب 13، ح 2.
[74] المصدر نفسه: 218، باب 13، ح 5.
[75] المصدر نفسه، باب 13، ح 6.
[76] المصدر نفسه، باب 13، ح 7.
[77] المصدر نفسه: 219، باب 13، ح 8.
[78] المصدر نفسه، ح 10.
[79] المصدر نفسه: 222، باب 15، ح 1.
[80] المصدر نفسه، باب 15، ح 2.
[81] فالحديث الثاني و السادس صحيحا السند، كما أنَّ الحديث الرابع موثق، أما بقية الروايات ففي أسانيدها إشكال.
[82] وسائل الشيعة 29: 217، باب 13، ح 3.
[83] المصدر نفسه: 219، باب 13، ح 9.
[84] المصدر نفسه: 223، باب 15، ح 3.
[85] المصدر نفسه: 22، باب 13، ح 12.
[86] المصدرنفسه: 222، باب 14، ح 4.
[87] المصدر نفسه: 221، باب 14، ح 2.
[88] المصدر نفسه: 222، باب 14، ح 3.
[89] المصدر نفسه: 221، باب 14، ح 1.
[90] مفتاح الكرامة 21: 177 ـ 178.
[91] المصدر نفسه 21: 176.
[92] وسائل الشيعة 27: 108، ح 6.
الحقوق المادية والمعنوية لهذا الموقع تخص مؤسسة فقه الثقلين الثقافية
العنوان: قم - شارع الشهيد محمد المنتظري - الفرع 8 - رقم البناية 8. الهاتف: 7832802 الفاكس: 7832803